ملخص
على هذه الخلفية التاريخية – السياسية إذاً، بنى تشيسلاف ميلوش روايته، محركاً أحداثها من خلال شخصية المناضل اليميني المتطرف ميشال، الذي نراه خلال انتفاضة وارسو يناضل ضد الألمان ويفاجأ برفاق له في النضال هم أعداؤه الأيديولوجيون: عامل اشتراكي شاب مؤيد للسلام، وطالب يهودي أفلت من المحرقة وجاء ليناضل في صفوف الأنصار.
قبل ليخ فاليسا، والبابا يوحنا بولس الثاني سيد الفاتيكان الراحل الآتي من نضالات الكنيسة البولندية ضد السلطات الشيوعية، وقبل نقابات “التضامن” التي تمكنت من تغيير وجه بولندا ووجه العالم، إذ كانت أول طعنة خنجر في رقبة البلدان الاشتراكية، كان هناك كاتب وشاعر بولندي سعى بدوره إلى طرح أسئلة حادة وحارقة حول تاريخ بلاده خلال النصف الثاني من القرن الـ20.
ولئن كان هذا الأديب الكبير قد منح عام 1980 جائزة نوبل الأدبية انطلاقاً من كونه شاعراً – وهو واحد من كبار شعراء القرن الـ20 بالتأكيد – فإن أحداً لم يسه عن إدراكه أن توقيت منح الجائزة إنما كان على علاقة كبيرة بالأحداث التي كانت تعصف ببولندا في ذلك الحين، وأن فخ نوبل لأديب بولندي معارض ومناضل في انشقاقه، لم يكن من فعل المصادفة، بل كان فعلاً سياسياً واضحاً.
هذا الأديب هو، طبعاً، تشيسلاف ميلوش، الراحل عن عالمنا قبل سنوات، والذي فقط حين منح نوبل كثر الحديث عن شعره وترجم هذا الشعر إلى لغات عدة. وهو بنفسه قدم نفسه قائلاً “إنني مواطن أميركي، ليتواني الجنسية، وشاعر باللغة البولندية”.
غير أن الحديث إذ تشعب عن ميلوش إثر ذلك تدريجاً، أعيدت قيمة الرجل الأساسية إليه: لم يعد شاعراً، وطنه اللغة وعالمه عالم التأمل الميتافيزيقي، بل بات يعرف على نطاق واسع كناثر، لا يقل جمال نثره عن جمال شعره، وحتى حين يغوص ذلك النثر في النقد الأدبي – الملتزم غالباً – ثم بخاصة في الأدب السياسي الخالص… وربما كان هنا بيت القصيد.
وعي باكر
كان ميلوش قد غادر وطنه، بولندا، إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1951، مبدياً خيبة أمله إثر استتباب الحكم للشيوعيين، بعدما كان حمل كثيراً من الآمال حين انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة النازيين.
ومنذ وصوله إلى الولايات المتحدة وإقامته فيها، لم يتوقف ميلوش عن الكتابة، الشعرية والنثرية. وهو، في مجال النثر خاصة، كتب نصوصاً روائية وتاريخية ونقدية، وكان من أشهر ما كتبه في هذا السياق، كتابه “الفكر الأسير” الذي عرض فيه وضع الكتاب في بولندا خلال فترة المخاض و”الهيمنة الشيوعية” (1945-1953)، كذلك وضع كتاب “على ضفاف الإيسا” عن طفولته، ثم كتاب “أوروبا خاصتنا” الذي تحدث فيه باستفاضة عن إشكالية انتماء بولندا إلى الغرب.
هذه الكتابات كلها، وعلى رغم انتشارها أيام نشرها، عاشت لاحقاً في ظل كتابات ميلوش الشعرية التي بدت أشهر منها بكثير، غير أن واحداً من كتب ميلوش النثرية، أفلت من ذلك المصير، وقرئ على نطاق واسع وترجم إلى كثير من اللغات، كما أنه – وهذا أمر له دلالته – نشر في بولندا من دون إشكالات رقابية كما يبدو. وهذا الكتاب هو عبارة عن رواية عنوانها “الاستيلاء على السلطة” صدرت للمرة الأولى عام 1953، وإن كان ميلوش – كما يبدو – كتبها يوم كان بعد في بولندا، ذلك أنها تبدو أكثر توفيقية من كتبه النثرية الأخرى وأكثر ارتباطاً بوضع داخلي كان، من خلال أحداث الرواية، لا يزال متأرجحاً. وهذا الوضع الداخلي هو، كما يلوح من خلال عنوان الرواية، مسألة الإمساك البولندي بالسلطة في وارسو، إثر هزيمة النازيين الألمان، ووصول الجيوش السوفياتية محررة لبولندا.
