
وحدة الإنسان في الفيلم الكاميروني “بيت الريح” (ملف الفيلم).
.هوفيك حبشيان … اندبندنت عربية
ملخص
تتكرر موضوعة وحدة الإنسان في هذه الدورة من مهرجان البندقية السينمائي (من الثاني إلى الـ22 من سبتمبر الجاري)، نتيجة عالم يختفي فيه ما كان يمنح الإنسان شعوراً بالأمان، أي العائلة والمكان وحتى فكرة الانتماء.
خلف الحدود والمسافات والهجرة والانقسامات الاجتماعية، تظهر شخصيات تركت وحدها في مواجهة ما بقي من حياتها، أو زجت في أماكن لا يعود فيها للآخر وجود واضح.
في فيلم “بيت الريح” للكاميروني أوغوست برنار كويمو يانغو، المعروض في قسم “أوريزونتي”، تأخذ الوحدة شكل أم ثمانينية غادرها أبناؤها إلى الخارج، فتحاول أن تبني بيتاً قد يعيدهم يوماً للمكان الذي تركوه. وفي “صالون التجميل” للمكسيكية ناتاليا أسيفيدو (قسم “أيام المؤلفين”)، تصبح الوحدة أكثر قتامة، أجساد منبوذة تتجمع في فضاء معزول، معلّقة بين الحياة والموت. وبين الفيلمين، مسافتان جغرافيتان وعالمان شديدا الاختلاف، لكنهما يلتقيان عند السؤال نفسه حول البقاء عندما يتحول نوعاً من أنواع العزلة. وبذلك تقترب السينما من أولئك الذين لا تجد معاناتهم دائماً طريقاً إلى الخطاب العام.
ما الذي يحدث للذين يبقون حين يرحل الجميع؟ من هذا السؤال البسيط، والمهمل غالباً في أفلام الهجرة، ينطلق أوغوست برنار كويمو يانغو في فيلمه الأول “بيت الريح” المعروض في مسابقة “أوريزونتي”. فالهجرة هنا لا تنقل من جهة الذين غادروا الكاميرون بحثاً عن حياة أخرى، بل من جهة الأم التي بقيت. جوزيت التي تؤدي دورها والدة المخرج (جوزيت كوانيا)، امرأة في الـ80 من عمرها تعيش وحدها في ياوندي. أبناؤها استقروا في الخارج، فيما تحاول هي إبقاء صلة بالبلد الذي تركوه. فتبدأ بناء منزل جديد بمساعدتهم، كأنها تشيّد، في الوقت نفسه، مكاناً يمكن للعائلة أن تعود له. البيت مشروع معماري، لكنه أيضاً رهان على ذاكرة مهددة بالانقطاع.
يتعثر ية حين يتوقف أحد الأبناء عن إرسال المال. وفي هذه اللحظة تدخل إلى حياة جوزيت شابة تنتظر وصول رجل فرنسي للزواج بها. تنشأ بينهما علاقة تتجاوز المجاورة. وتجد جوزيت في الفتاة حضوراً بشرياً افتقدته في أبنائها البعيدين، فيما تحصل الشابة على أم تسمعها وتوجهها.
لا يحوّل يانغو الكاميرون إلى خلفية فولكلورية، بل يترك الحياة اليومية بتفاصيلها تؤدي دورها الطبيعي. والسياسة، بدورها، تبقى في الهامش، فتلفزيون جوزيت مفتوح على نقاشات السياسيين التي لا ترى فيها سوى سجالات لا تقدم ولا تؤخر. ولا يحتاج الفيلم إلى تفسير أزمات القارة الأفريقية عبر خطاب مباشر، إذ يكفي أن نرى نتائجها في عائلة تفرقت بين القارات.
