
في كتابه “الموارنة والشيعة في لبنان: التلاقي والتصادم” -منشورات “نوفل”، بيروت، 2025- يوثِّق أنطوان سلامه السردية التاريخية لكل من الجماعتين اللبنانيتين، منذ بداياتها في العصور الوسطى وحتى اليوم. ثم يقارن بين السرديتين مبيّنًا القواسم المشتركة بين رواية الجماعتين تاريخهما.
وكان سلامه قد تحول من العمل في الصحافة التلفزيونية مذيع نشرات أخبار في تلفزيون لبنان، إلى دراسة التاريخ وتوثيقه، والعمل في التدريس الجامعي والبحث، وفي المراسلة الصحافية والصحافة الإلكترونية.
وقبل كتابه الأخير وضع كتبًا عدة، منها: “زوق مكايل: أزمة الحضور في تاريخ لبنان”، “طانيوس شاهين من منازلة الإقطاع إلى عجز الثورة”، “نار المقدس والمحرم: الكاريكاتور الدانمركي من كوبنهاغن إلى الأشرفية”. وهو يعمل على انجاز كتاب عن مخاوف الطوائف في لبنان.
وإذا كان لكل كتاب قصة تُروى وتتصل بسيرة حياة مؤلفه، نقف هنا على قصة تأليف سلامه كتابه عن الموارنة والشيعة، وصلته بحياته، وعلى ما توصّل إليه من تشابه واختلاف بين الجماعتين.
قصة تأليف الكتاب
في بداية حديثه عن دوافعه لتأليف هذا الكتاب، ذكر أنطوان سلامه أنه على “علاقة إثنية” بطائفته المارونية. فهو ولد في سنة 1959 في ذوق مكايل، البلدة الساحلية في بلاد كسروان المعروفة بصفائها السكاني والعائلي الماروني في جبل لبنان المعاصر. وفي فتوته تأثر بشاب من عائلته يكبره سنًّا، ويعتنق المعتقد الشيوعي في التفكير والنظر إلى الاجتماع والتاريخ والعالم، من دون أن يمارس ذاك الشاب شيوعيته بانتسابه إلى حزبها اللبناني. الأرجح لأن ذلك كان يتطلب مغادرته موطن ولادته وإقامته المسيحية في زمن الحروب الأهلية الملبننة، ولم يكن يريد المغادرة أو غير قادر عليها. لذا ظل يعيش في موطنه المحلي، البلدي والأهلي، شيوعيًا ثقافيًا ومكتوم الممارسة السياسية والدعوية.
وشأن كل حدث ينعطف بالأفراد والجماعات من طور إلى آخر، أعاد أنطوان الحافز التأسيسي البعيد الذي أرهص لديه بفكرة تأليفه الكتاب، إلى صدمة هزّت كيانه وأفكاره في العام 1984، حينما كان في الـ25 من عمره: مقتل قريبه الشاب ومثاله ربما، الشيوعي الأفكار والعقيدة، الذي صار الانتماء إلى حزبها، منذ بدايات الحروب الأهلية الطائفية الملبننة سنة 1975، مستحيلًا ومحرّمًا في المناطق المسيحية التي سيطرت عليها ميليشيا حزب “الكتائب اللبنانية”، ثم “القوات اللبنانية”.
لكن ذاك القريب الشيوعي لأنطوان سلامه لم تخطفه وتقتله “القوات اللبنانية” على ما كانت تفعل ويفعل خصومها الذين يخطفون مسيحيين في المناطق الإسلامية في بدايات الحرب. بل خطفه وقتله محازبون من جماعات مسلحة وميليشيات حليفة للحزب الشيوعي في بيروت الغربية، التي كان يتردد إليها ليتزوّد كتبًا تناسب أفكاره ومعتقده. ولما قبض عليه المسلحون، راح يصرخ: أنا شيوعي، أنا شيوعي، فلم تشفع به صرخته هذه، ولا تركت أثرًا في خاطفيه الذين قتلوه.
وجوابًا منه على تلك الصدمة بدأ أنطوان، المتأثر بأفكار قريبه القتيل، يقرأ ليفهم لماذا الحرب والقتل على هذه الصورة، ولماذا يقتتل اللبنانيون، يتخاطفون ويقتلون من يخطفونهم طائفيًا؟
قد يكون الأهم في ما دفع أنطوان سلامه إلى القراءة، هو تهجير أعداد كبرى من بقايا المسيحيين في غرب بيروت، وصعود ما أخذ يسمى “الشيعية السياسية” في لبنان
وبعدما ذكر أن في عائلته راهبات مارونيات، أشار أيضًا إلى أن الحادثة زامنتها انتفاضة 6 شباط 1984 في غرب بيروت على سلطة عهد أمين الجميل الرئاسي (1982- 1988) لإسقاط اتفاق 17 أيار 1983. كما زامنتها أيضًا حرب الجبل بين “القوات اللبنانية” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” الدرزي الجنبلاطي وحلفائه بدعم من نظام الأسد السوري. وهذا إضافة إلى حرب “حركة أمل” الشيعية على المخيمات الفلسطينية، ثم الحرب الأهلية الشيعية-الشيعية بين “أمل” و”حزب الله”.
