عمليّة “فجر اليمن” نقلت “اتّفاق مكّة” للدفاع المشترك من الورق إلى الفعل بالانتقال من التأسيس السياسيّ والتنظيميّ إلى تفعيل التزاماته الدفاعيّة عمليّاً، في توقيت شديد الحساسيّة إقليميّاً، يتزامن مع تصاعد الهجمات الحوثيّة على السعوديّة وتطوّرات الجبهة اليمنيّة. وأعلنت السعوديّة وتركيا وباكستان البدء فوراً بتنفيذ بنود الدفاع المشترك، وتوفير القوّات والقدرات العسكريّة المتّفق عليها ونشرها سريعاً داخل المملكة، في خطوة تجعل من التطوّرات اليمنيّة أوّل اختبار فعليّ لهذا الإطار الأمنيّ الجديد.
لكنّ أهميّة القرار لا تكمن فقط في حجم القوّات التي يمكن أن تصل إلى السعوديّة، والتي لم يُكشف عنها بعد، بل في الدلالة السياسيّة التي يحملها. فالدول الثلاث لا تؤسّس تحالفاً عسكريّاً تقليديّاً هدفه خوض حرب مفتوحة، وإنّما تحاول بناء مظلّة ردع جماعيّة تحمي أمن أعضائها، وفي مقدَّمه أمن السعوديّة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الانخراط المباشر في الحرب اليمنيّة أو الانتقال إلى مواجهة إقليميّة مفتوحة مع إيران.
جاء الاجتماع الطارئ للّجنة السياسيّة والدفاعيّة الاستراتيجيّة “لاتّفاق مكّة” في الرياض في ظلّ تصاعد التهديدات التي تستهدف الأراضي السعوديّة. وأكّد البيان المشترك أنّ أمن كلّ دولة من الدول الثلاث يمثّل جزءاً لا يتجزّأ من الأمن الجماعيّ، مع الاتّفاق على توفير القوّات والقدرات العسكريّة المتّفق عليها وضمان نشرها سريعاً في المملكة. كما أدانت الدول الثلاث استهداف مكّة والمدينة والهجمات على المدن والمنشآت المدنيّة والاقتصاديّة السعوديّة.
اليمن.. الاختبار الأوّل
يصعب فصل هذا التطوّر عن الجبهة اليمنيّة. فالهجمات الحوثيّة على السعوديّة هي التي دفعت الحلف إلى عقد اجتماعه الطارئ، فيما كان وزراء خارجيّة الدول الثلاث يبحثون في الوقت نفسه ليس فقط خيارات الدعم العسكريّ للمملكة، وإنّما أيضاً إمكان فتح مسار سياسيّ مع الحوثيّين لمعالجة الأزمة اليمنيّة بالحوار والوسائل السلميّة.
هنا تظهر المفارقة الأساسيّة في التفعيل الجديد: فاتّفاق مكّة يتحرّك عسكريّاً لردع التهديدات التي تتعرّض لها السعوديّة، لكنّه لا يغلق الباب أمام الحلّ السياسيّ في اليمن. فقد أشار وزير الخارجيّة التركيّ هاكان فيدان إلى أنّ الاجتماع بحث سبل تقديم الدعم للدفاع عن السعوديّة، بالتوازي مع بحث إمكان حلّ القضيّة اليمنيّة بالوسائل السلميّة والحوار، فيما أشار وزير الخارجيّة الباكستانيّ إسحاق دار إلى إمكان فتح قناة سياسيّة مع الحوثيّين، وإن كان هذا الخيار لا يزال في مراحله التشاوريّة الأولى ولم يتحوّل إلى صيغة رسميّة مكتوبة.
هذا يعني أنّ الرياض وأنقرة وإسلام آباد تحاول إدارة معادلة دقيقة: ردع الهجمات على السعوديّة من جهة، وعدم تحويل الردع إلى حرب إقليميّة شاملة من جهة أخرى.
إذا كان الهدف هو حماية الأراضي والمنشآت السعوديّة، فإنّ نشر قدرات دفاعيّة وجوّيّة وعسكريّة داخل المملكة يمكن أن يحقّق جزءاً كبيراً من هذا الهدف من دون أن يتطلّب بالضرورة مشاركة القوّات التركيّة أو الباكستانيّة في عمليّات هجوميّة داخل اليمن. أمّا إذا اتّجه الصراع إلى مستوى آخر، وصار أمن إحدى الدول الثلاث مهدّداً بصورة مباشرة، فإنّ طبيعة الالتزام الجماعيّ ستخضع لاختبار أكثر صعوبة.
هل الحلف موجّه ضدّ إيران؟
لا شكّ في أنّ إيران ستكون أبرز الخاسرين في حال تمكّنت عمليّة “فجر اليمن” من تكبيد حليفتها الجماعة الحوثيّة والمسمّاة “أنصار الله” خسائر كبيرة في صنعاء ودفعتها إلى التراجع بعيداً عن الساحل الغربيّ وباب المندب “الورقة الإيرانيّة المستورة” في الصراع الدائر بين واشنطن وطهران على مضيق هرمز والنوويّ الإيرانيّ وممرّات التجارة والطاقة الدوليّة. لكنّ السؤال الأكثر حساسيّة: هل يمثّل “حلف مكّة” بداية اصطفاف إقليميّ جديد في مواجهة إيران؟
حتّى الآن المعطيات المتوافرة لا تسمح باعتباره اتّفاقاً معلناً ضدّ طهران. فالاتّفاق يقوم رسميّاً على مبدأ التعامل مع الاعتداء على أيّ طرف باعتباره اعتداءً على الجميع، وليس على تحديد دولة بعينها باعتبارها عدوّاً للحلف.
