ملخص
يرى مارك ليونارد أن النظام الدولي الذي قادته أميركا انهار فعلياً، وأن العالم يتجه إلى حقبة بلا نظام، تحكمها الأزمات والتفتت، وتحويل نقاط الاختناق الاقتصادية والتكنولوجية إلى أسلحة، وفي مواجهة هذا الواقع، يدعو الدول، خصوصاً الأوروبية، إلى التخلي عن أوهام إعادة بناء النظام القديم، واعتماد المرونة، والتحوط، وتعزيز الاعتماد على الذات.
قبل خمسة أعوام، انهار سوق الإسكان الصيني تاركاً آلاف المباني السكنية غير مكتملة في جميع أنحاء البلاد، فأصبح جيل من المواطنين الصينيين، الذين راهنوا بكل مدخراتهم على استمرار التوسع إلى ما لا نهاية، فجأة بلا مأوى. ومع مرور الوقت، انتقل بعض الأشخاص الجريئين إلى هذه المباني المتهالكة والمهجورة، ونصبوا خيماً على أرضياتها الأسمنتية، واستخدموا ملاءات الأسرّة جدراناً، وطهوا الطعام على مواقد بدائية صنعوها بأنفسهم. يُطلِق الصينيون على هذه المباني المهجورة اسم “لانوي لو”، وهي عبارة تعني حرفياً “المباني ذات الذيل المتعفن”، في إشارة إلى مشروع انحرف عن مساره وخطة معلّقة لم تكتمل. وبدلاً من ترك هذه المباني لمصيرها، يستفيد سكانها مما هو موجود ويستخدمونه بطرق جديدة، ويرتجلون لإيجاد وسيلة للبقاء على قيد الحياة، وسط عاصفة اقتصادية.
إن ما آلت إليه سوق العقارات الصينية يشكل صورة معبّرة عن حال النظام الدولي القائم على القواعد بقيادة الولايات المتحدة، فبعد عقود من التوسع، يجري التخلي عن هذا النظام أيضاً، فهو لم يحظَ يوماً بقبول كامل من الصين وروسيا، وكذلك فإن القوى المتوسطة الصاعدة المتصلبة التي ازدادت جرأة وثقة بالنفس، باتت مستاءة منه، وفقد داعموه الماليون الأساسيون، أي الشعب الأميركي، اهتمامهم بتمويل استمرار تطوره. وكما هو الحال مع مشاريع الإسكان الصينية الفاشلة، لا توجد جهة بديلة تتقدم لتولي المهمة.
وهكذا بدأ يتشكّل عالم تفوح منه رائحة العفونة، عالم يتعين على الدول فيه أن تتكيف بذكاء، وأن ترتجل استخدامات جديدة لعناصر النظام القديم التي لا تزال ذات قيمة، وأن تتأقلم سريعاً مع التدهور الحاد الذي يطاول عناصر أخرى منه، لكن عدداً كبيراً من القادة لا يزال يتصرف كما لو كان من الممكن إنقاذ النظام القديم، بل وحتى تحسينه. ولا تزال الجمعية العامة للأمم المتحدة تجتمع كل عام، على رغم تهميشها المتزايد وتراجع دورها في الجهود الدبلوماسية، ولا تزال منظمة التجارة العالمية تواصل الفصل في النزاعات التجارية، على رغم تصاعد الحمائية، ولا تزال مؤتمرات الأمم المتحدة في شأن تغير المناخ تنعقد لرسم مسار نحو بلوغ صافي انبعاثات صفري، على رغم أن هذا المسار يبدو أكثر فأكثر ميؤوساً منه، ولا تزال مجموعات العمل الدولية تجتمع لمناقشة خطط طموحة لحل الدولتين، حتى في ظل اشتعال الشرق الأوسط.
وحلفاء الولايات المتحدة، بخاصة، لم يدركوا بعد أن واشنطن قد سحبت دعمها للنظام القديم ولهم أيضاً، وقد سخر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، من الأوروبيين الذين يقترحون أن يتعلموا الدفاع عن أنفسهم من دون مساعدة أميركية، قائلاً لهم “ابقوا حالمين”. وقدّمت قمة الـ “ناتو” في يوليو (تموز) 2026 واحداً من أكثر الأمثلة سريالية على التنافر الإدراكي [التنافض بين الواقع والتصور]: فقد تعهد القادة الأوروبيون، في اندفاع محموم، بتقديم فروض الولاء للرئيس الأميركي دونالد ترمب على شكل زيادات اعتباطية في الإنفاق الدفاعي، لا علاقة لها بتقييمات محلليهم الدفاعيين لحاجاتهم الفعلية، على أمل ألا ينسحب من الحلف. وتواصل المملكة المتحدة ترسيخ اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة من خلال شراء مقاتلات أميركية، فيما توافق الدنمارك على عمليات شراء كبرى للأسلحة من واشنطن، حتى في وقت يهدد ترمب بضم أراضي غرينلاند التابعة لها بالقوة، وكذلك تمضي أستراليا قدماً في استثماراتها في تحالف “أوكوس”، شراكتها الأمنية الثلاثية مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة، داعمة القاعدة الصناعية الأميركية حتى في الوقت الذي تتراجع الالتزامات الأميركية.