وأكثر ما يلفت في “بيت الريح” أنه يعكس صورة الهجرة التقليدية ويقلب الآية. فالسينما اعتادت ملاحقة الذين يغادرون، أسبابهم وأحلامهم واغترابهم ومحاولات اندماجهم. في هذا الفيلم نبقى مع الذين تُركوا وراءهم. جوزيت ليست ضحية، إنها امرأة تقاوم الفراغ بالفعل، وبناء البيت إحدى وسائل هذه المقاومة.
واكتسب الفيلم بعداً مؤثراً إضافياً بعد وفاة جوزيت بين تصويره ووصوله إلى الجمهور. بذلك يتحول المنزل الذي أرادت أن تتركه لأبنائها إلى أثر سينمائي أيضاً، وإلى شاهد على وحدة امرأة كانت تحاول، حتى النهاية، أن تمنح عائلتها سبباً للعودة.
في “صالون التجميل”، أول أفلام المكسيكية ناتاليا أسيفيدو، لا يعود المكان الذي يفترض أن يصنع الجمال معنياً بالجمال. الصالون صار بؤرة معتمة ومائية وسقيمة، يقيم فيها أناس على هامش الحياة، ويتولى رجل غامض (سام لويك) رعايتهم وانتظار موتهم. الفيلم مقتبس من رواية لماريو بيلاتين ويتعامل معها كمادة لبناء عالم سينمائي مستقل أكثر منه حكاية ينبغي نقلها.وأهم ما تفعله أسيفيدو هو إلغاء الحدود المطمئنة بين الحياة والموت والجمال والقبح والداخل والخارج والواقع والهلوسة. المكان نفسه يبدو كأنه عالق في حال انتقال دائمة. والماء يحضر في كل مكان تقريباً كاستعارة لحياة لا تستقر ولأجساد تفقد ثباتها. كل شيء رطب وثقيل، كأن العالم الذي نراه يتحلل أمامنا ببطء.
لا يبحث الفيلم عن تفسير واضح لما حدث للصالون أو للرجل الذي يديره. نعرف أنه كان في زمن سابق صاحب مكان ناجح للعناية بالجمال، لكن الفجوة بين الماضي والحاضر تبقى بلا شرح. هذه الفجوة هي في الوقت نفسه نقطة ضعف الفيلم ومصدر غموضه، ثمة عالم كامل نُقل إليه المكان والشخصيات، لكننا لا نرى تماماً الطريق الذي قادهم إليه.
وأسيفيدو تعوّض عن هذا النقص السردي بحضور حسّي طاغٍ جداً في الفيلم. الجسد هو مادته الأساسية، جسد مريض، راغب، يحتضر أو يستسلم للتحلل. ومن خلاله تطرح المخرجة أسئلتها الوجودية والسياسية. فالصالون هو صورة لمجتمع يقسم نفسه بين الداخل والخارج. من هم في الداخل يعيشون وفق قوانينهم الخاصة، فيما يأتي الآخرون من الخارج بالنفور والخوف والرغبة في إقصائهم. وهكذا يحمل المكان رمزية عن الانقسامات التي تتسع داخل المجتمعات، وعن الطريقة التي يتحول بها المختلف إلى كائن ينبغي عزله أكثر مما هو معزول ووحيد.
وتظهر في الفيلم أصداء سينمائية متعددة، من البعد الروحي المرتبط بموسيقى ترنس ماليك إلى القسوة العبثية التي يمكن أن تذكّر، في لحظات، بعالم يورغوس لانثيموس. لكن أسيفيدو لا تبدو أسيرة هذه المرجعيات، إذ لديها رغبة واضحة في دفع الصورة إلى أقصى حدودها، وفي جعل المشاهد شريكاً في إنتاج المعاني بدلاً من تسليمه مفاتيح جاهزة.
قد يكون هذا ما يجعل “صالون التجميل” فيلماً صعباً وغير متساوٍ. بعض غموضه منتج، وبعضه الآخر يبدو نتيجة لفراغات كان يمكن ملؤها درامياً. لكن طموحه لا لبس فيه.