
لم يكن إعلان مظلوم عبدي حل “قسد” من دمشق مجرد محطة جديدة في سلسلة اللقاءات المفتوحة التي عقدها مع الحكومة السورية، فالمفاوضات التي خاضها وفد “قسد” برئاسة عبدي وضم قيادات من قوات سوريا الديمقراطية والفريق التقني وعدداً من المستشارين، كانت قد بحثت ملفات المرحلة الأخيرة والأكثر تعقيداً من مسار التفاهمات: اللغة الكردية، شكل الإدارة في الحسكة، ومصير القوات التي لا تزال خارج إطار الألوية الأربعة المطروحة للدمج.
وأفاد مصدر خاص “المدن”، بأن النقاش انتقل من المبادئ العامة إلى التفاصيل التنفيذية، وهي مرحلة مختلفة جذرياً عن المراحل السابقة، لأن الاتفاق على مبدأ الدمج شيء، والاتفاق على شكل الدولة والمؤسسات التي ستستقبل هذا الدمج شيء آخر.
لكنّ الجديد في هذه الجولة أن النقاش تناول مستقبل القيادات السياسية والعسكرية الكردية داخل الدولة السورية.
وأفاد مصدر خاص “المدن”، بأنه سيجري لاحقاً إصدار مراسيم رئاسية تتضمن تعيين مظلوم عبدي مستشاراً في الرئاسة، إلى جانب تعيين إلهام أحمد في منصب رفيع داخل الحكومة السورية.
عبدي من قيادة “قسد” إلى مؤسسة الرئاسة
وقال المصدر إنه تعيين عبدي مستشاراً في الرئاسة، ليس مجرد تعيين شخصي، بل سيشكل واحداً من أبرز التحولات في مسار العلاقة بين دمشق و”قسد”.
فعبدي، الذي قاد القوة العسكرية الأكثر نفوذاً في شمال شرقي سوريا لسنوات، ينتقل في هذه الحالة من موقع قائد عسكري لكيان يفاوض الدولة من خارج مؤسساتها، إلى موقع رسمي داخل مؤسسة الرئاسة.
هذا التحول يحمل دلالة سياسية تتجاوز الشخص نفسه، فدمشق تريد إنهاء “قسد” كقوة عسكرية مستقلة وإنهاء مؤسسات الإدارة الموازية، بينما تحتاج في الوقت نفسه إلى شخصية قادرة على التواصل مع البيئة الكردية واحتواء مرحلة الانتقال.
وبالنسبة إلى عبدي، فإن الانتقال إلى موقع استشاري في الرئاسة يعني الحفاظ على حضوره السياسي بعد انتهاء دوره العسكري، وتحويل العلاقة مع دمشق من علاقة تفاوض بين قوتين إلى علاقة عمل من داخل مؤسسات الدولة.
وبذلك قد تكون الصيغة المطروحة محاولة لإيجاد مخرج للطرفين: إنهاء البنية العسكرية المستقلة لـ”قسد” مقابل إدخال جزء من قيادتها إلى بنية الدولة السياسية.
إلهام أحمد في منصب حكومي
ولا يبدو أن الحديث عن مستقبل إلهام أحمد منفصل عن هذا المسار، فتعيينها في منصب رفيع داخل الحكومة السورية يعني انتقال الشخصية التي أدارت جانباً واسعاً من الملف السياسي والدبلوماسي للإدارة الذاتية، إلى العمل من داخل مؤسسات الدولة.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي لعبته إلهام أحمد خلال السنوات الماضية في العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية وفي المفاوضات السياسية المتعلقة بمستقبل شمال شرقي سوريا.
في هذه الحالة، ستكون دمشق قد اختارت استيعاب شخصيتين بارزتين من القيادة الكردية داخل الدولة، بدلاً من إخراجهما من المشهد السياسي.
وهذه قد تكون إحدى ركائز التسوية: إنهاء الإدارة الذاتية كهيكل، مع عدم إنهاء تمثيل القوى التي كانت تديرها.
مصير القوات من خارج الألوية الأربعة
ومن بين النقاط التي لا تزال عالقة، طلبات مظلوم عبدي بمناقشة وضع مقاتلي “قسد” الذين لم يندمجوا ضمن الألوية الأربعة، إذ أنّ هناك آلاف العناصر والوحدات والتشكيلات. عملية الدمج هذه تحتاج إلى إعادة فرز للأفراد، وتحديد للرتب، وتوزيع على الوحدات، وترتيبات تتعلق بالقيادة والانتشار، وهي ملفات لا يمكن حسمها في اجتماعات سياسية عامة.
ومن هنا، يكتسب وجود الفريق التقني في الوفد دلالته. فالتفاوض وصل إلى مرحلة تصبح فيها التفاصيل العسكرية والإدارية أكثر حساسية من الشعارات السياسية.
مؤتمر استثنائي لحزب الاتحاد الديمقراطي
في ذات الإطار، أفاد مصدر خاص “المدن”، بأن حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) يتجه نحو التحضير لعقد مؤتمر استثنائي، وسط معلومات عن تغييرات محتملة على مستوى القيادة والبنية التنظيمية والخطاب السياسي للحزب.
ولا يبدو توقيت المؤتمر منفصلاً عن التطورات الجارية مع دمشق. فالحزب الذي كان أحد أهم مراكز القرار السياسي داخل منظومة الإدارة الذاتية يواجه اليوم مرحلة مختلفة، عنوانها الانتقال من إدارة أمر واقع إلى البحث عن موقع داخل الدولة السورية.
ولهذا، فإن أي تغييرات داخل الحزب قد تتجاوز الحسابات التنظيمية المعتادة. يكون لإعادة ترتيب البنية السياسية بما يتناسب مع مرحلة قد تشهد تراجع دور المؤسسات القائمة بصيغتها السابقة.
التغييرات في القيادة قد تكون جزءاً من محاولة أوسع لتجهيز البيئة السياسية للانتقال. فالأطراف التي بنت نفوذها في ظل ظروف الحرب لا تستطيع بالضرورة الاستمرار بالأدوات ذاتها عندما تتغير قواعد اللعبة.