إن القادة الذين يفشلون في مواجهة واقعهم الجديد يخذلون بلدانهم، وقد حان الوقت للاعتراف بأن النظام القديم قد اختفى بالفعل، ورسم نهج جديد في الجغرافيا السياسية. ولا تمثل هذه اللحظة فترة انتقالية قصيرة بين نظام تقوده الولايات المتحدة ونظام تقوده الصين، فالعالم سيبقى، لبعض الوقت، من دون أي نظام على الإطلاق، وسط تفتت وامتداد للأزمات وخنق متزايد، أو إغراء تحويل مجموعة واسعة من نقاط الاختناق الجغرافية والاقتصادية والتكنولوجية إلى سلاح. وبدلاً من بناء إستراتيجية كبرى، ستحتاج الدول إلى تطوير استجابات تكون براغماتية، وتتكيف مع الظروف المتغيّرة.
مراجعة الواقع
كان وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر قد أكّد ذات مرة أن النظام العالمي يقوم على ركيزتين: توازن قوى مستقر إلى حد معقول، ومجموعة من القواعد المتفق عليها بصورة مشتركة، في شأن ما يجوز للدول فعله وما يحظر عليها فعله. واليوم، تتهاوى كلتا الركيزتين، ومن غير المرجح أن يكون بالإمكان تدعيمهما أو إعادة بنائهما في أي وقت قريب. وعلى رغم أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية المهيمنة في العالم، لكنه بات واضحاً بصورة متزايدة أن واشنطن لم تعد قادرة على منع النزاعات، أو ضمان حرية حركة التجارة في أنحاء العالم، بل إنها لم تتمكن حتى من إعادة فتح مضيق هرمز بعد أن أُغلق الممر المائي على يد إيران، المنهكة عسكرياً.
حتى في ذروة قوة الولايات المتحدة، تمكن خصومها في أفغانستان والعراق من استغلال مزايا غير متماثلة لتحديها، لكن التغير التكنولوجي السريع، ولا سيما انتشار الصواريخ والطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، يُقوض بسرعة سيطرة الجيش الأميركي على البحار والأجواء، والسلام النسبي الذي رافق تلك السيطرة، وحتى قبل ترمب، كان نظام التحالفات الذي ساعد الولايات المتحدة في فرض القواعد يضعف، إذ كانت الصين وروسيا والقوى الصاعدة الأخرى، التي لم تشارك في وضع تلك القواعد، تدفع في اتجاه معارض لها.
ثم أطلق ترمب تمرداً من الداخل ضد النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، فتنمّر على حلفاء أميركا، ومارس ضغوطاً عليهم، وتخلى عن “منظمة الصحة العالمية”، وألغى “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية”، وفرض رسوماً جمركية عقابية واسعة النطاق. وكانت رغبته في تفكيك النظام الذي بنته الولايات المتحدة استثنائية، لكن حتى بعد انتهاء رئاسته عام 2029، من المستبعد جداً أن تعود الولايات المتحدة لدورها السابق، فالأميركيون كانوا قد فقدوا بالفعل اهتمامهم بأن يكونوا المزود الرئيس للمنافع والمصالح العامة في العالم، وممارسة دور الشرطي فيه، والمدافع عن التجارة الحرة، ولا توجد قوة أخرى لديها الطموح لتولي هذه المهمة.
في عشرات المحادثات الخاصة التي أجريتها مع قادة حول العالم خلال العام الماضي، كان الشيء الوحيد الذي يتفقون عليه هو أنهم لا يعرفون ما الذي سيأتي بعد ذلك، وهم يجدون صعوبة في استخدام دروس التاريخ أو الأطر النظرية، لمعرفة الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكوه، وكذلك فإن الإحاطات التي يتلقونها من أجهزة استخباراتهم ودوائرهم الدبلوماسية، لم تعد تمنحهم أي يقين، وقبيل كل قمة للـ “ناتو“، أتلقى رسائل نصية من قادة أوروبيين يسألونني عما أعتقد أنه قد يحدث، واعترف لي أحد قادة العرب حديثاً بأنه ببساطة لا يملك أية فكرة عن الترتيب الذي يمكن أن يحسم النزاع حول مضيق هرمز، وقال مستشار للأمن القومي في دولة حليفة للولايات المتحدة، في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إن حكومته لم تعد تعرف ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن بلاده أم لا، في حال وقوع أزمة.
في الواقع، إن السمة الأساس لهذه المحادثات هي عدم اليقين، أي الشعور بأن العالم يتحدى الأعراف والتفاهمات، وكثيراً ما اتسم النظام القائم على القواعد بحالات من خرق القواعد، لكنها كانت تحدث ضمن إطار عام ظل قائماً ومتماسكاً، وهذا هو الفرق: ففي عالم مضطرب، ينتهك الفاعلون قواعد لا يزالون يعترفون بها، أما في عالم يمكن وصفه بأنه “بلا نظام”، فإنهم يتصرفون من دون الرجوع لأي إطار عمل مشترك على الإطلاق.
