عايشت الرواية العربية في مسيرتها تحولات كثيرة أثرّت في تطور رؤاها وفنيّاتها، ما انعكس على الفضاء الروائي، وملامح البطل ومواقفه وقيمه الإنسانية وعلاقة هذه القيم بالزمان والمكان. كما لعبت هذه النظرة دورًا في تحديد موقع البطل في الفضاء الروائي. وبما أنه الشخصيّة المحوريّة، فسوف تُسخرّ جميع عناصر السرد والشخصيات الثانوية لخدمة وجوده. باختصار: ستدور كلّ عناصر العمل والسرد في فلكه.
هذه النظرة للبطل سنجدها في الرواية العربية في مرحلتها الأولى، فهو ممثل لصوت الجماعة وضميرها الحي، وهو يحمل أفكارها ويدافع عن قيمها في الحرية والعدالة. إنّه المضاد للسلطة السياسيّة والمتشكل من وجدان الناس؛ يصارع الظروف وينتصر عليها.
وقد انعكست هذه النظرة على خلق المكان الحميم، مسقط الرأس ومبتغى القلب، ينتظر أبطاله ويرتبط بهم كما يرتبطون به كارتباط الجنين بالرحم، ولا شك في أن هذا التأثير امتد إلى الزمان الذي يتيح للبطل أن يتقدم فيه من الماضي نحو المستقبل، زمن ساكن ينتظر من البطل أن يُحدِث تأثيرًا فيه وهو يتجه نحو النمو الذاتي وتفتّح الرؤية الداخلية؛ لكن وبتأثير من التحولات والتغييرات الثقافية، واجهت الرواية واقعًا جديدًا تشكله الهزائم المتتالية والنكسات السياسيّة والوجوديّة والإنسانيّة؛ كما تغيّر مفهوم الشخصية فظهر بطل جديد مأزوم فكريًّا وإنسانيًّا. لقد تحول بعد النكسة والهزائم المتتالية إلى بطل سلبي يعيش الاغتراب عن كل ما حوله، فهو ميال إلى العزلة، يتحدّى قيم مجتمعه ويرفضها. في هذه المرحلة، ستقدم لنا الرواية العربية نموذجًا للاّ بطولة (البطولة المضادّة)، وسنعثر على البطل المهمش والمغترب، أو المسطّح، وسيعلو صوت الفرد المختلف والمخالف لصوت الجماعة والقيم التي تهاوت. لكن تغير فهم العالم انعكس على صورة البطل، وعلى الشكل الكتابي، حيث تنوعت تقنيات السرد، وتشظى الشكل في تآلف مع المضمون.
وسنعثر في الرواية الجديدة على أساليب وتقنيات، كاستخدام تيار الوعي، والمونولوج، والتجريب، من خلال انفتاح النص على المشهديّة السينمائيّة والصورة، أو العوالم الديستوبية والعجائبي، كطريقة من طرق الإلقاء خارج الذات. وبالإضافة إلى ابتكار قصص بديلة وتوق لرؤية التابوهات تتحطم عبر شطحات الخيال، ظهرت أشكال متعددة من التجريب. والسؤال: ما هو التجريب؟ وكيف نميّز بين تقديم الواقع كما هو وبين ابتكاره عبر التخييل. ومتى نعرف الحدود الفاصلة بين القول السياسي الذي يستلب الإنساني فلا نسمح له بأن يطغى على الأخير، ومتى يصبح تعدّد الشخصيات في صالح النص لا تشتيتًا له؟ ومتى يعرف السارد أو المؤلف حدود قوله وحرية الاختيار والقول للشخصيات، وهل تكفي معرفته بحدوده ألا يتغلغل ويتوغل في خطاب الأخيرة؟!
وإذا كان الفرد والفردانية وفق الرؤى الحديثة قد ذابا لصالح التاريخ، فكيف تعبر الرواية عن هذا الذوبان من دون أن تضيع البوصلة بتعرية هذا الذوبان لا الاندماج معه والتآلف مع تفاصيله وقبوله! هذه وغيرها من الأسئلة تنتاب قارئ رواية “المنصرمون”(1) للروائي التونسي الشاب عماد قيدة(2)، وهي الرواية الحائزة على “جائزة خالد خليفة للرواية” في دورتها الثانية 2026.
