سعد سلوم… جريدة. المدى
أذنت التحولات العنيفة من غزو العراق عام 2003، وما خلفته عواصف الربيع العربي عام 2011، وصولاً إلى اجتياح تنظيم داعش عام 2014، بانحسار ديموغرافي غير مسبوق جعل هامشية الجماعات المسيحية على مختلف الصعد واضحة للعيان. ففي العراق، تقلص عدد السكان المسيحيين حثيثا من أكثر من مليون ونصف نسمة إلى أقل من مائتي ألف.
وفي سوريا، حيث صيغت كلمة «مسيحي» لأول مرة في التاريخ منذ أكثر من ألفي عام، فر ما لا يقل عن نصف مليون مسيحي، مُمثلين بذلك ثلث إجمالي الوجود المسيحي في البلاد. أما في مصر، حيث تمثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عمقاً تاريخياً مشرقياً يضاهي في قدمه كنيسة روما ويحوي أتباعاً يفوق عددهم أضعاف المسيحيين في مجمل بلدان الشرق الأوسط، فقد شهدت موجات هجرة متلاحقة لأبنائها منذ اندلاع ثورة 2011.
وقد أخذ هذا التدهور العام في الوزن الديموغرافي لمسيحيي المنطقة مساراً تصاعدياً حاداً منذ انفتحت بوابات الجحيم مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003، إذ وجد المسيحيون أنفسهم عرضة لدوامة غير مسبوقة من العنف المستمر
أستطيع أن أتذكر بدقة تفاصيل ذلك المخاض العنيف الذي غيّر وجه التاريخ الديموغرافي والثقافي لبلادي، فقد تجسد الهجوم الأول في سلسلة من التفجيرات والسيارات المفخخة (ست هجمات متزامنة) عشية قداس الأحد في الأول من آب/أغسطس 2004، استهدفت كنائس في بغداد والموصل اللتين تضمّان التجمع الأكبر لمسيحيي العراق، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى. ومن بينها استهداف “كنيسة سيدة النجاة” في الكرادة بقلب العاصمة والعائدة لطائفة السريان الكاثوليك التي تمثل ثاني أكبر ثقل ديموغرافي بعد الكلدان الكاثوليك. كان هذا أول هجوم إرهابي من نوعه في التاريخ المعاصر لمسيحيي بلاد ما بين النهرين، مما دفع مكتب المرجع الشيعي الأعلى في النجف الأشرف، سماحة السيد علي السيستاني، إلى إصدار بيان تاريخي غير مسبوق يشجب فيه الجريمة ويدعو إلى حماية حقوق المواطنين المسيحيين والأقليات، مؤكداً حقهم في العيش بأمن وسلام في وطنهم.
وفي العام نفسه، وإذ تعود بي الذاكرة إلى ذلك المناخ الخانق، وثقت التقارير الدولية والمحلية تصاعد الانتهاكات ضد المسيحيين في أقصى الجنوب (البصرة) على يد فصائل مسلحة، حيث فُرضت قيود قسرية شملت إجبار المسيحيات على الحجاب، في انعكاس مبكر لمناخ التشدد الذي روّجت له تيارات الراديكالية السنية والشيعية على حد سواء. لقد أدت هذه الهجمات وسياسات احتلال المجال العام من قوى اللادولة إلى الدفع بالموجة الأولى من الهجرة، حتى بات المسيحيون -رغم ضآلة نسبتهم السكانية- يشكلون 20% من مجمل الفارين كلاجئين من البلاد.
وامتد هذا التراجع الممنهج ليطال أبسط تفاصيل الحياة اليومية، فمن حرية ارتياد الكنائس إلى قيود صارمة على الملبس (كمنع لبس الجينز للرجال وفرض الحجاب للنساء) وصولاً إلى التضييق على تجارة وتناول المشروبات الروحية في بلد عُدّ طويلاً من أكثر بلدان الشرق الأوسط علمانية وانفتاحاً وتنوعاً.
ولا يزال سكان بغداد يتذكرون كيف أنه ومع غياب الدولة وانشغال قوى الاحتلال، تعرضت أحياء مسيحية عريقة في بغداد مثل “الدورة” لعمليات تطهير عرقي ممنهجة نفذتها تنظيمات متطرفة كتنظيم القاعدة، صاحبها موجات خطف انتهازي لطلب فديات مالية أثقلت كاهل الطبقة الوسطى وأدت إلى مصادرة مدخراتها.