عالم ممزق ومنقسم
تقف وراء حال عدم اليقين التي تطبع هذا العصر الخالي من النظام، ثلاث قوى تزعزع النظام الدولي وتقلب موازينه، وهي التفتت وامتداد الأزمات والخنق، فالنهج العدواني الافتراسي الذي يتّبعه ترمب تجاه الشركاء يعمل على تفتيت الغرب بوصفه مجتمعاً سياسياً، والتحالفات تتشظى، وليس التحالفات الغربية وحدها، ومثلما أن القيود التجارية تعمل على تفكيك الأسواق العالمية، لكنها لا تُشكل تكتلات مُنظمة، ولم تعد المشكلات العالمية تستقطب حلولاً عالمية، بل مجموعة من الحلول الموقتة وقصيرة المدى.
أما أعمق أشكال التفتت فهو معرفي، فالعالم المتصل رقمياً لا ينقسم فقط حول تفسيرات مختلفة، بل إن سكانه لم يعودوا يتفقون حتى على الحقائق، مما يمحو الإحساس بوجود واقع مشترك، وهو الإحساس الذي يُشكل أساس الدبلوماسية. لننظر إلى الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في فبراير (شباط) الماضي. لم تتمكّن أطراف النزاع حتى من الاتفاق على ما إذا كان هناك وقف لإطلاق النار جرى التوصل إليه، أو على أوراق الضغط التي يمتلكونها، أو على مَن المنتصر ومَن المهزوم.
إن الطموح إلى إقامة نظام عالمي واحد يفسح المجال أمام واقع تتعايش فيه أنظمة تنظيمية عدة وتتنافس في ما بينها، فبعض الأطر منظمة على أساس المناطق، بينما تسعى أطر أخرى، مثل “باكس سيليكا” (وهي مبادرة جديدة لتأمين سلاسل إمداد التكنولوجيا)، و”الاتفاق الشامل والتقدمي للشراكة عبر المحيط الهادئ” (CPTPP)، و”أوكوس”، إلى إدارة مجالات مثل التكنولوجيا والتجارة والأمن، وقد انتهى زمن فكرة أن الأمم المتحدة، أو حتى الولايات المتحدة، يمكنها الإشراف على اتفاقات سلام شاملة تعالج بنجاح المطالبات الإقليمية والعدالة في مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار، وبدلاً من هذه الاتفاقات، تهدف عمليات وقف إطلاق النار والهدن المحدودة، التي لا يتفاوض عليها دبلوماسيون، بل خليط غير متجانس من الوسطاء، مثل قطب العقارات الأميركي ستيف ويتكوف، والمصرفي الروسي كيريل دميترييف، والجنرال عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، إلى تجميد النزاعات بدلاً من حلها، وفي عالم من الحلفاء غير الموثوقين، ستسعى الدول إلى التحوط، وقد تتوقف معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عن العمل كقيد ذي معنى، وقد تتجه ألمانيا وإيران وبولندا والسعودية وكوريا الجنوبية إلى امتلاك أسلحة نووية خلال العقدين المقبلين.
واستطراداً، تلاشت فكرة أن القواعد الثابتة والمتسقة ينبغي أن تحكم الاقتصاد العالمي، فالقومية الاقتصادية والحمائية آخذتان في الصعود، وإدخال الاتحاد الأوروبي لآلية تعديل حدود الكربون (CBAM)، وفرض ترمب للتعرفات الجمركية، وفرض الصين قيوداً على الصادرات، كلها تسرّع تفكك الاقتصاد العالمي، وقد أصبحت براميل النفط المتطابقة تُتداول الآن بأسعار متفاوتة للغاية تبعاً لمكان بيعها، ونظام الدفع المستخدَم، والمشتري، ونظام العقوبات الذي تخضع له، ففي أوائل أبريل (نيسان) الماضي مثلاً، جرى تداول العقود الآجلة لخام برنت عند نحو 113 دولاراً للبرميل، بينما بيعت الشحنات الفعلية من الخام بسعر وصلَ إلى 144 دولاراً، وعادة ما تختلف أسعار العقود الآجلة عن الأسعار الفورية، ولكن بفارق لا يتجاوز بضعة دولارات، أما فارق بهذا الحجم فكان استثنائياً للغاية، وتشهد أسواق الذهب في لندن ونيويورك فترات من التباين الحاد في الأسعار، ومن المتوقع أن يصبح هذا النوع من التفتت والتجزئة أكثر انتشاراً، وستتراجع هيمنة الدولار بوتيرة أسرع، مع احتمال انخفاض حصته من احتياطات النقد الأجنبي العالمية إلى ما دون 50 في المئة، مع ازدياد الترتيبات النقدية الثنائية وتنويع تسعير السلع، وسترتفع كُلف الاقتراض الأميركية، وستتضخم كُلف التعاملات العالمية، مع تزايد الأنظمة غير المتوافقة.