وقد يكون الأهم في ما دفع أنطوان سلامه إلى القراءة، هو تهجير أعداد كبرى من بقايا المسيحيين في غرب بيروت، وصعود ما أخذ يسمى “الشيعية السياسية” في لبنان، نسجًا على منوال مصطلح “المارونية السياسية” الذي وضعه منح الصلح (1921- 2014) في بدايات الحروب الأهلية الملبننة. وفي هذا السياق ملكت القراءة في تاريخ لبنان وطوائفه اهتمام سلامه، ملاحظًا أنه منذ ذلك الحين تعوّد أن تكون قراءته هادفة وفي موضوع محدد، وألا يقرأ إلا بهدف محدد. وهكذا أخذ يستعيد حوادث حياته وذكرياته ويستنطقها ليدرجها كعلامات في سياق عمله البحثي.
من تلك الحوادث استعاد بعضًا من ذكريات طفولته وفتوته: تأجير والدته شقةً تملكها في زوق مكايل من شاب شيعي وصبية سنية، كانت تجمعهما علاقة حب في بيروت، فهربا منها ليتزوجا ويقيما في ديار مسيحية، بعدما رفض أهلهما زواجهما في ديارهم المسلمة.
أليس في هذه الحادثة شبه ما بإرجاء الشيوعي الماروني ممارسة عقيدته وكتمانها في بيئته المارونية، وعدم إعلانها إلا في دائرة حياته القرابية الخاصة، وجلبه كتباً تثقفه بها من ديار “الأعداء” في بيروت الغربية، من دون أن يؤدي ذلك إلى قتله أو تهجيره من دياره. من ثم قتلَه في ديار أهل عقيدته الشيوعية وحلفائهم في غرب بيروت؟
أمثال هذه المفارقات هي ما حمل أنطوان سلامه على مواصلة القراءة الهادفة في تاريخ لبنان وطوائفه، وعلى مواصلة استعادة مخزون ذاكرته: تعلّمه لسنة واحدة في ثانوية غزير الرسمية، حيث تعرّف إلى زميل له من آل المقداد الشيعية في بلاد جبيل. ثم انتباهه إلى أن الزوجين المسلمين الهاربين إلى بيئة مارونية يتحدثان بصوت خفيض، كما يتحدث الموارنة الذين يخالطون الشيعة في قراهم والذين تجاور قراهم قرىً شيعية، في صوتٍ خفيض أيضًا.
لكن هل هذا كله ظل يتراكم في ذهن قارئ التاريخ اللبناني القديم، حتى وقعت حادثة الطيونة-عين الرمانة-بدارو في 14 تشرين الأول 2021: مقتل 6 أشخاص وإصابة أكثر من 30 شخصًا، في أثناء تظاهرة شيعيّة تطالب بتنحية القاضي طارق البيطار الذي كان يحقق في جريمة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020. وبعد تلك الحادثة شرع أنطوان سلامه في تأليف كتابه عن “الموارنة والشيعة في لبنان”.
وفي العام 1986 كان سلامه قد حصل على وظيفة مذيع أخبار في تلفزيون لبنان. وذلك في عهد أمين الجميل الرئاسي الذي كان “وحَّد مؤسسات الدولة اللبنانية” التي سرعان ما انقسمت طائفيًا بعد انتفاضة 6 شباط 1984. لكن المذيع حصل على وظيفته التلفزيونية من دون واسطة وبالمصادفة، قال، وأضاف: كنت أذيع أو أقرأ النشرات الإخبارية بحيادٍ بارد، وبلا انفعالات، كما كنت أقرأ المؤلفات التاريخية.
تأسيس أسطوري وبطولي للتاريخ
وعلى خلاف التاريخ اللبناني الرسمي الذي يكاد يقتصر على تاريخ الموارنة والدروز في جبل لبنان، انقاد سلامه إلى التساؤل: من هم الشيعة، وأين هم الشيعة أو ما هو موقعهم في هذا التاريخ؟! وكان هذا هو هدف قراءته. أي توثيق تاريخ العلاقة بين الموارنة والشيعة في الحقب القديمة وصولًا إلى المعاصرة.
