لم ينشأ المسرح من الخرافات بمعناها الساذج، لكنه نشأ من الطقوس والأساطير التي كانت الخرافة جزءًا منها، ثم انفصل عنها تدريجيًا وبدأ في نقدها، وصار أداة وعي ومساءلة، ومنصةً لمواجهة الظلام المعرفي الذي يتسلل إلى الوعي الجمعي في أزمنة الخوف والجهل.
الخرافة، بوصفها بنيةً ذهنيةً قائمةً على التفسير الغيبي والتسليم غير النقدي، كانت دائمًا أحد أخطر خصوم المسرح، لأن جوهر المسرح يقوم على الفعل الإنساني، والعقل، والاختيار، لا على الاستسلام للمجهول.
لا تُعد الخرافة مجرد معتقد شعبي بريء، بل كثيرًا ما تتحول إلى أداة للهيمنة الرمزية، تُستخدم لتسويغ الظلم، وقمع الأسئلة، وتكريس الخوف. فهي تنقل الإنسان من موقع الفاعل إلى موقع الخاضع، وتجعله رهينةً لقوى غير مرئية تُدار خارج إرادته. وهنا تحديدًا يتدخل المسرح كفعل تفكيك لهذه البنية القمعية عبر الدراما.
منذ الطقوس البدائية الأولى، كان العرض المسرحي وسيلةً لطرح الأسئلة الكبرى حول الحياة والموت والسلطة والعدالة والقدر. ومع تطوّر المجتمعات، لم يعد المسرح مجرّد وسيلة للترفيه أو المحاكاة، بل تحوّل إلى أداة نقدية قادرة على زعزعة المسلّمات وتفكيك الخرافات التي تستقر في وعي الأفراد والجماعات. والخرافة هنا لا تعني فقط الأساطير الشعبية، بل تمتد لتشمل الأوهام السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية التي تُقدَّم أحيانًا بوصفها حقائق مطلقة.
المسرح بوصفه مساحةً للشكّ
الخرافة تزدهر في البيئات التي يغيب فيها السؤال، بينما المسرح بطبيعته يقوم على السؤال والاحتمال والافتراض. فعلى الخشبة، يمكن إعادة تمثيل الواقع لا كما هو، بل كما ينبغي أن يُرى، أو كما يُراد فضحه، فهو لا يكتفي بعكس المجتمع، بل يعيد تركيبه، ويمنح المتلقي فرصة لمشاهدة ما اعتاد عليه من زاوية مغايرة. هذه المسافة الجمالية بين الواقع وتمثيله تخلق وعيًا نقديًا، وتجعل الجمهور شريكًا في عملية التفكيك.
من هنا يصبح المسرح فعلًا معرفيًا، إذ يضع الخرافة تحت ضوء التجربة الإنسانية، ويُخضعها للتمثيل والسخرية والتشريح. فكل خرافة تعيش على هيبة الغموض، والمسرح يسحب منها هذه الهيبة عبر تحويلها إلى مادة للعرض والحوار.
في المجتمعات العربية، كما في غيرها، كثيرًا ما ارتبطت الخرافات بالبنية السلطوية، سواء أكانت سلطة سياسية أو دينية أو اجتماعية. فثمة خرافات عن “الحاكم المنقذ”، و”القدر المحتوم”، و”الطاعة المطلقة”، و”التقاليد التي لا يجوز مسّها”. وقد تصدّى المسرح العربي الحديث، في معظمه، لهذه البُنى عبر نصوص وعروض كشفت كيف تتحوّل الخرافة إلى أداة للهيمنة.
المسرح هنا لا يهاجم الإيمان أو التراث بحد ذاتهما، بل يفضح استغلالهما، ويفرّق بين القيمة الإنسانية الأصيلة وبين القشرة الأيديولوجية التي تُفرض على الناس باسم القداسة أو الخوف.
يُعدّ المسرحي السوري سعد الله ونوس من أبرز من تعاملوا مع المسرح بوصفه أداة لتفكيك الخرافات السياسية والاجتماعية. ففي مسرحية ونوس “الملك هو الملك”، قدّم حكايةً بسيطةً ظاهريًا: تاجر مفلس يصبح ملكًا، لكنه يتحوّل تدريجيًا إلى نسخة طبق الأصل من الملك الحقيقي. هنا تُفكَّك خرافة “تبديل الأشخاص يغيّر الأنظمة”، ويُظهر النص أن المشكلة ليست في الفرد فقط، بل في البنية التي تعيد إنتاج الاستبداد.