تبدأ الرواية بتصدير للروائي السوري حيدر حيدر، ولذلك دلالة تنبه للحريق الذي رصدته النصوص الروائية لآباء الكتابة الأدبية، ومنهم حيدر حيدر ــ واستمرارية هذا الحريق الذي تحول إلى رماد في الحاضر. وهي تحكي قصة رجل ستيني يعاني آثار فقدانه في شبابه لشقيقه، وتفكك عائلته وغياب الأب؛ وهذا خط أول للعمل، وبالتوازي يبني العمل خطًا متفرعًا من الأول، وهو يتعلق بوثائق تركها الجد وراءه، إذ تكشف هذه الوثائق عن تاريخ نفق مظلم دخلته البلاد ولم تخرج منه؛ كما يعرج على مرحلة الحرب العالمية الأولى، وعلاقة المستعمر بالناس وأصحاب الأرض، والاستثمار في الخرافة وتشجيع تجارها، ومنهم الجد الذي تحول إلى الزهد وابتداع الكرامات؛ ما يطرح سؤالًا عن الدين الذي يزدهر جانبه الخرافي في الجهل والفقر، وعن الذات أو (النحن) في علاقتها بالآخر.
والراوي هنا ــ وهو شخصية مضطربة ــ يضيع الحدود بين الواقعي والمتخيل، بإيعاز من المؤلف الذي يحاول إزالة الحواجز بينهما لتمتد الحوادث كسيل يجرف ما يأتي في طريقه. فتضيق المسافة بين الوهم والحقيقة، بين الحكاية والحياة، الحقيقي والزائف. الهوية الأصليَّة والهويّة الدخيلة، الخير والشر، الشيء ونقيضه. فلا نعرف أين نحن، وفي أي جهة من الجهات نقف، ماضٍ زائف، أم واقع راهن ميت؟
وينجح سؤال الرواية في تفكيك الحاضر عبر استنطاق التاريخ إلى حد ما في مراحله الأولى، قبل أن يشهد الراوي تعثرًا ثم غيابًا فرضه عليه السارد، رغم أن هذه الشخصية “عناد” كانت من أكثر الشخصيات خصوبة وقابلية لأن تحرك مياه القول والمعنى. إذ ينقطع الخيط الأول للسرد في منتصف العمل، وتتكاثر الشخصيات، ويسير الخط الثاني، ما يجعل العمل كجدول يتفرع إلى جداول أصغر فأصغر، ثم يعجز عن أن يلتئم، تتناوب الشخصيات في الروي، إلى أن تظهر العبارة التالية “المصور مجهول الاسم”، والذي يتكرر في مواضع متعددة كجزر منفصلة يمكن الاستغناء عنها.
لا تحيل الشخصيات في “المنصرمون” إلى ذاتها بقدر ما تعبر عن نماذج إنسانية أراد المؤلف أن يعبر عنها، “حيث يظهر الصحافي الانتهازي، وساعي البريد الساذج، والإعلامي المتسلق والوصولي، والمحلل السياسي المأجور”، وهناك “سالم، سالم” الشرطي المكسّر ــ نسبة للتكسير ــ والذي يظهر حيث يعشش الطغيان، وهنالك الشاعر أو كاتب الخطابات الذي يظهر حيث لا تتوقعه، وهو المخبر الذي يعرف الجميع ويتجسس على حياتهم.
لعل السؤال الذي يطرح في سياق اختيار كاتب أو مؤلف “لِراويه” دائمًا يتعلق بمراميه وغايته من هذا الاختيار، ولعل اختيار راو مضطرب يمكن قراءته في هذه الوضعية كتعبيرٍ عن عدم الموثوقيّة الذي يطاول التاريخ، فالمقدمات التي يعيشها الراهن العربي عمومًا لا يمكن أن تنحدر من تاريخ موثوق. وهذه الرسالة التي يريد تمريرها تعضدها وتؤكّدها الأحداث اللاّحقة التي تنتهي إلى شيء واحد فقط. مساءلة الماضي عبر الحاضر المنهار. وتصبح الشخصيات تعبيرًا عن هذا التقهقر، وهذا الحمل الذي يرهق النص في بعض المواقع ويبدو تعرية وكشفًا للمدينة.
