
تتصدر أزمة قوارب المهاجرين أولويات الأجندة السياسية في بريطانيا (رويترز)
ملخص
لا تكفي الرقابة على الحدود والترحيل للحد من الهجرة غير النظامية إلى بريطانيا، إذ يدفع غياب الفرص التعليمية والاقتصادية الشباب إلى المخاطرة بحياتهم. ويرى كلوديان ألايبيو أن تجربة التعاون بين ألبانيا وبريطانيا، عبر المنح الدراسية وتوفير فرص العمل، تقدم نموذجاً عملياً لمنح الشباب أسباباً للبقاء في أوطانهم.
آندي بيرنهام محق في إعادة فتح النقاش حول “بريكست” وأزمة الهجرة عبر القوارب الصغيرة، فاستعادة التعاون مع أوروبا أمر مهم، لكن إذا أرادت بريطانيا الحد من رحلات العبور الخطرة عبر بحر المانش، فعليها أيضاً الاستثمار في توفير الفرص التي تمنح الشباب أسباباً للبقاء في بلدانهم.
كثيراً ما انصب النقاش على الردع والترحيل وتشديد الرقابة على الحدود، من دون إيلاء الاهتمام الكافي للأسباب التي تدفع الناس، في المقام الأول، إلى المخاطرة بحياتهم للوصول إلى بريطانيا.
في شمال ألبانيا، قد تبدأ الإجابة من حديث يدور حول مائدة المطبخ. يحصل شاب على مقعد جامعي، لكنه يعجز عن دفع الرسوم الدراسية. ويعده قريب له يقيم في إنجلترا بفرصة عمل، ويعرف أحد معارفه مهرباً. وفجأة، يبدو عبور المانش المحفوف بالأخطار طريقاً إلى حياة أفضل.
في عام 2024، واجه شاب من مدينة شكودر الألبانية هذه المعضلة تحديداً. كان يريد مواصلة دراسته الجامعية، لكن أسرته لم تكن قادرة على تحمل الرسوم الدراسية وتكاليف المعيشة في العاصمة تيرانا. وكان شقيقه قد غادر ألبانيا بالفعل، فيما بدأ هو أيضاً يفكر في دفع المال إلى أحد المهربين لنقله إلى بريطانيا.
لكنه حصل، بدلاً من ذلك، على منحة دراسية. واليوم، يستعد لامتحاناته ويتطلع إلى مستقبل واعد في بلده.
توضح قصته لماذا ينبغي ألا تقتصر معالجة الهجرة غير النظامية على جعل الرحلة أكثر صعوبة، بل يجب أن تشمل أيضاً جعل البقاء في الوطن خياراً واقعياً.
وتكشف الأرقام عن حجم التحدي. ففي عام 2021، عبر نحو 800 ألباني بحر المانش على متن قوارب صغيرة. وفي عام 2022، قفز العدد إلى نحو 12700، قبل أن يتراجع إلى 927 في عام 2023 و616 في عام 2024.
وقد أسهم في هذا التراجع تعزيز التعاون بين المملكة المتحدة وألبانيا، واتفاق إعادة المهاجرين المبرم عام 2022، والتحركات الرامية إلى تفكيك شبكات التهريب. ولم تكن المنح الدراسية وحدها كافية لمعالجة المشكلة، لكن الدرس الأوسع واضح: فتشديد تطبيق القانون يمكن أن يرفع كلفة المغادرة، فيما يستطيع التعليم وتوفير فرص العمل تغيير الدوافع التي تدفع الناس إلى الرحيل.
في جامعة غرب البلقان، التي أسستها، بدأنا تقديم منح دراسية لطلاب من أسر تقيم في شمال ألبانيا، حيث تتفاقم الصعوبات الاقتصادية وتتزايد الضغوط التي تدفع السكان إلى الهجرة. وكان مبدؤنا بسيطاً: ينبغي ألا تحدد الظروف المادية للأسرة أو المنطقة التي يعيش فيها الطالب الفرص المتاحة أمامه، بل يجب أن تتاح الفرصة لأصحاب المواهب، بصرف النظر عن أوضاعهم.
وفي عام 2023، أطلقنا غرفة التجارة البريطانية في ألبانيا بدعم من السفارة البريطانية في تيرانا. وفي أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، زار وزير الخارجية البريطاني آنذاك، جيمس كليفرلي، الجامعة، والتقى طلاباً حاصلين على منح دراسية، وأكد أهمية الاستثمار في إمكانات الشباب.
واليوم، تمول غرفة التجارة أكثر من 150 منحة دراسية سنوياً لطلاب من مناطق تعاني ضعف التنمية، من بينها 50 منحة تقدم عبر جامعة غرب البلقان. كما تدعم الغرفة أربعة أو خمسة طلاب سنوياً ضمن برنامج “تشيفنينغ” للمنح الدراسية الذي تموله الحكومة البريطانية، إلى جانب المستفيدين الآخرين من البرنامج في ألبانيا، بما يساعد الخريجين الموهوبين في استكمال دراساتهم العليا في المملكة المتحدة قبل العودة لوطنهم.
ويستثمر أعضاء الغرفة أيضاً في المناطق التي تشهد هجرة سكانها إلى بريطانيا، فهم يدركون حقيقة بسيطة، مفادها بأن فرصة عمل في الوطن قد تكون أكثر إقناعاً من تحذير عند الحدود، وأن المقعد الجامعي يمكن أن يوفر ما لا يستطيع التهديد بالترحيل تقديمه: بديلاً واقعياً.
لا يغني أي من ذلك عن ضرورة ضبط الحدود أو التصدي للعصابات الإجرامية، كما أن الحصول على منحة دراسية لا يعني بالضرورة أن المستفيد سيبقى في بلده. لكن توسيع الفرص، وتعزيز الاقتصادات المحلية، وتوفير الوظائف، كلها عوامل يمكن أن تجعل البقاء في الوطن خياراً قابلاً للتحقق.
وبيرنهام محق في التساؤل عما إذا كان “بريكست” قد حرم بريطانيا من الأدوات المناسبة لإدارة الهجرة، وينبغي أن تكون إعادة بناء التعاون العملي مع أوروبا جزءاً من الحل، إلى جانب الاستثمار في البلدان التي يغادرها المهاجرون.
تستطيع الجامعات فتح أبوابها أمام مواهب لم تحظ بالفرص الكافية، ويمكن للشركات توفير وظائف في المناطق التي تندر فيها فرص العمل، فيما تستطيع الحكومات دعم الشراكات التعليمية ومشاريع التنمية الاقتصادية المحلية. وتتكامل هذه التدابير مع التطبيق الفاعل للقانون، ولا تتعارض معه.
فالشاب الذي يستطيع الدراسة والعثور على عمل وبناء مستقبل في وطنه تقل دوافعه إلى المجازفة بحياته والارتهان لمهرب، والأسرة التي تتوافر لها فرص واقعية للعيش بأمان تقل احتمالات أن ترى في الرحيل أملها الوحيد.
ليس السؤال ببساطة كيف نوقف القارب المقبل، بل كيف نجعل الصعود إلى القوارب أقل ضرورة.
وهذا يتطلب استعادة التعاون مع أوروبا، والاستثمار في الفرص التي تمنح الناس أسباباً حقيقية للبقاء في أوطانهم.
© The Independent