نجاح حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020 ولّد حالة من الشعور بالفخر والثقة المفرطة لدى باكو، ولم يعد علييف يرى نفسه شريكا صغيرا يطلب الحماية من أنقرة، بل ينظر إلى نفسه كونه “المنتصر الإقليمي”.
أنقرة- حدد شعار “أمة واحدة ودولتان” مسار العلاقات التركية – الأذرية على مدار عقود. لكن تحت هذا الشعار ظهرت في السنوات الأخيرة تصدعات بسبب تناقض المصالح بين باكو وأنقرة في عدد من القضايا التي تتعلق بالتطبيع مع أرمينيا وبإسرائيل وإيران.
وقال إيلدار ماميدوف، وهو خبير في السياسة الخارجية مقيم في بروكسل منذ عام 2009، ويشغل منصب المستشار السياسي للحزب الاشتراكي الديمقراطي في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنترست الأميركية، إن بؤرة التوتر الأحدث كانت إعلان سفير أذربيجان لدى أنقرة مؤخرا أن الحدود بين تركيا وأرمينيا سوف تفتح بعد الانتخابات المقررة في أرمينيا خلال شهر يونيو الجاري، بمجرد إجراء التعديلات الدستورية.
ويتمثل طلب باكو منذ فترة طويلة في أن تعدّل أرمينيا دستورها لحذف أي مطالب متعلقة بالسيادة على ناغورنو كاراباخ. وإذا فاز حزب رئيس الوزراء الحالي نيكول باشينيان في الانتخابات، من المتوقع أن يمضي قدما في طرح هذه التعديلات للاستفتاء. وينقل التصريح العلني للسفير الأمور إلى مستوى جديد.
ونقل ماميدوف عن الدبلوماسي التركي السابق فاتح شيلان قوله “في فترة يتجنب فيها الخطاب الرسمي من جانب أنقرة بعناية التصريحات التي تستهدف باكو بشأن العلاقات العسكرية الإستراتيجية لأذربيجان مع إسرائيل، يعد تعليق السفير الأذري بشأن التطبيع بين تركيا وأرمينيا مؤسفا، على أقل تقدير”. وتوقع شيلان أن تصدر وزارة الخارجية “توبيخا حادا قريبا”.
ولم يصدر التوبيخ أبدا، ولكن الاحتكاك حقيقي. ويبدو أن الأمر يشبه ما جرى في 2009، عندما وقعت تركيا وأرمينيا بروتوكولات زيورخ لتطبيع العلاقات، وسرعان ما مارست أذربيجان ضغطا سياسيا ودبلوماسيا، لترغم أنقرة على التراجع. وشنت وسائل الإعلام الأذرية هجوما على سفير أنقرة لدى أرمينيا سردا كيليتش لأنه تجرأ على القول “إنه يشعر بارتياح”، وذلك خلال زيارة قام بها مؤخرا ليريفان، عاصمة أرمينيا. وشن المحلل الموالي للحكومة فرهاد مامادوف هجوما على السفير لتجاهله “خطوط باكو الحمراء”.
ولكن عام 2009 ليس عام 2026. ولدى تركيا حوافز أقل للخضوع لباكو اليوم. وانتهت حرب ناغورنو كاراباخ وحققت أذربيجان أهدافها في ما يتعلق بالأرض، بمساعدة من تركيا. وتغيرت الحسابات الإستراتيجية لأنقرة، حيث إن الوفاق مع أرمينيا يمكن أن يقلص النفوذ الروسي في جنوب القوقاز ويفتح طريقا تجاريا مباشرا إلى آسيا الوسطى، ويحسن مكانة تركيا لدى الغرب.
وهناك صدع أعمق آخذ في الظهور بشأن إسرائيل، فقد أقامت باكو وتل أبيب، في هدوء، إحدى الشراكات الاستخبارية والعسكرية الأقوى في فضاء ما بعد حقبة الاتحاد السوفيتي. ولعبت المسيرات الإسرائيلية والذخائر المتسكعة (التي تجمع بين خصائص الطائرات المسيرة الانقضاضية والصواريخ) دورا حاسما في تحطيم الدفاعات الأرمينية عام 2020. وتمثل الأسلحة الإسرائيلية اليوم قرابة 70 في المئة من واردات الأسلحة المتقدمة لأذربيجان. وفي المقابل، تمد باكو إسرائيل بقرابة 40 في المئة من احتياجاتها من النفط الخام، وهو شريان حياة لبلد تخوض حربا دائمة مع جيرانها.
ولكن هناك المشكلة الأخذة في الاستفحال بالنسبة لباكو، فإسرائيل ومؤيدوها في واشنطن يصورون تركيا على أنها إيران الجديدة. ودق زعيم المعارضة الإسرائيلية نفتالي بينيت ناقوس الخطر بشأن “التهديد التركي الناشئ”. واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باضطهاد الأكراد، منتهكا الخط الأكثر أحمرارا لخطوط أنقرة الحمراء.
ويقارن السياسيون والمسؤولون الإسرائيليون الآن طموحات أنقرة الإقليمية، وقواعدها العسكرية في قطر والصومال وعلاقاتها مع النظام السوري في حقبة ما بعد بشار الأسد وقيادة حماس، بالنموذج الإيراني لتصدير الثورة الإسلامية.