خارج عن السيطرة
يتمثّل التحدي الكبير الآخر في امتداد الأزمات وانتشارها، فقد كانت القوانين والأعراف الدولية تفرض في السابق قيوداً على تصرفات الدول، وربما لم تكن القوى العظمى تلتزم دائماً بالقواعد، لكنها كانت تفرضها على القوى الأصغر، وتضع توقعات في شأن الطريقة التي ينبغي أن تُدار بها العلاقات، أما في هذه الحقبة التي تلاشت فيها القيود، فلم تعد الأزمات محصورة في نطاقها الأصلي، ولم تعد الأطراف الفاعلة تشعر بأنها مقيدة بالأعراف التي تحدد السلوك السليم، بل إن كثيراً من أقوى الفاعلين في العالم لم يعودوا يُدركون حتى أنهم يخالفون القواعد.
وفي هذه البيئة، يقل احتمال بقاء النزاعات معزولة ومنفصلة بعضها عن بعض، فقد عارضت فرنسا وألمانيا بشدة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد الديكتاتور العراقي صدام حسين عام 2003، لكن ذلك لم يمنعهما من مواصلة تبادل المعلومات الاستخبارية والتجارة مع الولايات المتحدة، ولم يمنعهما من التعاون مع واشنطن في قضايا أخرى تخص حلف شمال الأطلسي، وعلى النقيض من ذلك، فعندما هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على الحلفاء الأوروبيين الذين عارضوا مطالبته بضم غرينلاند، فقد أظهر أن العلاقات الاقتصادية والأمنية لم تعد منفصلة حتى بين الحلفاء، وخلال الحرب الأخيرة مع إيران، عندما أعربت دول أوروبية عدة عن تحفظاتها في شأن الصراع، هدد ترمب بوقف التجارة معها، وسحب القوات الأميركية المتمركزة في أراضيها.
لا يزال عدد كبير جداً من القادة يتصرفون كما لو كان بالإمكان إنقاذ النظام القديم بطريقة ما
وبعد أن هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران، شنت الجمهورية الإسلامية ووكلاؤها ضربات على شركاء الولايات المتحدة، في البحرين وعُمان والأردن والكويت وقطر والسعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة، بل وحتى في أوروبا من خلال مهاجمة قبرص، وبدلاً من السعي إلى عرقلة المجهود الحربي الأميركي بصورة مباشرة، بدا أن إيران مصممة على تعطيل الأسواق العالمية إلى أقصى حد ممكن، ورداً على الاستياء من تقارب باكستان مع إيران، أُجبرت باكستان على سداد باكر لدين بقيمة 3.5 مليار دولار، ورُحل آلاف العمال الباكستانيين.
وهذا النوع من التحرر من القيود بات يحكم بصورة متزايدة طريقة خوض الحروب ذاتها، فالمحرمات والمحظورات التي كانت تحول دون تنفيذ الاغتيالات، واستهداف المدنيين، وشن حروب بهدف الاستيلاء على الأراضي، آخذة في الاختفاء. ووفقاً لما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز”، فقد خططت إسرائيل لاغتيال وزير الخارجية الإيراني ورئيس البرلمان الإيراني أثناء إجرائهما مفاوضات مع الولايات المتحدة. وخلال حربها في غزة، هاجمت إسرائيل أفراداً ومنشآت لم تكن تُعتبر في السابق أهدافاً مشروعة، مثل الصحافيين والمستشفيات والمواقع الثقافية والمؤسسات الدينية والبنية التحتية المدنية، وزعمت إسرائيل أن “حماس” استخدمت هذه الأهداف كغطاء. وعلى نحو مشابه، تستهدف روسيا بصورة منتظمة البنية التحتية المدنية في حربها في أوكرانيا، وكلا البلدين ينفذ عمليات قتل مستهدفة ضد مواطني البلد الآخر في دول ثالثة.
ومن شبه المؤكد أن هذا النوع من التصعيد المنفلت من الضوابط سيؤدي إلى مزيد من الحروب، وقد تُغرى دول أخرى غير الولايات المتحدة بابتزاز حلفائها، وقد يصبح التهديد بشن هجمات نووية أمراً اعتيادياً، والأكثر إثارة للقلق هو احتمال انتشار حروب صغيرة هدفها السيطرة على الأراضي. وفي الواقع، لا يوجد نقص في المحفزات والشرارات المحتملة لإشعال مثل هذه النزاعات، فقد تستهدف الصين تايوان بصورة مباشرة، وقد تقرر فنزويلا استخدام القوة لتحقيق مطالبها في شأن السيطرة على إيسيكويبو، وهي المنطقة الغنية بالموارد في النصف الغربي من دولة غويانا المجاورة، وقد تحاول إثيوبيا انتزاع منفذ يخوّلها الوصول إلى موانئ إريتريا على البحر الأحمر، وقد تقرر روسيا الاستيلاء على مدينة نارفا الإستونية الواقعة على الحدود.
الضغط الشديد
في زواج مضطرب وفاشل، تتحول الروابط التي كانت تجمع الزوجين في الأوقات السعيدة، مثل المنزل والأطفال والكلب، إلى أسلحة يستخدمها كل منهما لإيذاء الآخر في الأوقات العصيبة، وبالمثل، في الجغرافيا السياسية المعاصرة، تتجه الدول بصورة متزايدة نحو تحويل الأنظمة التي كانت تربط بينها ذات يوم، مثل ممرات الطاقة وسلاسل إمداد أشباه الموصلات والبنية التحتية المالية وممرات الشحن، إلى أسلحة. وباتت سيطرة دولة ما على نقاط الاختناق مؤشراً رئيساً على قوتها، تماماً مثل ناتجها المحلي الإجمالي وحجم جيشها.