لكنّ ذلك لا يلغي أنّ إيران ستكون حاضرة في الحسابات الاستراتيجيّة للحلف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ذلك أنّ الدول الثلاث لا تنظر إلى إيران بالطريقة نفسها. فالسعوديّة معنيّة أساساً بمنع عودة الهجمات التي تستهدف أراضيها وبناء قدرة ردع تمنع استخدام اليمن منصّة للضغط عليها. أمّا تركيا فتمتلك علاقة معقّدة مع إيران تجمع بين التنافس والتعاون، ولا تبدو مصلحتها في تحويل الحلف إلى إطار لمواجهة إيرانيّة ـ تركيّة مباشرة. وباكستان ترتبط بعلاقات أمنيّة وسياسيّة عميقة مع السعوديّة، لكنّها تقع جغرافيّاً على حدود إيران ولديها كتلة شيعيّة وازنة، فضلاً عن المشكلة البلوشيّة المشتركة، وتدرك تعقيدات أيّ صدام مباشر معها.
لذلك فإنّ أحد أهمّ حدود الحلف سيكون قدرته على الفصل بين الدفاع الجماعيّ وبين تحويله إلى محور إقليميّ مضادّ لإيران.
من يدافع عن السّعوديّة.. وإلى أين؟
لم تكشف الدول الثلاث حتّى الآن عن حجم القوّات أو طبيعة الوحدات والأسلحة التي ستُنشر داخل السعوديّة، سواء تعلّق الأمر بالجنود أو الطائرات أو منظومات الدفاع الجوّيّ أو القطع البحريّة. كما أنّ التنفيذ سيكون وفق الترتيبات المعتمدة والقوانين الوطنيّة لكلّ دولة. وهذه النقطة مهمّة لأنّها تعني أنّ الالتزام السياسيّ لا يساوي بالضرورة تفويضاً عسكريّاً مفتوحاً.
الحلف قد يبدأ بتعزيز الدفاع الجوّيّ وحماية المنشآت الحيويّة والمواقع الاستراتيجيّة، وقد يتوسّع إلى التدريب والاستخبارات والمراقبة والدعم اللوجستيّ. لكنّ الانتقال من حماية السعوديّة إلى المشاركة في عمليّات هجوميّة داخل اليمن سيكون خطوة مختلفة سياسيّاً وعسكريّاً.
من هنا، فإنّ الاختبار الأوّل للاتّفاق لن يكون بالضرورة خوض معركة عسكريّة، بل إظهار قدرة الردع وحماية الحدود السعودية اليمنية من دون الاضطرار إلى استخدام القوّة.
نعمان محمود.. جنرال متعدّد الخبرات
في موازاة الانتقال إلى التنفيذ العسكريّ، اتّخذ الاتّفاق خطوة مؤسّسيّة مهمّة بتعيين الفريق أوّل المتقاعد الباكستانيّ نعمان محمود أميناً عامّاً لمدّة ثلاث سنوات، على أن تكون الأمانة العامّة في الرياض.
يحمل محمود خبرة عسكريّة واستخباراتيّة واسعة. التحق بالجيش الباكستانيّ عام 1987 في “فوج بلوش”، وتلقّى تعليمه العسكريّ في باكستان ومصر، كما حصل على ماجستير في دراسات الحرب. وتدرّج بين التدريب العسكريّ والقيادة الميدانيّة والعمل الاستخباراتيّ، فتولّى منصب المدير العامّ لمديريّة التحليل في جهاز الاستخبارات الباكستانيّة، ثمّ قاد الفيلق الحادي عشر المعروف بـ”فيلق بيشاور” في مرحلة حسّاسة شهدت تحوّلات كبيرة في أفغانستان والمنطقة. كما رأسَ الجامعة الوطنيّة للدفاع في إسلام آباد قبل تقاعده عام 2023.
يكتسب اختيار شخصيّة بهذه الخلفيّة دلالة تتجاوز الجانب البروتوكوليّ. فالأمانة العامّة ستحتاج إلى شخصيّة قادرة على الربط بين القرار السياسيّ والتخطيط العسكريّ والاستخبارات والتنسيق بين مؤسّسات ثلاث دول. وهذه تحديداً هي الخبرات التي جمعها محمود خلال مسيرته.
الاختبار الحقيقيّ
مع تفعيل “اتّفاق مكّة”، تدخل الشراكة السعوديّة ـ التركيّة ـ الباكستانيّة مرحلة مختلفة. فلم يعد السؤال ما إذا كانت الدول الثلاث تريد التعاون دفاعيّاً، بل كيف ستترجم هذا التعاون إلى ترتيبات عمليّة في أوّل أزمة حقيقيّة؟
الاختبار الأوّل والأصعب سيكون في قدرته على حماية السعوديّة وردع الهجمات عليها، وفي الوقت نفسه إبقاء باب التسوية السياسيّة مفتوحاً.