والأمر الذي يلفت النظر أكثر هو أن مراكز الأبحاث المتشددة الموالية لإسرائيل في واشنطن، مثل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، بدأت في تكرار نفس الإطار الخطابي الذي طبقوه على إيران على مدى عقود، وأصبح الآن موجها إلى تركيا. ويتم وصف تركيا بأنها نظام إسلامي يطور برامج للصواريخ بعيدة المدى ويزعزع استقرار حلف شمال الأطلسي (ناتو) من الداخل. وتعد لغة الخطاب التي كان يتم في السابق تخصيصها للإشارة إلى الجمهورية الإسلامية، لغة خطاب روتينية تستخدم ضد حليف في الناتو.
وفي الواقع، يتردد صدى ما تصفه مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات بتهديد إسلامي من تركيا، في أجزاء من المؤسسة العلمانية المتشددة في باكو. وفي أوساط النخبة، هناك درجة من الاحتقار الثقافي “لورع أردوغان الظاهر”. وفي حين أن الرئيس الأذري إلهام علييف هو بشكل كبير نتاج لنظام التعليم السوفيتي، بنى أردوغان مسيرته على جذور إسلامية منذ أيامه المبكرة كعمدة لإسطنبول، حتى تبنيه الخطابي لحماس وجماعة الإخوان المسلمين. ولم يقارن علييف على الإطلاق الزعماء الإسرائيليين بالزعيم النازي أدولف هتلر، كما فعل أردوغان.
وعلى مدار سنوات، استطاع علييف وأردوغان إدارة هذه الفجوة الثقافية والسياسية بنجاح، حيث ركزا على الهوية التركية المشتركة والأمن المشترك والاعتماد الاقتصادي المتبادل.
ولكن نجاح حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020 ولد حالة من الشعور بالفخر والثقة المفرطة لدى باكو. ولم يعد علييف يرى نفسه شريكا صغيرا يطلب الحماية من أنقرة، بل ينظر إلى نفسه كونه “المنتصر الإقليمي”، ويتوقع أن تسير تركيا على خطاه. وأثار هذا الموقف غضب المسؤولين الأتراك الذين يتذكرون تقديم الطائرات المسيرة والمستشارين العسكريين والتغطية الدبلوماسية التي جعلت تحقيق ذلك النصر ممكنا.
وكشفت حرب إسرائيل على إيران أكثر الرؤى تباينا. وتشتبه طهران في أن باكو تساعد إسرائيل، سرا، من خلال السماح لها باستخدام مجالها الجوي لشن هجمات على إيران في يونيو عام 2025. وعندما سقطت مسيرات مصدرها إيران في منطقة ناختشيفان خلال شهر مارس الماضي وأصابت المطار وتسببت في جرح أربعة مدنيين، وصف علييف ذلك بأنه “عمل إرهابي” وتعهد بالانتقام.
غير أنه تم على الفور التقليل من شأن الحادث وأرسل علييف مساعدات إنسانية إلى إيران بمناسبة النوروز، بداية العام الفارسي الجديد، الذي يتم الاحتفال به على نطاق واسع في الدولتين.
ونقل ماميدوف عن التاي جويوشوف من معهد باكو للأبحاث، وهو مركز بحثي مستقل، قوله إن هذا التحول كان على الأقل جزئيا نتيجة ضغط تركي هادئ على علييف من أجل خفض التصعيد. وبينما ترى أذربيجان فائدة إستراتيجية في تعزيز مكانتها في المناطق الأذرية في إيران، فإن تركيا تعتبر أي مشاريع لتقسيم إيران على أسس عرقية أمر مرفوض لأنها تخشى النزعة الانفصالية الكردية التي سوف يؤججها مشروع من هذا القبيل.
من جهة أخرى، تقدم إسرائيل لأذربيجان مساحة دبلوماسية للمناورة، بما في ذلك علاقات قوية في واشنطن. ويعد ذلك أمرا ذا قيمة بصفة خاصة لأن باكو تسعى إلى الإلغاء الدائم للقسم 907 من قانون الحريات الذي يحظر على أذربيجان تلقي دعم عسكري أميركي مباشر.
إذن، ماذا سيحدث إذا ما وصلت تركيا وإسرائيل إلى مرحلة توجيه الضربات المباشرة؟ وفي ضوء المسار الحالي، فإنه ربما يتعين على باكو أن تختار بين أنقرة وتل أبيب في مرحلة ما. والآن، فإن لا أنقرة ولا باكو تبديان اهتماما بإثارة هذه المعضلة.
ولا تزال الروابط بين البلدين هائلة، حيث إن أذربيجان مرتبطة بتركيا بموجب إعلان شوشا، وهو اتفاقية للدفاع المشترك. ويجعل خط أنابيب الغاز الطبيعي عبر الأناضول وخط النفط باكو – تبليسي – جيهان، من تركيا مركز عبور لا غنى عنه للطاقة الأذرية إلى أوروبا. ويستمر التعاون العسكري بين البلدين، فيما توفر تركيا لأذربيجان الغطاء الدبلوماسي ضد إيران وروسيا. ولكن التصدعات تظل حقيقية، إذ يعد شعار “أمة واحدة ودولتان” دائما طموحا سياسيا وليس مبدأ دستوريا.