المسرحية لا تسخر من شخص بعينه، بل من وهمٍ جماعي يعتقد أن الخلاص يكمن في استبدال الوجوه من دون تغيير القوانين والعقليات. إنها مواجهة مسرحية مع خرافة سياسية متجذّرة في الوعي الشعبي.
في مسرحيات توفيق الحكيم، خصوصًا مسرحية “أهل الكهف”، نجد معالجةً فلسفيةً للخرافة والزمن والإيمان. لا يهاجم الحكيم الموروث الديني، بل يطرح سؤالًا إنسانيًا حول العلاقة بين الأسطورة والواقع، وبين الزمن الروحي والزمن المادي. الشخصيات تستيقظ في زمن لا يشبه زمنها، فتكتشف أن الحقيقة ليست ثابتة كما تصوّرت.
هنا يتجلّى دور المسرح في تفكيك خرافة “الزمن المطلق” و”الحقيقة الواحدة”، ليضع الإنسان أمام هشاشة يقيناته. فالمسرح عند الحكيم مساحة للتأمل، لا للهدم فقط، بل لإعادة البناء الفكري.
أما في المسرح الكوميدي العربي، خصوصًا في بعض الأعمال المصرية، فقد لعبت السخرية دورًا بارزًا في كشف الخرافات الاجتماعية المرتبطة بالمظاهر والطبقية والوجاهة الزائفة. الكوميديا هنا ليست خفيفةً كما تبدو؛ فهي تضحك الجمهور ثم تجعله يكتشف أن ما يضحك عليه هو في الحقيقة جزء من حياته اليومية.
إن الضحك في هذه العروض يتحوّل إلى أداة تفكيك، إذ يُسقط الهيبة عن أفكار متخشبة، ويجعلها قابلةً للنقاش. فالسخرية نوع من المقاومة الناعمة ضد الخرافة.
يستخدم المسرح العربي، برأيي، عدة آليات لتفكيك الخرافات، من أبرزها:
- الرمز: حين تتحوّل الشخصية إلى دلالة عامة، فيرى المشاهد نفسه في المرآة.
- التهكّم: الذي يعرّي الفكرة بدون خطاب مباشر.
- كسر الجدار الرابع: حيث يُخاطَب الجمهور مباشرةً، فيُدعى للتفكير لا للاستهلاك السلبي.
- إعادة كتابة التراث: عبر تقديم الحكايات القديمة بروح نقدية معاصرة.
- التجريب البصري واللغوي: الذي يحرّر المعنى من القوالب الجاهزة.
هذه الأدوات تجعل المسرح فعلًا ديناميكيًا قادرًا على التسلل إلى الوعي الجمعي دون وعظ مباشر.
إن تفكيك الخرافات ليس مهمةً سهلةً، لأن الخرافة غالبًا ما تكون مريحةً، تمنح الإنسان إجابات جاهزةً وتخفّف عنه عبء التفكير. أما المسرح فيطالب المتلقي بالانتباه والمشاركة وإعادة النظر. ولهذا كان المسرح، عبر تاريخه العربي الحديث، مساحة توتر بين التنوير والرقابة، بين الجرأة والمحاذير.
ومع ذلك، ظلّ المسرح العربي، في لحظاته المضيئة، منبرًا لمساءلة المسكوت عنه، وكشف الأوهام التي تُصنع باسم العادات أو السياسة أو حتى باسم الفن نفسه.
العلاقة بين المسرح وتفكيك الخرافات علاقة جوهرية، لأن المسرح في أساسه فنّ الاحتمال لا اليقين، وفنّ السؤال لا الجواب النهائي. وكلما ازدادت المجتمعات تعقيدًا، ازدادت حاجتها إلى هذا الفن القادر على تعرية الأوهام بلغة جمالية وإنسانية. فالمسرح لا يقدّم حقائق بديلةً بقدر ما يفتح نوافذ للرؤية، ويذكّر الإنسان بأن ما يظنه ثابتًا قد يكون مجرد حكاية قابلة لإعادة السرد. وفي هذه القدرة على إعادة السرد تكمن قوة المسرح بوصفه أداة تحرير للوعي، ومختبرًا دائمًا لهدم الخرافة وبناء المعنى.