أولى ملاحظات مؤلف الكتاب أن هناك قاسمًا مشتركًا بين الموارنة والشيعة: المبالغة والأسطرة والرموز في بناء الجماعتين تاريخهما منذ بدايات تأسيسهما
أولى ملاحظات مؤلف الكتاب أن هناك قاسمًا مشتركًا بين الموارنة والشيعة: المبالغة والأسطرة والرموز في بناء الجماعتين تاريخهما منذ بدايات تأسيسهما، وإسناد ذلك التأسيس إلى شخصيات وحوادث يكتنفها ضباب الغموض. وهذه حال الجماعات اللبنانية كلها من دون استثناء.
فبينما يسند الموارنة نشأتهم كجماعة إلى المؤسس مار يوحنا مارون في القرن الرابع الميلادي، وإلى معركة أميون بين جماعته وقوات الإمبراطورية البيزنطية، وهو تأسيس تشوبه الأسطرة والغموض، يسند شيعة جبل عامل تأسيسهم كجماعة إلى أحد صحابة النبي محمد، أبو ذر الغفاري الذي يشوب الغموض شخصيته ودعوته، كما يسندونها على أسطرة ذلك الغموض، ويبنون عليه تاريخهم القديم، بصفتهم جماعة أقلية مضطهدة شأن الموارنة. وهذا يعني أن الجماعتين تتشابهان في بناء تاريخهما على المظلومية والاضطهاد وفي إضفاء بطولة خارقة على شخصيتي مؤسسيهما: مار مارون، وأبو ذر الغفاري.
ويرى سلامه أن تاريخ الموارنة ظل يكتنفه الغموض وعدم الوضوح إلى ما بعد الحملات الصليبية (1096- 1270)، وحملات المماليك على بلاد كسروان (1292- 1305) وإجلاء الشيعة عنها، وتهجيرهم إلى جبل عامل والبقاع وجزين. وأفضل بحث عن تلك الحقبة هو ما ورد عنها في كتاب أحمد بيضون “الصراع على تاريخ لبنان: الهوية والزمن الاجتماعي في أعمال مؤرخينا المعاصرين”، الصادر في العام 1989.
ومن ملاحظات أنطوان سلامه في رحلته البحثية في تواريخ الجماعتين اللبنانيتين أن لا شيء ثابتاً وواضحاً في حقب تاريخهما الوسيط وحتى سيطرة العثمانيين على بلاد الشام بعد معركتهم مع المماليك، معركة مرج دابق في العام 1516. ويركز مؤرخو الجماعتين على الأساطير والرموز التي تكتنف الحوادث والشخصيات التأسيسية في تاريخهما. وهما في هذا مثل اليهود الذين ينشئون تاريخهم على أسطورة أرض الميعاد.
عرّج المؤلف عابرًا على تاريخ كلّ من السنّة في المدن الساحلية والدروز في إمارة جبل لبنان الشوفية، ليرى أن كلاهما بنى تاريخ جماعته على مقولة ثابتة وشبه أسطورية
وعرّج المؤلف عابرًا على تاريخ كلّ من السنّة في المدن الساحلية والدروز في إمارة جبل لبنان الشوفية، ليرى أن كلاهما بنى تاريخ جماعته على مقولة ثابتة وشبه أسطورية: كونهما جماعتين عسكريتين من حماة الثغور في عهود الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة. أما المؤرخ الشيعي الهرملي المعاصر سعدون حمادة (1943- 2025) فيبني تاريخه للشيعة على مقولة أنهم حكموا لبنان كله قبل تهجيرهم من كسروان.
ويرى سلامه أن هذه المقولة تجانب الصواب، ليس في ما يخص الشيعة وحدهم، لتشمل جماعات لبنان كلها التي كانت في حقب معينة من التاريخ منتشرة في ما صار الجغرافيا اللبنانية منذ نشأة لبنان الكبير في العام 1920. لكن لا يحق لأي من مؤرخي هذه الجماعات الادعاء بأن جماعته حكمت لبنان، ما دام مقدموها من الأمراء والولاة ليسوا أكثر من ملتزمي وجباة ضرائب لدى السلطان الإمبراطوري العثماني وسواه.
أما نظرية أو مقولة “حلف الأقليات” فتجانب بدورها الصواب التاريخي. ذلك أن الأقليات كلها لم تتوقف عن التذابح في ما بينها في حقب من تاريخها ومنعطفاته. وهي في تذابحها غالبًا ما تعتمد سياسة الأرض المحروقة: حرق بيوت الخصم أو العدو وتدميرها، وإبادة زرعها وبشرها أو تهجيرهم منها.
وهذا ما نجده في سفر يشوع بن نون التوراتي الذي يروي كيف دخل اليهود أرض ميعادهم الأسطورية القديمة. والجماعات اللبنانية اعتمدت الأسلوب نفسه في احترابها القديم والمعاصر. فلا تمييز، إذن، بين الطوائف اللبنانية التي توطنت كلها وتصدّرت المشاهد السياسية والتاريخية بناءً على خلفيات عصبيات عسكرية.