بعد هجرةٍ جماعية لم يسبق لها مثيل، سكتَت الحكومة ووزارة الداخلية ومندوبية الأمن الوطني في المغرب، وهي الجهات المسؤولة التي يُفترض بها أن تفسّر ما حدث في سبتة. سكوتٌ يمثّل ظاهرةً أكثر عجباً من مسيرة المهاجرين التاريخية. كيف تسكت حكومة في حالة الطوارئ؟ لا يريدون أن يشرحوا لنا، لا بأس، ليشرحوا للعالم ماذا حدث، لماذا رأوا هذه الجحافل من اليائسين أو الحالمين في مكان أفضل؟ من الذي جعل المغرب بلداً طارداً لمواطنيه؟
إنّه ليس مشهداً طبيعياً أبداً، البلد ليس في حرب، وغير مهدّدٍ بالمجاعة، ولا يعرف نزاعاً أهلياً، بل هو من الدول القليلة الآمنة في منطقة متفجّرة. فلماذا؟ ثمّ تكلّم وزير العدل، بعد أسبوعَين من هجرة اليأس، ليتّهم إسبانيا بأنّها فتحت الباب، ويحمّلها مسؤولية إعادة القاصرين. ماذا فعل المغرب ببابه؟ ماذا ستستفيد إسبانيا من فتح الأبواب أمام 70 ألف شخص؟
على المستوى الدبلوماسي، وبغضّ النظر عن مدى مسؤوليتها، لم تُوجّه إسبانيا الاتّهام إلى المغرب، ولم تُحمّله أيّ مسؤولية مباشرة. وصرنا نتساءل: ما الأفدح؟ سكوت الحكومة أم كلامها؟ على أرض الواقع الأمر لا يزال شديد الوقع، فالإهمال الذي يعيشه المهاجرون مأساة إنسانية. وإسبانيا تخلّت بطريقة ما عن المسؤولية. لعلّ في ذلك درساً مستقبلياً للحالمين: الضفة الأخرى ليست أرحم. لكن ليس لنا سوى المطالبة بمحاسبة مسؤولي بلدنا. محاسبة؟ حسناً، لقد دلّلتنا الأزمنة الماضية، واعتقدنا أن قليلاً من الحساب ممكن.
نحن نعيش أردأ أزمنة المغرب المعاصر، بعد تقهقر “المسلسل الديمقراطي”، وعودة القبضة الأمنية والأحزاب الإدارية بقوة، ودسّ كلّ صحافي التقط نفساً خارج المسموح به في السجن. كنّا نظن أنّنا وصلنا إلى القاع الذي يبقى أفضل ممّا يحدث في المنطقة. لكن لا، طبعاً. حدث هذا، بينما ننتظر انتخابات لن تحمل تغييراً، ليس لأنّ التغيير لا يأتي من صناديق الاقتراع، بل لأنّه لا مجال للتغيير في مغرب اليوم.
لم يصل المغاربة إلى مرحلة من اليأس مثل التي هم فيها الآن. لو خُيّر الناس في أن يهاجروا لهاجر الملايين، ليس بسبب ضيق اليد وقلّة فرص العمل، بل بسبب تغوّل الفساد، بحيث لم يعد المواطن يحلم بغد أفضل، لأنّه كان في أمسه أفضل، وفجأةً ها هو الآن في هذا الوضع؛ لا فرص لتغيير في حياته أو لتحسنّ أوضاعه، أمام لامبالاة الحكومة والمسؤولين كبيرهم وصغيرهم بالشعب، الذي له أن يموت أو يحترق أو يهاجر.
عندما خرج شباب “جيل زد” قالوها صراحةً: الفساد ينخر البلد. وكانت أهم شعاراتهم القضاء على الفساد، لأنّهم يرونه كما هو، ضخماً وهائلاً يئنّ تحت ثِقله الناس. يرونه وهو يترعرع؛ من المدرسة، حيث يمكن لفئاتٍ الانتماء إلى المدارس ذات الاستقطاب المحدود، حتّى إن لم يحقّق أفرادها الدرجات المطلوبة، ثمّ يمتدّ إلى الماسترات وشهادات الدكتوراه والمناصب التي إذا لم يُحجز بعضها لأقارب أصحاب الحال، تُباع “عيني عينك”.
بعد التغيير الذي تحقّق في عام 2011، عاش الناس في مناخ صحّي، كان هناك شعور عام بالارتياح وبالأمل في عدالة اجتماعية وغد أفضل. حتّى إنّ الذين تركوا البلاد قبلها بسنوات ندموا لأنّهم تخلّوا بسرعة عن البلاد، ولم يكونوا جزءاً من التغيير التاريخي. ثمّ ضاقت الأحوال تدريجياً مع تراجع الحرّيات في المنطقة كلّها، لكنّ المغرب كان دائماً جزيرةً، لكنّها جزيرة إيجابية؛ بمعنى أنّ الفارق بينه وبين غيره على مستوى الحرّيات كان كبيراً. الآن، يبدو أنّ من يجلس في مقعد السائق لا يمانع أن يصل إلى رداءة ما يحدث في دول الجوار المغاربي، في القمع والتعالي على الشعب.
هل تتحقّق التنمية الاقتصادية في دول سلطوية؟ يمكن أحياناً، لكنّها حالات خاصّة، لها حسناتها وسيئاتها. والمغرب ليس الصين التي، صحيح أنّها لا تعتنق تعدّديةً سياسيةً، لكنّها قائمة على أيديولوجية تمقت الفساد، وتحاربه على نحو معقول، وتعيش على ثقافة العمل والاستحقاق، مع توفير فرص لذلك. بينما يشجّع المناخ المغربي على التسلّق غير المستحَقّ، ويعمّق الفوارق… مغرب كهذا لا يريد للمغاربة أن يبقوا فيه، فهو لم يعد وطناً لهم، بل لأصحاب الحال.