رواية عن السلطة
لقد اختار تشيسلاف ميلوش أن يجعل من تلك الحقبة المفصلية خلفية لرواية من الواضح أن موضوعها الأساس والأهم هو السلطة نفسها، حتى وإن كان الباحثون والنقاد دافعوا طويلاً عن هذه الرواية ضد الذين عدُّوها أقرب إلى أن تكون بياناً سياسياً صيغ على صورة عمل روائي. على العكس، قال المدافعون إنها عمل روائي بانورامي تاريخي، جعل من الأحداث السياسية مبرراً لتصرفات أبطالها وسلوكياتهم.
مهما يكن من أمر، فإن السجال سيظل قائماً حول النظرة إلى “الاستيلاء على السلطة”، وسيظل هناك من يقرأ فيها بكل شغف ولذة، تلك اللقطات الصغيرة لشرائح من الحياة الاجتماعية تصور سلوك الشخصيات، وخصوصاً تلك المشاهد القصيرة التي تتحاور فيها شخصيات تبزغ هنا على صفحات الكتاب من دون مقدمات، لتواصل حوارات كأنها كانت قائمة من قبل وصول الصفحات إلى القارئ.
وفي هذا المعنى تبدو الرواية صورة مدهشة وتفصيلية لما كانت عليه الحياة الاجتماعية الفردية، ولكن أيضاً السياسية، عند تلك المرحلة الانعطافية من حياة ذلك الوطن. غير أن ذلك الجانب الروائي المتميز والتجديدي في ذلك الحين في الأدب الأوروبي الشمالي خصوصاً، لا يمكنه أن يخفي كلياً جوهر العمل والحوارات التي يصيغها ميلوش من حول السلطة ومفاهيمها، ومسألة التحالفات، وقضية العدالة الاجتماعية، والاحتلال والتعاون.
دعوات إلى النضال من لندن
ولعل أبرز ما في الرواية في هذا السياق، تلك الصفحات الرائعة التي يصف فيها الكاتب حكومة بولندا في المنفى اللندني، حين أصدرت أوامرها إلى المقاومين التابعين لها في الداخل بأن ينتفضوا عام 1944 ضد فلول الألمان الذين باتوا عند حافة الهاوية، على غرار ما فعل يهود غيتو وارسو حين انتفضوا عام 1943، مما أدى إلى ذبحهم بعشرات الألوف على أيدي نازيين كانوا في عز انتصارهم في ذلك الحين.
لقد وجهت حكومة لندن البولندية في ذلك الحين أوامرها إلى مقاومة منبثقة من جيش كان قبل ذلك متطرفاً في نزعته القومية وكاثوليكيته، بل حتى في عنصريته. وهكذا، كرد فعل على ماهية هذا الجيش، تعمد السوفيات الذين وصلوا بقواتهم الجرارة إلى بولندا، أن يتركوا للألمان حيزاً زمنياً يتمكنون فيه من إلحاق الهزيمة بالجيش البولندي المتمرد، قبل أن ينقضوا هم على الألمان فيهزموهم، ما أراحهم من عدوين في وقت واحد. وهكذا، إذ هزم القوميون البولنديون، لم يعد أمام السوفيات إلا أن يناصروا حكومة أخرى، وطنية تحالفية، في لوبلن، سعت إلى ضم القوميين ولكن كمجموعات ضعيفة، لا كقوة رئيسة مؤدلجة.
وعلى هذه الخلفية التاريخية – السياسية إذاً، بنى تشيسلاف ميلوش روايته، محركاً أحداثها من خلال شخصية المناضل اليميني المتطرف ميشال، الذي نراه خلال انتفاضة وارسو يناضل ضد الألمان ويفاجأ برفاق له في النضال هم أعداؤه الأيديولوجيون: عامل اشتراكي شاب مؤيد للسلام، وطالب يهودي أفلت من المحرقة وجاء ليناضل في صفوف الأنصار. في البداية يسجن ميشال، غير أنه سرعان ما يدرك واقع الأمور ويفهم مسألة التحالفات، إلى درجة أنه يقبل في النهاية أن يكون عضواً في حكومة يهيمن عليها الشيوعيون.
قبل خيبة الأمل
لا شك في أن هذا البعد السياسي – التاريخي، يكشف عما كانت عليه مواقف تشيسلاف ميلوش، قبل أن تحمله خيبة الأمل على مبارحة بولندا، والكف عن الإيمان بذلك النمط من التحالفات. والغريب أن ميلوش، إذ نشر روايته بعد عامين من وصوله إلى الولايات المتحدة، لم يجرِ على مواقفها السياسية أي تعديل، ما بدا متناقضاً مع مواقفه السياسية التي راح يعبر عنها مذاك.
على أي حال، تبقى لرواية تشيسلاف ميلوش (1911-2004) هذه قيمتها التاريخية، من ناحية بصفتها من أهم الروايات التي طاولت تلك المرحلة المتأرجحة والغامضة من التاريخ السياسي لبولندا، ومن ناحية ثانية بصفتها شهادة من كاتب وشاعر سيعيش سنوات حياته التالية وهو يعلن اهتمامه بالشعر، بعيداً من شؤون السياسة والحياة الدنيا.
