دمشق- تدخل عملية إعادة تشكيل المشهد العسكري في سوريا مرحلة جديدة تبدو فيها البنى العسكرية الكردية التي نشأت خلال سنوات الحرب أقرب من أي وقت مضى إلى نهايتها التنظيمية والسياسية.
ومع تقدم مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية، تتزايد المؤشرات على أن دمشق لا تسعى فقط إلى استيعاب هذه القوات داخل المنظومة العسكرية الرسمية، بل إلى إنهاء جميع الهياكل العسكرية المستقلة التي نشأت في شمال شرقي البلاد خلال أكثر من عقد من الصراع.
وخلال السنوات الماضية، شكلت قوات سوريا الديمقراطية العمود الفقري للمشروع الأمني والعسكري الذي أقامته الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي سوريا.
وتمكنت هذه القوات، بدعم دولي واسع، من فرض نفسها لاعباً رئيسياً في المعادلة السورية، خصوصاً بعد دورها البارز في الحرب ضد تنظيم داعش. لكن التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة دفعت هذه القوات إلى مواجهة واقع جديد يفرض عليها إعادة تعريف موقعها داخل الدولة السورية.
وتعكس التطورات الجارية تغيراً جوهرياً في موازين القوى. فبعد سنوات من التعايش الحذر بين دمشق والإدارة الذاتية، أصبحت الحكومة السورية في موقع أقوى يسمح لها بفرض شروطها المتعلقة بمستقبل المؤسسات العسكرية الكردية.
وجاء الهجوم الذي شنته القوات الحكومية على مواقع كردية مطلع عام 2026 ليعزز هذا التحول، إذ تبعته تفاهمات واتفاقات قلصت بصورة كبيرة من قدرة قوات سوريا الديمقراطية على المناورة السياسية والعسكرية.
ومنذ ذلك الحين، بدا واضحاً أن دمشق تتعامل مع ملف الاندماج باعتباره جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة المركزية واستعادة احتكارها الكامل للسلاح. فالحكومة السورية ترى أن استمرار وجود تشكيلات عسكرية مستقلة، مهما كانت طبيعة علاقتها بالدولة، يتناقض مع هدف إعادة توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية تحت سلطة مركزية واحدة.
ولهذا السبب، لم تقتصر المطالب الحكومية على إدماج المقاتلين الأكراد في الجيش السوري، بل شملت أيضاً تفكيك البنى التنظيمية والقيادية التي تشكلت خلال سنوات الإدارة الذاتية.
ويعني ذلك عملياً إنهاء الصفة المستقلة للقوات الكردية وتحويل أفرادها إلى عناصر ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية، وفق القواعد والهيكلية التي تحددها دمشق.
ويبرز ملف وحدات حماية المرأة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في هذا السياق. فهذه القوة النسائية التي تحولت خلال الحرب إلى أحد أبرز رموز التجربة الكردية في شمال شرقي سوريا تواجه اليوم مستقبلاً غامضاً. فالحكومة السورية لا تبدي استعداداً للاعتراف بها كتشكيل مستقل داخل الجيش، كما أنها لا تملك تشكيلات قتالية نسائية مشابهة يمكن دمجها ضمنها.
وترفض دمشق كذلك منح وحدات حماية المرأة وضعاً خاصاً داخل المؤسسة العسكرية، مفضلة نقل عناصرها إلى أجهزة الشرطة المحلية أو المؤسسات المدنية. لكن هذا الطرح يواجه رفضاً من قيادات الوحدات اللواتي يعتبرن أن وجودهن العسكري جزء من مشروع أوسع يتعلق بدور المرأة ومكانتها في المجتمع.
وبالنسبة للكثير من القيادات الكردية، فإن المعركة الحالية لا تتعلق فقط بمصير تشكيل عسكري، بل بمستقبل النموذج السياسي والاجتماعي الذي نشأ خلال سنوات الحكم الذاتي. فقد ارتبطت البنى العسكرية الكردية بمؤسسات مدنية وإدارية وأمنية سعت إلى تقديم نموذج مختلف للحكم المحلي، يقوم على مشاركة أوسع للنساء ومكونات المجتمع المختلفة في إدارة الشأن العام.