ولطالما عادت بي الذاكرة، الى اللقاءات الخاطفة مع الأب بطرس حداد في كنيسة سيدة الوردية بالكرادة خارج، أو حين كنت أتبادل الأحاديث العميقة مع الأب يوسف توما في دير الآباء الدومنيكان بشارع 42، او استمع الى محاضرة في مركز الدراسات المشرقية في كنيسة الروم الكاثوليك ببغداد مع الأب منصور المخلصي الذي تعرضت كنيسته لهجوم انتحاري. ونحن جميعا كنا شهودا على توالي استهدافات الكنائس لتصل إلى نحو 27 استهدافاً بين عامي 2004 و2006، بالتزامن مع فرض الجزية في حي الآثوريين بالدورة الذي عُرف سابقاً بـ”فاتيكان العراق” لاحتضانه كلية بابل الحبرية وأكبر تجمع مسيحي في العاصمة.
ولطالما وقفت عند حقيقة أن الوضع كان أشد قسوة في محافظة نينوى، التي تمثل الثقل التاريخي الثاني للمسيحيين منذ أربعينيات القرن الماضي قبل أن يتركّز أكثر من 60% منهم في بغداد منذ الستينيات، أثر هجرة 125 الف من الطائفة اليهودية بين عامي 1950-1951 لسد الفراغ في المهن والأعمال الذي تركته هذه الهجرة القسرية.
لكني أعتقد إن تفجيرات نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2010 ستظل تمثل نقطة التحول الأكثر دموية، فعندما اقتحم ستة انتحاريين ينتمون لدولة العراق الإسلامية كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك أثناء قداس الأحد وأوقعوا عشرات المصلين قتلى، ملوحين بانتقامهم لما زعِموا أنه “حرق للقرآن وسجن لنسوة في مصر”، وجهت هذه العملية ضربة قاصمة لهيبة الحكومة التي تقبع مقراتها على مسافة قريبة في المنطقة الخضراء، وجذبت اهتماما عالميا واسعا
أعادت هذه الجريمة المروعة إلى أذهاننا شبح سياسات تفجيرات المعابد اليهودية مطلع خمسينيات القرن الماضي لدفعهم نحو الهجرة، وفتحت نقاشا حول تحول الهجرة إلى خيار حتمي لمن تبقى من مسيحيي الوسط والجنوب. وبالفعل، شهدت الأسابيع التالية مغادرة نحو 4 – 5 آلاف عائلة مسيحية بغداد وحدها في غضون أسبوعين فقط. وفي مفارقة مأساوية تعيد رسم خريطة التاريخ المعاصر، فإن مسيحيي الموصل الذين تقاطروا على بغداد بأعداد غفيرة نهاية خمسينيات القرن الماضي (عقب هجرة اليهود وأحداث ثورة الشواف عام 1959) وأحدثوا فيها نهضة ثقافية واقتصادية نوعية، وجدوا أنفسهم مجبرين على القيام بهجرة عكسية نحو قرى وبلدات سهل نينوى وملاذاتهم الآمنة نسبياً في عينكاوا في اربيل وقرى محافظة دهوك. ومنذ تلك اللحظة المفصلية، بات الوجود المسيحي في الجزء العربي المسلم من العراق يلفه التحول نحو الاستثناء والانحسار.
هذا عن المسار الأول للهجرة والنزوح، أما المسار الثاني فإستطيع إن أتتبع كيف يمثل خطاً جغرافيا وديموغرافيا مختلفا انطلق من مدينة الموصل ليطال بلدات سهل نينوى وصولاً إلى ملاذات إقليم كردستان، وهو مسار ينقسم بطبيعته إلى مرحلتين فارقتين. بدأت المرحلة الأولى بصورة تدريجية عقب الغزو الأميركي حين تعرض المسيحيون في الموصل لسلسلة من التهديدات والاغتيالات وتفجيرات الكنائس على يد تنظيم القاعدة، مما دفع أعداداً كبيرة منهم إلى مغادرة مركز المدينة تدريجياً والانتقال نحو بلدات سهل نينوى التي كانت تُعد نسبيًا فضاءً أكثر أمانًا وارتباطًا بجذورهم التاريخية.
ولم يكن سهل نينوى بالنسبة إلى هؤلاء النازحين محطة للهجرة خارج البلاد، بل ملاذاً داخلياً يحافظ من خلاله المسيحي على أرضه وهويته وممتلكاته داخل وطنه، لاسيما السريان الكاثوليك الذين توجهوا إلى بغديدا (قرقوش) وغيرها. غير أن وتيرة العنف المنهجي تصاعدت بوحشية بالغة، ففي الثالث عشر من آذار/مارس 2008، أذكر جيداً هول الصدمة حين عُثر على جثة رئيس أساقفة الكنيسة الكلدانية في الموصل المطران بولس فرج رحو بعد خطفه، في جريمة مروعة عبر عنها بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر، وأعقبها هجوم على دير للراهبات السريانيات أسفر عن مقتل راهبتين، مما أكد أن استهداف النخب الدينية والمؤسسات أصبح هدفاً مباشراً للإرهاب.