لقد كانت الدول الغربية نشطة بصورة خاصة في تحديد نقاط الاختناق هذه، واستخدامها كأدوات ضغط، ولا سيما من خلال سيطرتها على النظام المالي العالمي والتقنيات الأساس، وقد قيّدت إدارة ترمب الأولى وصول الشركات الصينية إلى الرقائق الإلكترونية المتطورة، ثم صعّدت إدارة بايدن هذا التقييد التكنولوجي من خلال فرض ضوابط أوسع على الصادرات، مستفيدة من حقيقة أن الشركات الأميركية وشركات الدول الحليفة لها تهيمن على إنتاج معدات تصنيع الرقائق، والبرمجيات اللازمة لصناعة الرقائق المتقدمة، وفي عام 2022، بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، اتخذ تحالف من الدول الأوروبية ودول أميركا الشمالية خطوة استثنائية تمثلت في توظيف الدولار كسلاح لمعاقبة إحدى دول مجموعة الـ 20، بعد أن استبعدت البنوك الروسية من نظام “سويفت” للمدفوعات، وجمّدت 300 مليار دولار من احتياطات البنك المركزي الروسي.
وتتعلم الصين من هذا، فهي توسع بسرعة سيطرتها على نقاط الاختناق الخاصة بها، ففي عام 2010، جرّبت بكين لفترة وجيزة وقف صادرات العناصر الأرضية النادرة إلى اليابان وسط نزاع إقليمي، لكنها لم تكن قد أنشأت بعد الجهاز البيروقراطي اللازم الذي يمكنها من توجيه مثل هذه الضوابط بدقة، ومنذ ذلك الحين بنت نظامها الخاص للرقابة على الصادرات، الذي صُمم صراحة على غرار نظام واشنطن، ولم تكتف بالسيطرة على المواد الخام، بل وسعت نفوذها ليشمل عمليات معالجة هذه الموارد.
وفي أواخر عام 2025، اعتمدت الصين نسختها الخاصة من “قاعدة المنتج الأجنبي المباشر” (FDPR) الأميركية، مؤكدة حقها في تقرير ما إذا كان بإمكان الشركات الوصول إلى المغناطيسات في أي مكان في العالم، إذا كانت تحوي ولو كميات ضئيلة من المواد الصينية، أو صُنعت باستخدام التكنولوجيا الصينية، وبذلك استخدمت بكين ضد واشنطن التكتيك نفسه الذي ابتكرته الأخيرة للسيطرة على تجارة الرقائق، حتى خارج حدودها.
وكذلك فإن دولاً أصغر، وجهات فاعلة من غير الدول، تستغل نقاط الاختناق بصورة متزايدة، ووفقاً للمدعين العامين الألمان، فقد دمّر فريق أوكراني خطوط أنابيب “نورد ستريم” بهدف إنهاء اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، حتى قبل أن تغلق إيران مضيق هرمز، مما أوقف ما يقارب 20 في المئة من حركة شحن النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، وكانت ميليشيات الحوثي في اليمن تستخدم طائرات مسيّرة وصواريخ منخفضة الكلفة، لعرقلة حركة الملاحة عبر البحر الأحمر.
وسرعان ما سيصبح هذا الاستغلال لنقاط الاختناق ظاهرة عالمية، وقد تكون العواقب استثنائية، لأن نقاط الاختناق المحتملة لا تعد ولا تحصى، فهي لا تقتصر على الممرات المائية وحسب، بل تمتد أيضاً لتشمل سلاسل إمداد الأسلحة والغذاء والرعاية الصحية والتكنولوجيا الأساس، أي جميع الحاجات التي يعتمد عليها الناس في حياتهم اليومية، وقد تمنع الولايات المتحدة الأوروبيين من استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، أو حتى تحجب عنهم إمكان الوصول إلى منتجات “مايكروسوفت”، وقد تفرض الصين مزيداً من القيود على المعادن الأرضية النادرة المستخدمة في أنظمة الأسلحة الأميركية والأوروبية والتكنولوجيات المتقدمة، أو تستغل سيطرتها على صناعات السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح عالمياً، وبما أن الصين تنتج الغالبية العظمى من المواد الفعالة المستخدمة في تصنيع الأدوية، فقد تتمكن بكين حتى من تقييد إنتاج الأدوية الحيوية، وسيكون من السهل بصورة خاصة خنق الإمدادات الغذائية وتقييدها، إذ يمر أكثر من 55 في المئة من الذرة والقمح والرز وفول الصويا، المتداولة عالمياً، عبر نقطة اختناق بحرية واحدة في الأقل، ويمكن أن تتحول اضطرابات إمدادات الطاقة إلى أزمات في أسعار الغذاء في غضون أسابيع.
