من يحكم بالفعل العراق؟ يجد البلد نفسه امام امتحان جديد في ضوء القرار الأميركي القاضي بمنع مطارات العالم من استقبال الطائرات الإيرانيّة. يبدو النظام القائم في العراق في حيرة من أمره. يبحث القيمون على حكومة علي الزيدي عن حل وسط، أي عن استثناءات تخص بعض المطارات العراقيّة. لن يكون سهلا الحصول على هذه الاستثناءات. كذلك، لن يكون سهلا التملص من الإجراءات الأميركية، خصوصا أن لدى الولايات المتحدة ورقة ضغط قوية على بغداد. تتمثل هذه الورقة في أن كميات العملة الأميركية التي يحتاج إليها العراق يجب أن تشحن من أميركا وليس من أي مكان آخر.
هناك مشكلة كبيرة تعاني منها الحكومة العراقيّة. تتمثل هذه المشكلة في ما يجمع بين النظام القائم في العراق منذ العام 2003، وهو نظام ولد من رحم الاجتياح الأميركي للبلد من جهة، والنظام القائم في إيران منذ سقوط الشاه في العام 1979 وقيام الجمهوريّة الإسلاميّة” من جهة أخرى. يجمع بين النظامين وجود “الحرس الثوري” الذي يحكم بالفعل إيران والذي نجح في نقل تجربته إلى العراق عن طريق تشكيل “الحشد الشعبي”. ليس كافيا إعلان الجيش العراقي أنّ انسحاب قوات التحالف الدولي، أي ما بقي من قوات أميركيّة من العراق، في آخر شهر أيلول – سبتمبر الجاري “سيسقط أي مبرر للتحرك خارج أطر الدولة”.
العراق يواجه امتحانًا جديدًا مع العقوبات الأميركية على الطيران الإيراني فيما تبحث حكومة علي الزيدي عن استثناءات وسط ضغوط مالية وسياسية خانقة
لن يتغيّر شيء في العراق ما دامت إيران مصرّة على التحكّم بمصير البلد، عن طريق سلاح ميليشيات “الحشد”. أظهرت “الجمهوريّة الإسلاميّة” المرة تلو الأخر أنّها صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في بغداد. فشلت الولايات المتحدة في فكّ الإرتباط بين العراق و”الجمهوريّة الإسلاميّة” وذلك منذ تأسيس “الحشد الشعبي” في العراق. يتميّز “الحشد” بأنّه جزء لا يتجزّأ من الدولة العراقيّة الجديدة التي تبيّن أنّها ليست أفضل من الدولة التي كانت قائمة قبل سقوط نظام صدّام حسين البعثي – العائلي قبل 23 عاما. في النهاية، يتمتّع “الحشد” بوضع قانوني وتقبض عناصره رواتبها من الموازنة العراقيّة…
تحوّلت التجربة العراقيّة إلى قصة فشل أميركي، لا يزال يجرجر بأذياله إلى يومنا هذا، منذ اتخذت إدارة بوش الابن قرارا بإحداث تغيير في العراق عن طريق التخلّص من صدّام حسين ونظامه. كان التخلّص من النظام العراقي السابق ضروريا، خصوصا في ضوء ما ارتكبه من جرائم في حق العراق والعراقيين وفي ضوء تسرّعه في شن حرب على إيران في 1980 ثمّ احتلال الكويت صيف 1990. خدمت الحرب على إيران النظام الجديد الذي أقامه آية الله الخميني كما استنزفت دول المنطقة. أمّا احتلال الكويت، فقد كشف غباء صدّام حسين وجهله في السياسة العربيّة والدوليّة.
كان لا بدّ من تخليص العراق من صدّام، لكنّه كان لا بدّ من التفكير أيضا في كيفية قيام نظام جديد مختلف بدل النظام الذي بناه الأميركيون، بعد 2003، على قياس إيران وطموحاتها الإقليميّة.