وللمرة الأولى بعد قرون من التعايش وعقود من المواطنة المتساوية التي رسخها الحكم الوطني عام 1921، وُضعت الأسر المسيحية أمام خيارين قاسييْن: الموت أو التحول القسري إلى الإسلام تحت سطوة الجماعات المتشددة، مما أجبر عشرات الآلاف على الفرار نحو قرى سهل نينوى خارج الموصل وعينكاوا في إقليم كردستان. وأدت هذه الموجات إلى إعادة رسم الخريطة الجغرافية للمسيحيين في نينوى، فتراجع وجودهم في مركز المدينة لصالح الأطراف والقرى التاريخية كبرطلة و بغديدا (قراقوش)، والقوش، وكرمليس الخ، وأتذكر أكثر من شخصية مسيحية بصرية أو بغدادية وجدتها قد شرعت في بناء الفنادق وإقامة المشاريع في عينكاوا، بالتزامن مع تحولها التدريجي من قرية صغيرة إلى حاضنة كبرى تضم مهجري الوسط والجنوب والموصل.
غير أن التحول الكارثي الأكبر تمثل في المرحلة الثانية مع اجتياح تنظيم داعش لمدينة الموصل في حزيران/يونيو 2014، حيث لم يعد الخطر محصوراً بالمدينة بل امتد ليشمل بلدات سهل نينوى التي لجأ إليها المسيحيون أصلاً بحثاً عن الأمان. وفي تموز من العام نفسه، فرض التنظيم شروطاً تعسفية على من تبقى من مسيحيي الموصل بين الإسلام أو الجزية أو السيف، تلا ذلك اجتياح واسع لبلدات بغديدا وبرطلة وكرمليس وتلكيف، ليتحول النزوح الداخلي المؤقت إلى كارثة وجودية دفعت أكثر من مئة ألف مسيحي إلى نزوح قسري جديد نحو إقليم كردستان وخارجه، معلنة بذلك نهاية الملاذ الآمن الأخير داخل الوطن
وأستطيع أن ألمس كيف يبرز هنا تحول نفسي وجغرافي الأهم الذي يختزل جوهر المأساة، ففي المرة الأولى، كان المسيحي يهرب من مدينة إلى أخرى داخل وطنه باحثاً عن بديل مؤقت، بينما أصبح في المرة الثانية يهرب من جذوره وموطنه التاريخي في سهل نينوى نحو إقليم كردستان ومنه إلى خارج البلاد بأعداد هائلة.
ويعد هذا الفارق مفتاحاً أساسياً لفهم ديناميات الهجرة المسيحية المعاصرة، إذ كان سهل نينوى يمثل بالنسبة إليهم “الخزان الأخير للأمان” بعد تقويض حضورهم في بغداد والموصل. وحين سقطت بلداته بقبضة تنظيم داعش في صيف 2014 مخلّفة نزوحا جماعيا قُدّر بأكثر من مئة إلى مائة وعشرين ألف مسيحي، شعر الجميع بأن الملاذ الأخير داخل العراق قد انهار تماماً.
وهذا ما يفسر لماذا كان تأثير داعش أعمق بكثير من مجرد موجة نزوح عابرة، إذ تحول النزوح الداخلي بفعل الصدمة إلى “مشروع هجرة نهائي”. فبينما كان النازحون من الموصل إلى سهل نينوى قبل عام 2014 متمسكين بالأمل وبمستقبلهم في الوطن، بدأ النازحون بعد سقوط السهل ينظرون إلى إقليم كردستان كمحطة عابرة وإلى قارات العالم البعيدة كبديل استراتيجي للحياة، متوجسين بشعور عميق بأنه “لم يعد لنا مستقبل آمن هنا».
من هذا المنطلق، فإن تنظيم داعش غيّر طبيعة الهجرة المسيحية وجوهرها تحولاً جذرياً، فقد كانت قبل 2014 نتاجاً تدريجياً للعنف والتمييز، لكنها أضحت مع داعش هجرة وجودية صرفة، تسعى بيأس خلف مساحة أمان تضمن سلامة العائلة ومستقبل الأبناء. وبهذا يكمن الفارق الحقيقي، ليس فقط في الاتجاه الجغرافي للرحيل، بل في معناه العميق: فمن الموصل إلى سهل نينوى كانت الرحلة محاولة شاقة للبقاء في العراق، أما من سهل نينوى إلى أصقاع الأرض فأصبحت، بالنسبة للكثيرين، محاولة أخيرة لبناء حياة خارج حدود الوطن.