إن إغلاق نقطة اختناق واحدة يحوّل حركة المرور إلى نقاط أخرى، مما يُسبب ازدحاماً في البدائل، وقد أجبر إغلاق مضيق هرمز شحنات النفط على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، أما الإغلاق المتزامن لقناة السويس ومضيق ملقا، فلن يكون له حل عملي، وقد أشارت كل من إيران والولايات المتحدة إلى أنهما تعتزمان فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز، وقد تُغرى دول أخرى أيضاً بالبدء في فرض رسوم في مقابل الوصول إلى الممرات المائية الدولية، وقد يكون إغلاق نقطة اختناق واحدة قابلاً للإدارة، لكن عمليات الإغلاق المتعددة في آن واحد لن تكون كذلك.
لنكن واقعيين
لقد بدأت تبرز طريقتان عامتان وواسعتان للتعامل مع هذا العالم الجديد: طريقة المهندس المعماري ونهج الحِرفي. يضع المهندسون المعماريون مخططات للنظام ويحاولون تشكيل العالم وفقاً لتصاميمهم، من خلال تطوير معايير عالمية وترسيخ الأمن في المؤسسات متعددة الأطراف. أما الحرفيون، فلا يفترضون أنهم يمتلكون القوة أو الموارد اللازمة لبناء هياكل ضخمة من الصفر، وبدلاً من ذلك، يستخدمون الارتجال والمرونة للتعامل مع عالم لا يَصلح للخطط الشاملة. ومن نواح عدة، تتصرف الصين بالفعل كدولة حِرفية، فهي تدفع مصالحها قدماً من خلال إعادة توظيف المؤسسات القائمة، مثلما فعلت عندما استخدمت “الاتحاد الدولي للاتصالات”، لإدراج ضوابط مواتية للمراقبة ضمن معايير الإنترنت العالمية، ومن خلال إنشاء مؤسسات جديدة مثل “منظمة شنغهاي للتعاون” و”مجموعة بريكس+”، وهي الكتلة الجيوسياسية التي تجمع البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا وأربعة أعضاء جدد آخرين، وتتسم هذه المؤسسات بالمرونة في عضويتها وأهدافها، وهي ليست مصممة لوضع قواعد عالمية، وكذلك تنشئ قوى متوسطة أخرى، مثل البرازيل والهند وإيران وتركيا، عدداً كبيراً من التكتلات المماثلة وتنضم إليها، لتحقيق التوازن بين القوى الكبرى، والتحوط من أخطار الارتهان لأي منها.
وعلى النقيض من ذلك، في كثير من القوى المتوسطة الأخرى في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ وأميركا الشمالية، يؤدي الحزن على النظام القائم على القواعد إلى إيقاظ غريزة المهندس المعماري، وعلى رغم اعتراف القادة هناك بحال عدم اليقين، فإنهم يفشلون في استيعاب التغيرات التي يواجهونها، وتقترح إستراتيجياتهم في كثير من الأحيان الحفاظ على شكل النظام القديم من دون جوهره، أي من دون الشرعية والقدرة على الإنفاذ، اللتين كانت الولايات المتحدة تمنحه إياهما، ولا يزالون يسارعون إلى دعم النظام التجاري العالمي القائم على القواعد، من خلال محاولة بناء نسخة طبق الأصل من آلية الاستئناف المتعثرة التابعة لمنظمة التجارة العالمية [الآلية التي تنظر في الطعون على قرارات النزاعات التجارية]، ومواصلة تقديم الشكاوى ضد الرسوم الجمركية الأميركية أمام المنظمة، وهو ما يعادل الصراخ في الفراغ.
ولا تزال حكومات كثيرة جداً تحاول كبح النزاعات من خلال اللجوء إلى الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية، فمثلاً انضمت إيرلندا إلى إسبانيا في دعم دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، وهي مبادرة حظيت بضجة إعلامية واسعة، لكنها لم تُحدث أي تأثير فعلي في السياسة الإسرائيلية، وقد تحدثت وزيرة خارجية أستراليا عن “حقبة جديدة تتعاظم فيها دبلوماسية القوى المتوسطة” التي تسعى إلى دعم الالتزامات الرسمية متعددة الأطراف، وإنفاذ القانون الدولي. ويتمثل الفارق الرئيس بين هذه المشاريع والمشاريع الأكثر حرفية التي تتبناها الصين وغيرها في أن هدفها لا يزال قانونياً في المقام الأول، ويركّز على إحداث التغيير من خلال الالتزام بأطر عمل أصبحت متقادمة بصورة متزايدة.
في الواقع، لم يكن النظام القديم القائم على القواعد متعلقاً بالقواعد وحدها، فقد قدّم قواعد تدعمها قوة محددة مستعدة لتحمل كُلف غير متناسبة من أجل الحفاظ عليها. وكانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون هم مهندسو نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، والنظام الذي أعقب الحرب الباردة، لكنهم لم يعودوا يمتلكون الموارد اللازمة للحفاظ عليهما. ولا تستطيع القوى المتوسطة ببساطة تجميع مواردها وإعادة إحياء الماضي، فلا يوجد تحالف قادر على الحفاظ على أهمية منظمة التجارة العالمية، أو ضمان هيمنة الدولار، أو فتح مضيق هرمز. ويتحدث السياسيون مثل المهندسين المعماريين لأنهم يعتقدون أن ذلك يبعث على الثقة، لكن في الواقع مثل هذا الخطاب يقوض الثقة.