الحرس الثوري الإيراني نقل تجربته إلى العراق عبر الحشد الشعبي ما جعل الدولة الجديدة رهينة نفوذ الميليشيات رغم انسحاب القوات الأميركية المعلن
تحوّل العراق الذي حاولت فيه حكومات معيّنة استعادة البلد لتوازنه، أي أن يكون هناك نوع من العلاقة المعقولة بين البلد ومحيطه العربي، إلى مجرّد جرم يدور في الفلك الإيراني. لا يدلّ على ذلك أكثر من المسيرات والصواريخ التي تطلق من الأراضي العراقيّة في اتجاه السعوديّة والكويت. لن يكون مجال لأي تغيير حقيقي في العراق من دون فكّ ارتباط بين “الحرس الثوري” و”الحشد الشعبي” الذي ليس سوى مجموعة ميليشيات مذهبية تابعة لـ”الحرس”. قد يكون الفارق الوحيد أن أفراد الميليشيات العراقيّة هؤلاء يتكلمون العربيّة.
لن يقدّم انسحاب ما بقي من القوات الأميركيّة من العراق ولن يؤخّر ما دامت حكومة علي الزيدي ملتزمة بدقّة أجندة إيرانيّة لا تحيد عنها قيد انملة. من الواضح أن الحكومة العراقيّة لا تستطيع الخروج عن هذه الأجندة وذلك على الرغم من كلّ الوعود التي قدّمها رئيس الحكومة للأميركيين في اثناء زيارته الأخيرة لواشنطن ولقائه الرئيس دونالد ترامب.
عرفت إيران في كلّ وقت كيف تناور مع الأميركيين وكيف تستفيد من سذاجة الإدارات المتتالية، بدءا بإدارة جيمي كارتر. احتجزت إيران دبلوماسيي السفارة الأميركيّة في طهران وموظفيها طوال 444 يوما ابتداء من تشرين الثاني – نوفمبر 1979. ليس ما يشير إلى أنّ إيران مستعدة اليوم للتخلي عن فكرة الاستخفاف بالولايات المتحدة على الرغم من كلّ الضربات التي وجهتها لها إدارة دونالد ترامب. سيزداد العناد الإيراني بعدما تبيّن أنّ العراق لا يزال ورقة إيرانيّة يمكن استخدامها عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، خصوصا في المواجهة التي قررت “الجمهوريّة الإسلاميّة” خوضها مع دول الخليج العربي، على رأسها المملكة العربيّة السعودية والكويت. لم تنج أي دولة من دول الخليج من الاعتداءات الإيرانيّة التي لا تزال الإدارة الأميركيّة تكتفي بالتفرّج عليها.
لن يتغير شيء في العراق دون فك ارتباط الحرس الثوري بالحشد الشعبي إذ يبقى النفوذ الإيراني العائق الأكبر أمام استقلال القرار والسيادة الوطنية
لا يبدو الموقف الأميركي الراهن الذي ينمّ عن جهل حقيقي في المنطقة مستغربا، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار تجاهل تلك العلاقة التي تربط بين “الحرس الثوري” و”الحشد الشعبي”. إنّها علاقة تدلّ على عمق الوجود الإيراني في العراق من جهة والعجز الأميركي عن فهم طبيعة هذا الوجود من جهة أخرى.
إلى اشعار آخر، تبقى إيران المستفيد الأول من كلّ ما فعلته أميركا في العراق ومن جهل الإدارات التي تعاقبت في واشنطن في مدى ولاء الحكومات العراقيّة لـ”الحرس الثوري”، باستثناءات قليلة حتى لا نقول نادرة… في حاجة إلى البقاء حاضرة.
يفسّر الوجود القوي لإيران في العراق العجز الذي تبديه الحكومة العراقية عن التعاطي مع المعطيات الجديدة المتمثلة في الإجراءات الأميركية التي تفرض إغلاقا للمطارات العراقيّة في وجه الطيران الإيراني. هل تستطيع أميركا إجبار العراق على الرضوخ لما تفرضه من عقوبات على إيران؟ قد يكون السؤال الأكثر واقعية هل يستطيع العراق الخروج من هيمنة “الحشد الشعبي”؟