يغيب من سورية اليوم نقاش حقيقي عن مشاريع سياسية للمستقبل، ويحتدم الجدل بشأن طريقة النظر إلى الماضي، وهناك إصرار على حسمه باتجاه واحد. ويبدو أنّ صورة النظام السابق، على الرغم من سقوط الأسد، لا تزال معياراً تُقاس به الأشياء، بدلاً من أن تُستحضَر تجربةً ينبغي نقدها واستخلاص دروسها، فيتحوّل الماضي إلى معيار شبه وحيد يعفي الحاضر من المساءلة. “أليس الوضع أفضل ممّا كان عليه مع الأسد؟”. سؤال يجيب عنه كثيرون من دون تردّد: نعم. إلا أنّ السؤال الذي يفوتهم: هل تتقدّم سورية نحو دولة مواطنة وقانون ومؤسّسات؟
يؤدّي الماضي في سورية وظيفةً سياسيةً جديدةً، فهو في أحسن الأحوال “أنتي نوستالجيا”. وعلى خلاف النوستالجيا، يُستعاد الماضي أداةً لتبرير العجز الراهن وتأجيل الاستحقاقات الحالية: الحرّيات أو العدالة أو بناء المؤسّسات أو المساواة بين المواطنين، فيكفي أن يرتفع الصوت تذكيراً: هل نسيتم السجون؟ هل نسيتم المجازر؟ هل…؟ إلا أنّ التذكير بفظاعات الماضي لا يعني إعفاء الحاضر من واجباته. وإن كانت المرحلة توصف بالانتقالية، فهذا لا يبرّر أن يتحوّل التفهّم (المؤقّت) إلى فلسفة حكم دائمة، ليصير الماضي حصانةً للحاضر بدلاً من أن يكون درساً له.
كان الهمّ العام في ألمانيا بعد هتلر: كيف يمكن الوصول إلى نظام يمنع عودة النازية؟ فانصبّ الجهد على تأسيس مؤسّسات دستورية وعلى استقلالية القضاء وحرّية الرأي وضمان توافر آليات رقابة سياسية… هكذا وسّعت جرائم الماضي النقد الراهن ولم تُسكِته. أمّا في إسبانيا، فلم تقم شرعية الانتقال الديمقراطي، بعد فرانثيسكو فرانكو، على إنهاء الدكتاتورية فقط، بل على القطيعة معها، وعلى القدرة على بناء قواعد جديدة للحياة المشتركة. ولم يكتفِ المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، رغم رصيده الأخلاقي كلّه، بالقول إنّ البلاد أصبحت أفضل حالاً ممّا كانت عليه زمن الأبارتهايد، ولم يكتفِ السود، الذين ناضلوا عقوداً ليكونوا مواطنين متساوين، بأن يكونوا أفضل حالاً، وأصرّوا على إخضاع الحكومات المتعاقبة للنقد والمساءلة، إدراكاً منهم أنّ ذاكرة الظلم لا تمنح أحداً حقّ احتكار المستقبل.
ينبغي للمعيار في سورية أن يكون مقدار الاقتراب من الدولة الحُلم، لا مقدار الابتعاد عن النظام السابق، فمن الوهم الاعتقاد أنّ المسافة التي تفصل السوري عن الاستبداد هي نفسها المسافة التي تقرّبه من الحرّية، وإلا أضحت المقارنة المستمرّة مع الماضي احتياطياً سياسياً دائماً يُوظّف كلّما ارتفعت مطالبُ المساءلة، ما يعني اختزال المشروع السياسي في: نحن أفضل من النظام السابق، وهو منطق يمكن معه الاكتفاء بظلم أقلّ، وبقمع أقلّ، وبحرّيات أقلّ… إلخ، وتتراجع مع الوقت الطموحات الجماعية، ليصبح الحدّ الأدنى هو السقف، فيستمرّ الانقسام السياسي – الأخلاقي مع تقديم كلّ نقد للحاضر بوصفه محاولةً لتبرئة الماضي (تهمة “فلول”)، ما يُكرّس خياراً زائفاً: إمّا تأييد السلطة الحالية أو الدفاع عن السلطة السابقة.
لا يمكن نسيان جرائم الأسد ونظامه، فنسيانها (أو تعويم مرتكبيها) جريمة أخرى. لكن لا ينبغي أن يكون الهدف تعليق النقد لمنح الحاضر شيكاً على بياض. وتتفاقم المشكلة حين لا يُراد من الذاكرة أن تكون أداةً للعدالة، بل وسيلةً لتعطيلها، فتصبح المقارنة مع استبداد النظام السابق وجرائمه المعروفة (وتلك المُكتشَفة حديثاً)، وسيلةً لإضعاف المطالبة بدولة القانون. وفي هذا السياق، تتجدّد دعوات تحميل السوريين العلويين مسؤوليةً جماعيةً عن جرائم النظام السابق، بدلاً من تثبيت مبدأ العدالة الفردية. تتمثّل خطورة هذا في أنّه يفتح الباب أمام تحويل الذاكرة من طريق إلى المحاسبة إلى وقود للانتقام، ومن درس ضدّ الاستبداد إلى ذريعة لإنتاج ظلم جديد. ينبغي أن تكون القاعدة في سورية الجديدة: لا حصانة لمجرم، ولا ذنب لجماعة، وإلا فنحن أمام وصفة للثأر الأهلي، بدأنا نشهد صورها في بعض المناطق.
لا ينبغي لـ”التسويات التاريخية”، التي تستنزف جهود أصحابها في غير مكانها، أن تكون هروباً من مشروع سياسي لمستقبل يبدأ من العدالة الانتقالية (المعطّلة)، التي لا تسّأل الناس عن طوائفهم وهُويّاتهم، بل عن أفعالهم وعن الجرائم المثبتة بحقّهم، أمّا أن نستبدل بها “المسؤولية الجماعية” فهذا أقصر الطرق إلى حرب أهلية.