تبدو شخصية عناد من أكثر الشخصيات نجاحًا في حضورها، بل يرصد النص الغياب أكثر مما يبرع في تقديم الحضور، الذي يبهت حين تقع الشخصيات في فخ البوح والتقريرية، أو تصبح وسيلة لتمرير معلومة تاريخية عبر الإسهاب في الشرح، فيلوح شبح الكاتب خلف هذا التوضيح. ولا يتوقف التدخل هنا، بل يربك المؤلف الشخصيات حين تتحدث بلسانه وهي في خضم حدث ما عن فلسفتها حوله؛ ومع ذلك فهي تبرع في تحريك خيال القارئ وإثارة سؤاله ليس عن عدالة الثورات والحروب ومشروعيتّها؛ بل عن صدق من ينتمون إليها ويتاجرون بها. وفي هذا التوجه لا يهتم المؤلف بالحالة النفسية والسيكولوجية للشخصية، بل يسلط الضوء على الشخصية العلامة، أو الإشارة لنمط ثقافي، أو اجتماعي، فيقوّض الشخصّية بدل بنائها، ليبني الخطاب ــ خطاب النص ــ وكل شخصية بمثابة سؤال، و”حسيب بوقرة، هايكو”، وغيره من شخصيات العمل مجرد مؤشر إلى مرحلة وزمن وثورة ونظام حكم.
تكشف “المنصرمون”، وهي العمل الأول للروائي الشاب، عن إمكانيات كثيرة للقول لدى الكاتب، رغم أن رغبته في حكي الكثير شوّشت على شخصياته في النصف الثاني من الكتاب، وتركت خيط السرد يفلت من يد السارد والقارئ معًا. إذ تتحول بعض الحوارات إلى نشرة تاريخية، كما في الصفحة 260، حيث يعرج سمير سرور على “حزب البعث في العراق، وحركة فتح الفلسطينية، وحرب المخيمات، وفيما بعد اغتيال بشير الجميل، ومخيم شاتيلا… إلخ”، لتظهر شخصيات جديدة في الأمتار الأخيرة من الرواية، ما جعل اللغة تفقد قدرتها على القول، وتبدو فائضًا في مواقع كثيرة.
ينتمي العمل إلى السرديات ما بعد الحداثيّة القائمة على الشك في الراوي والسارد والتقويض، وتجريب شكل جديد في الكتابة، كما يحضر الوعي النقدي الساخر عبر الجنون والهذيان. ولعل الشكل، وهو أفضل تعبير عن المضمون، انتهى إلى رؤية تتناقض مع المقدمات، وهو خيار فني اختاره المؤلف، أقصد: بنية خطيّة تظهر فيها الشخصية الرئيسة ــ عناد ــ من جديد، حيث يتجه لبناء حياته، ويتزوج ويستقر، في إشارة إلى زراعة حديقته، ما يحيل إلى كانديد (بطل فولتير في التفاؤل). لكن التفاؤل هنا لا يعدو أكثر من الفكرة التي ترى أن الخلاص فردي، بحيث يمكن لنا أن نتفرج من نافذتنا على عالم لا يد لنا في احتراقه، عالم لا يمكن مقاومته إلا عبر الجنون كما فعل “فتيتي” في نهاية المطاف، الركض بلا ثياب. وما يعزز فكرة التقويض هو المصائر التي تختارها الرواية، فالحرق هو الحل النهائي، والتطهر يمكن أن تلجأ له، والجنون ينطوي على الحقيقة. ووسط هذه القراءة لرواية “المنصرمون” يمكن أن نتساءل عما إذا كان في إمكاننا استعادة الأدب من براثن السياسة والتاريخ، أي أن لا يطغى أحدهما على الإنسان. فالثورات والفساد والزمان وخلل الشعوب وفساد المدن لا تختصر الإنسان، لكنها مرآته.
وإذا كانت الرواية نهرًا يتدفق، فإن التئام جداوله بعد توزعه أمر وجودي لا فنيّ، وإذا افترضنا أنها مقطوعة موسيقية فكل شخصية فيها نوتة تسهم في رسم المصير النهائي للنص، لتترك شعورًا جديدًا في القارئ الذي لا يعود من هذه الرحلة كما كان.
هوامش:
(1) المنصرمون، عماد قيدة، جائزة خالد خليفة للرواية 2026.
(2) عماد قيدة: كاتب وصحافي تونسي من مواليد عام 1991، درس اللغة الإنكليزية والصحافة، وعمل في الصحافة والنشر والمكتبات والترجمة.
* كاتبة سورية.