ويتعين على حلفاء الولايات المتحدة السابقين بدلاً من ذلك أن يفكروا ويتصرفوا كالحرفيين، وكثير من هذه الدول مجهزة لهذا التحول في الإستراتيجية بصورة أفضل مما تدرك، فتاريخها يزخر بأمثلة على الابتكار والمرونة.
وفي حين يسعى المهندسون المعماريون إلى تحقيق الاستقرار، يستعد الحرفيون للفوضى والتغيير، وقد يحاول المهندسون المعماريون إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو إعادة تفعيل هيئة الاستئناف في منظمة التجارة العالمية، لكنهم بذلك يهدرون وقتهم. أما الحرفيون، فيتبعون المسار الذي تسلكه الدبلوماسية بالفعل، فالصين عضو مراقب في “مجلس القطب الشمالي”، وينبغي للاتحاد الأوروبي كذلك أن يتقدم بطلب للانضمام بصفة مراقب إلى “بريكس+”، أو “منظمة شنغهاي للتعاون”، أو “رابطة دول جنوب شرق آسيا” (آسيان). وعلى صعيد التجارة، سيعني النهج الحرفي الاستثمار في نقاط جديدة للبنية التحتية مبنية حول الممرات والموانئ، مثل “ممر لوبيتو”، وهو طريق لوجستي يربط وسط أفريقيا الغني بالمعادن بالمحيط الأطلسي، وتَعِدُ هذه الترتيبات بعوائد أكبر من اتفاقات التجارة الشاملة، مثل تلك التي سعى الاتحاد الأوروبي إلى إبرامها مع الهند أو مع التكتل الاقتصادي لأميركا الجنوبية (ميركوسور)، إذ قد يستغرق التفاوض عليها عقوداً، وبدلاً من التنافس على ترشيح دبلوماسييها لشغل منصب مبعوثين خاصين للأمم المتحدة، ينبغي لأستراليا والنرويج وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة والدول المماثلة أن تسعى إلى الإسهام في جهود الوساطة غير التقليدية في حل النزاعات التي تقودها حالياً دول مثل باكستان وقطر.
وفي حين يؤمن المهندسون المعماريون بإمكان وجود كتاب قواعد واحد للجميع، يتقبل الحرفيون وجود مجموعات عدة من المبادئ التوجيهية تتعايش مع بعضها، وينبغي للتكتلات مثل الاتحاد الأوروبي أن توجه جهودها بصورة متزايدة نحو إنشاء أنظمة قائمة على القواعد في أقاليمها ومحيطها، بدلاً من السعي إلى نظام عالمي بعيد المنال، فالمقاربات التنظيمية الشاملة متعددة الأطراف، مثل “اللائحة العامة لحماية البيانات” (GDPR) في الاتحاد الأوروبي، تفقد فاعليتها مع توقف الأسواق الرئيسة الأخرى، بما فيها الصين، عن تقليد النموذج الأوروبي، وينطبق الأمر نفسه على الأطر العالمية الرامية إلى حل مشكلات مثل تغير المناخ، وربما كان للتنافس على الهيمنة على تكنولوجيات الطاقة المتجددة أثر أكبر في الحد من ارتفاع الانبعاثات من جميع مؤتمرات الأطراف. ويتعيّن على الأوروبيين ومجموعة الدول الستة الكبرى فيها بذل قصارى جهدهم، لفهم الطريقة التي ينظر بها البرازيليون والهنود والإندونيسيون والروس والجنوب أفريقيون إلى هذه اللحظة، فإذا أرادوا تبني نهج احترازي بصورة أكثر كفاءة، فعليهم أن يفهموا بصورة أفضل نظراءهم الذين يتبنون الحذر أيضاً.
وفي حين ينظر المهندسون المعماريون إلى العولمة باعتبارها وسيلة لتغيير الآخرين، يقلق الحرفيون في شأن نقاط الضعف التي يخلقها الترابط، وتمتلك أوروبا وحلفاؤها وسائل أكثر مما يعتقدون لتطوير الاعتماد على الذات، وإقامة ترتيبات مع قوى أخرى، فمن أجل حماية نفسها من الابتزاز الصيني، يمكن لأوروبا استخدام مبيعات “إيرباص” كورقة ضغط، من خلال حجب تحديثات البرمجيات عن أسطول “إيرباص” الصيني، مما سيؤدي إلى إيقاف أكثر من نصف الطائرات التجارية في البلاد عن العمل، وللرد على الرسوم الجمركية الأميركية، يمكنها قطع وصول شركات التواصل الاجتماعي الأميركية إلى سوقها، ولردع الصين عن تهديد سيادتها، يمكن لتايوان تقييد صناعتها الحيوية لأشباه الموصلات.
