خلال الأيام الماضية، خصوصاً الخميس الماضي حتى صباح أمس الجمعة، تعرّضت الطرق البرية والسكك الحديدية والجسور الرابطة بين جنوب إيران ووسطها، بالإضافة إلى المطارات الجنوبية، لقصف عنيف من قبل الجيش الأميركي. ما يحدث الآن ليس مجرّد انهيار لجسور المواصلات داخل إيران، بل إن جسور التفاهم المتعدّدة آخذة في الانهيار أيضاً.
1- جسور التفاهم التي تم مدّها في إسلام آباد بين إيران وأميركا، والتي كانت تبشّر بإبرام اتفاق خلال الشهرين المقبلين، آخذة بالانهيار وبالأحری هي فعلاً انهارت.
2- جسور العلاقات والجوار بين إيران والدول العربية الخليجية آخذة في الانهيار أيضاً. وكدلالة رمزية في مقابل الهجوم على جسورها، استهدفت إيران الطريق البحري الذي يربط البحرين بالمملكة العربية السعودية.
3- جسور العلاقات والتفاهم بين المسؤولين الإيرانيين أنفسهم ليست قائمة بشكل كامل أيضاً. فالاعتبارات الأمنية لا تسمح بالتواصل المباشر، حتى على مستوى المكالمات الهاتفية، بين قادة إيران، وهذا الوضع أوقع النظام في أزمة اتخاذ القرار. فمن جهة، يسعى الرئيس والحكومة للحفاظ على جسور التفاهم مع الطرف الأميركي، ويعتبران إدارة البلاد في ظل انعدام الأمن أمراً مستحيلاً، لكن معارضي الحكومة لا يرضون بمكاسب مذكرة إسلام آباد، ويسعون الآن، بالإضافة إلى السيطرة الحصرية الكاملة على مضيق هرمز، إلى المطالبة بالثأر لدماء القائد علي خامنئي. وقد انكسر الآن ذلك التوافق الداخلي بشأن مذكرة إسلام آباد، أو على الأقل بشأن تفسيرها. يقول علي ولايتي، مستشار قائد إيران للشؤون الدولية، إن مضيق هرمز ملكٌ لإيران ولا تستطيع أي قوة في العالم إخراجه من ملكية إيران، وقد أصبح هذا المضيق، بفضل أمر قائد الثورة مجتبى خامنئي، كإنجاز قيّم من حرب الأربعين يوماً، تحت السيادة الإيرانية. لكن في المقابل، لا يتفق رجال الحكومة معه، ويرون أن مضيق هرمز يجب أن يُحافظ عليه كرأسمال استراتيجي ولا يعرض للاستهلاك، وأن انعدام الأمن المطوّل فيه لا يحقّق مصالح إيران، بل يشجّع دول المنطقة على إيجاد بدائل.
4- حتى في الولايات المتحدة، لم يعد هناك ذلك التفاهم الأولي بشأن الاتفاق مع إيران. يسعى جناح وزير الخارجية ماركو روبيو، بدعم من اللوبي الإسرائيلي، إلى إفشال مذكرة إسلام آباد، بينما يسعى جناح نائب الرئيس جاي دي فانس إلى إبقائها والوصول إلى اتفاق. ورغم استئناف الحرب، لا يزال فانس يتحدث عن صلاحية المذكرة، ويتهم إسرائيل بالإنفاق لإفشال الاتفاق مع إيران.
في هذه الفوضى، تخلّت الجهات الوسيطة عن وساطتها. قطر وعُمان، الوسيطان التقليديان، يتعرضان لضربات الصواريخ الإيرانية، وإسلام آباد تعبت من الوساطة ووجّهت تحذيراً ضمنياً للحوثيين وإيران بأنها تلتزم بالدفاع عن السعودية بموجب اتفاقية الدفاع المشترك معها.
ما هو هدف الجناح العسكري للجمهورية الإسلامية الذي أعطى أميركا ذريعة لاستئناف الهجوم العسكري والحصار البحري على إيران، بالهجوم على ثلاث ناقلات نفط في مياه عمان الاقليمية؟ يرجّح المحللون أن صانعي القرار الإيراني يحاولون استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط في المفاوضات المقبلة مع أميركا، بهدف تثبيت موقع إيران. لكن ما نتج عن هذا الإجراء هو عملياً انهيار مذكرة إسلام آباد. هذه المذكرة تمهد لمفاوضات كانت من شأنها ان تهدف إلى اتفاق دائم بين إيران وأميركا، لكنها الآن، وهي التي كانت يمكن أن تكون جسراً للاتفاق، قد انهارت.