لكن قدرة القوى الكردية على الدفاع عن هذه المكاسب تراجعت بصورة ملحوظة. فبعد فقدان جزء مهم من نفوذها العسكري والسياسي، أصبحت خياراتها أكثر محدودية أمام الضغوط التي تمارسها الحكومة المركزية. كما أن البيئة الإقليمية والدولية لم تعد توفر لها مستوى الدعم نفسه الذي تمتعت به خلال السنوات السابقة، وهو ما انعكس على قدرتها التفاوضية في مواجهة دمشق.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الحكومة السورية تسعى إلى إنهاء المرحلة التي شهدت ظهور قوى مسلحة محلية ذات طابع شبه مستقل، سواء في المناطق الكردية أو غيرها. ويأتي ذلك في إطار رؤية تقوم على إعادة إنتاج الدولة المركزية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بإدارة الملفين الأمني والعسكري.
السنوات المقبلة قد تشهد اختفاء معظم التشكيلات العسكرية الكردية المستقلة، وتحول عناصرها إلى جزء من مؤسسات الدولة الرسمية أو خروجهم من الخدمة العسكرية.
وفي هذا الإطار، تبدو عملية تفكيك البنى العسكرية الكردية جزءاً من عملية إعادة هندسة أوسع للمشهد السوري بعد سنوات الحرب. فالدولة التي تسعى إلى استعادة مؤسساتها ترى أن أي استثناءات تنظيمية أو عسكرية قد تشكل مصدر تحدٍ مستقبلي لسلطتها المركزية، لذلك تفضل معالجة هذه الملفات بصورة نهائية خلال المرحلة الحالية.
ولا يقتصر تأثير هذه العملية على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى التوازنات السياسية داخل سوريا. فالقوات الكردية لم تكن مجرد تشكيلات أمنية، بل مثلت أيضاً أداة نفوذ سياسي للإدارة الذاتية في تعاملها مع الحكومة المركزية والأطراف الدولية. وبالتالي فإن تفكيك هذه القوات أو دمجها بالكامل في مؤسسات الدولة سيؤدي إلى تقليص هامش الاستقلالية السياسية الذي تمتعت به المناطق الكردية خلال السنوات الماضية.
كما أن هذه التحولات تثير مخاوف لدى قطاعات من المجتمع الكردي بشأن مستقبل المكتسبات التي تحققت خلال فترة الإدارة الذاتية، سواء على مستوى الإدارة المحلية أو المشاركة السياسية أو تمكين المرأة. ويرى كثيرون أن فقدان المؤسسات العسكرية الخاصة سيؤدي تدريجياً إلى إضعاف بقية المؤسسات المرتبطة بها.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة السورية أن عملية الاندماج تهدف إلى بناء دولة موحدة ومؤسسات وطنية جامعة لجميع السوريين، وأن استمرار الهياكل العسكرية المستقلة يتعارض مع متطلبات الاستقرار وإعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة الحديثة.
ومن هذا المنطلق، تنظر دمشق إلى عملية الدمج باعتبارها خطوة ضرورية لإنهاء آثار الحرب وإعادة توحيد البلاد تحت سلطة مركزية واحدة.
ويعتقد مراقبون أن الاتجاه العام للأحداث يشير إلى أن البنى العسكرية الكردية تقترب بالفعل من محطتها الأخيرة. فمعظم المؤشرات السياسية والعسكرية تؤكد أن هامش المناورة المتاح أمام القيادات الكردية يتقلص تدريجياً، فيما تتقدم الحكومة السورية بخطوات ثابتة نحو فرض رؤيتها الخاصة لمستقبل هذه القوات.
ومع أن بعض التفاصيل لا تزال قيد التفاوض، فإن الصورة العامة تبدو أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالمشهد السوري يتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها إعادة المركزية إلى مؤسسات الدولة، وهو ما يعني عملياً انتهاء التجربة العسكرية الكردية بصيغتها التي عُرفت خلال سنوات الحرب.
وفي حال استمرت التطورات الحالية بالوتيرة نفسها، فإن السنوات المقبلة قد تشهد اختفاء معظم التشكيلات العسكرية الكردية المستقلة، وتحول عناصرها إلى جزء من مؤسسات الدولة الرسمية أو خروجهم من الخدمة العسكرية.
وعندها ستكون سوريا قد طوت واحدة من أبرز الظواهر العسكرية والسياسية التي أفرزتها سنوات الصراع، لتبدأ مرحلة جديدة تختلف في بنيتها وتوازناتها عن تلك التي عرفتها البلاد منذ عام 2011.