باتت سيطرة دولة ما على نقاط الاختناق مؤشراً رئيساً على قوتها
وقد تكون هذه الإستراتيجيات أكثر تركيزاً على الجانب الدفاعي، لكن إذا أرادت الدول الازدهار، فعليها تعزيز أمنها، وقدرتها التنافسية الصناعية، وريادتها في مجال الطاقة النظيفة، ونفوذها العالمي، ويتمثل جزء أساس من ذلك في السعي إلى تحقيق السيادة التكنولوجية، وبدلاً من قبول الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية، أو وضع كل الرهانات على بناء منظومات تكنولوجية مستقلة، يتعين عليها استخدام أوراق القوة التي تمتلكها أصلاً لتقليل أخطار تعرّضها لأعمال عدوانية، ولتوسيع مزاياها الطبيعية.
في عام 2023، منحت “هيئة خدمات الصحة البريطانية” شركة التكنولوجيا الأميركية “بالانتير” عقداً ضخماً لتوفير منصة بياناتها الجديدة، وفي هذا العام، أبدى برنامج جديد للذكاء الاصطناعي مخصص للشرطة البريطانية اهتماماً بالتعاون مع الشركة، ولكن بدلاً من ذلك، يتعيّن على بريطانيا أن تستخدم القوة الشرائية هذه لتحفيز مزودي الخدمات المحليين على تطوير أدوات متخصصة، بالاعتماد على تقنيات مفتوحة المصدر، وأن تفرض معايير مفتوحة وصيغ بيانات قابلة للنقل كشرط أساس للعقود الحكومية، كيلا تتحول منصة أي مورّد إلى نقطة اختناق دائمة.
وربما الأهم من ذلك أن المهندسين المعماريين يفكرون في الأمن من الخارج إلى الداخل، بينما يدرك الحرفيون أن على الدولة أن تدافع عن نفسها من الداخل إلى الخارج، ويتعين على الدول الأوروبية ودول منطقة المحيطين الهندي والهادئ إنقاذ ما يمكن إنقاذه من البنية الأمنية القديمة، من خلال الاستفادة، مثلاً، من هياكل القيادة التابعة لحلف الـ “ناتو” في العمليات العسكرية، والحدّ بصورة كبيرة من اعتمادها على الولايات المتحدة، باعتبارها مزوداً دائماً للأمن في مناطقها.
ويجب ألا تحاول ببساطة تقليد الأساليب العسكرية الأميركية كثيفة رأس المال، بل يجب عليها تطوير أساليب أكثر اقتصاداً وتوفيراً في خوض الحروب، تتناسب مع ظروف كل دولة على حدة، وقد أظهرت كل من أوكرانيا وإيران كيف يمكن تكييف تقنيات أقل كلفة لأغراض هجومية ودفاعية على السواء، مما أدى إلى تحييد ميزة خصومهما في الأنظمة عالية التقنية والأكثر كلفة بكثير، وستستفيد دول كثيرة من إستراتيجيات دفاعية مماثلة على طريقة “القنفذ” [إستراتيجيات تجعل الدولة صعبة الاختراق وأكثر قدرة على ردع الهجمات] وهي إستراتيجيات تعتمد على الثورة التكنولوجية التي تصب في مصلحة الدفاع، وتحمي أراضيها من انتقال الأزمات إليها.
وبالنسبة إلى الدول الأوروبية، يعني ذلك بناء قدرات عسكرية، والقتال بضراوة لمنع روسيا والولايات المتحدة من إبرام صفقات من وراء ظهور الأوروبيين، واتخاذ نهج أكثر انفصالاً تجاه النزاعات الدائرة في أجزاء أبعد من العالم، وعلى نحو مماثل، ينبغي لليابان وكوريا الجنوبية الاستثمار في الدفاع عن النفس، والعمل على منع الصين والولايات المتحدة من استبعادهما من الخيارات التي ستشكل مستقبلهما، وحتى إذا لم تعد الولايات المتحدة راغبة في لعب دور شرطي العالم، فلا يزال لديها دور مهم تؤديه في هذه الجهود، يتمثل في تشجيع شركائها على التكيف بدلاً من تحويلهم إلى دول تابعة، حتى لو كان ذلك يعني طلبات أقل لشركات الدفاع الأميركية.
قبل وقت طويل من ولاية ترمب الثانية، كانت التغيرات في هيكل القوة العالمية قد أفرغت النظام القديم من مضمونه، ومن المرجح أن تتسارع وتيرة القوى التي تدفع نحو الاضطراب، وستتسم العقود المقبلة بتغيرات هائلة وموجات من الأزمات، وليس بالعودة للنظام القديم أو بإنشاء نظام جديد، ومثلما هو حال سكان “المباني الصينية ذات الذيل المتعفّن”، سيكون أنجح القادة هم أولئك الذين يقررون مصيرهم بأنفسهم، بدلاً من انتظار مجموعة جديدة من القواعد لإنقاذهم.
مارك ليونارد هو المؤسس المشارك ومدير “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية”، ومؤلف كتاب “النجاة من الفوضى: الجغرافيا السياسية عندما تفشل القواعد”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، سبتمبر (أيلول)/أكتوبر (تشرين الأول) 2026
