-
نهى سويد…. الجمهورية .نت
-
-
-
شهدت الفضاءات الإبداعية للسينما السورية المُنتَجة في المنافي والمهجر بعد عام 2011 تدفقاً في النتاجات الوثائقية. انصبت جهود هذه الأعمال الفنية على التقاط اللحظة التاريخية العنيفة في ذروة قسوتها، فوثّقت الكاميرا تفاصيل القصف، وهندسة التهجير القسري، وظلمات الاعتقال، والرحلات المحفوفة بالموت عبر البحار. حازت هذه الأشرطةُ الفنية أهميةً أرشيفية وتاريخية بالغة القيمة، وصارت وثائق حيّة على العصر، غير أنّ بعضها تعثّر في مواضع كثيرة، إذ سقط في شرك صناعة نمط ثابت للضحية، وحصر تجربة اللاجئ السوري في دائرة ضيقة، جاعلاً منها موضوعاً لإثارة عاطفة الجمهور الغربي. وواجهت تلك السينما اتهامات مستمرة بـ «تسليع الألم» واستغلال عذابات الضحايا وصورهم في سياقات إعلامية تسلبهم خصوصيتهم، وتجعل من عذاباتهم مادةً استهلاكيةً عابرة.
في قلب هذا المشهد البالغ التعقيد، يأتي الفيلم القصير على الهواء (On Air)، المُنتَج في مدينة تورونتو، ليُقدّم نموذجاً مغايراً يرفض تلك القوالب التي تُحاصر تجارب اللجوء في زاوية الانكسار السياسي والفرجة العاطفية. غاية النساء الستّ في فيلم على الهواء استنطاق الوجع، وهدفهنَّ صناعة وعي جديد عبر كشفِ ستر الماضي. الفعل بحدِّ ذاته تمرد على سكونِ الجدران، ومحاولة لإعادة ترتيبِ شتاتِ الذاكرة في فضاء اختارته مخرجة العمل مانيا العنداري بعناية، ليكون حاضنة إنسانيّة تحمي الحكاية، وملاذاً رحباً يكسر مفهوم السجن.
ينحاز الفيلم لقصص النجاة اليومية التي تبدو عادية لعين الغريب، لكنها في جوهرها حروبٌ طاحنة خاضتها هؤلاء النساء في مواجهة القمع الأبوي والتمييز الجندري. هذا التحوّل الدرامي من الفضاء العام المشتعل بالحرب إلى الفضاء الخاص والمُحاصَر داخل جدران المنازل يُمثِّل نقلةً في التناول السينمائي لقضايا اللجوء والنسوية، حيث «اليومي والروتيني» هو المسرح الحقيقي لتفكيك الصدمة والتحرر منها.
يتطلب فهم فيلم على الهواء تفكيك سياق إنتاجه الذي يُخرجه من نمط السينما التقليدية الخاضعة لسطوة المخرج وتفكيره الأحادي المفروض. فالعمل ثمرة مسار طويل ومكثّف من الورشات التفاعلية التشاركية التي امتدت عامين كاملين ضمن مبادرة «التحليق مع الدراما» (Fly With Drama) التي ترعاها منظمة «صبارة» (Sabbara) في تورونتو الكندية. وتسعى هذه المبادرة الفنية والإنسانية إلى خلق مساحة آمنة ومريحة للنساء الوافدات والقادمات حديثاً من مناطق النزاع للتعبير عن ذواتهنَّ، وإعادة التفكير في أحلامهنَّ وصدماتهنَّ عبر وسائط تعبيريّة متعددة تشمل الكتابة الإبداعية، والتمثيل، والأشغال اليدوية، واللعب، والموسيقى.
تتجلى في هذه النقطة تحديداً الرؤية الإخراجية ونضجها الإنساني.
ترفضُ مانيا العنداري توصيفها بمخرجة سينمائية أو تسمية هذا العمل بالفيلم السينمائي. فهي ناشطة اجتماعية ونسوية، وتختار لنفسها موقع الفنانة المجتمعية المكرّسة لخدمة «فن الاجتماع» أو الفن المُنبثق من البيئة (Community Artist)، يُشير هذا المفهوم إلى الممارسات الفنية والجمالية التي تُولَد من رحم المجتمع وتنبثق من وجدانه، ثم تعود إليه مرة أخرى لتُشكِّل أداةً فاعلة للتغيير الجذري والوعي الاجتماعي. ويُغيّر هذا المنظور النقدي جوهر القراءة التحليلية للفيلم برمته؛ فالحكاية المعروضة على الشاشة لا تبحث عن أضواء المهرجانات العالمية وصخب الجوائز الفنية، إنّها مشروع نفسي اجتماعي متكاملُ الأركان.
تتأسَّس القيمة الأخلاقية والجمالية الحقيقية في هذا الطراز من الفنون الإنسانية على تفاصيل الرحلة ذاتها، وفي شبكة العلاقات الإنسانية والروابط الوجدانية العميقة، وجسور الثقة المتبادلة التي نُسجَت خيوطها بين النساء المشاركات على مدار عامين من العيش المشترك. فأتى الفيلم السينمائي تتويجاً طبيعياً وفرزاً تلقائياً وصادقاً لهذا المخاض الوجداني الطويل.
شكّلت هذه الورشات بيئة علاجية تفاعلية دمجت بين مبادئ العلاج بالدراما (Drama Therapy) والمسرح التفاعلي. ومن خلال هذه المساحة، تحرّرت هؤلاء النساء من دور «الضحية»؛ فالقصصُ التي ظهرت على الشاشة اختيارٌ واعٍ ومدروس، وليست بوحاً قسرياً مفروضاً بفعل ضغط خارجي أو رغبة في الإثارة. المشاركات هنَّ صاحبات القرار في تحديدِ ما يُعرض وما يُحجب، وهو المبدأ الأخلاقي الذي حمى الفيلم من فخّ استغلال الصدمة؛ فالكاميرا كانت شريكاً يمنحُ هذا الوجع شكلاً فنياً يليق بكرامةِ صاحباته ويصون كبرياءهنَّ. ولم تقتحم خصوصيّة وجعهنّ.
البيت في فيلم على الهواء جغرافيا نفسية تُحكِم حصارها حول الجسد الأنثوي، وتوثّق معالم الاغتراب، وليس حيّزاً مكانياً نلجأ إليه طلباً للدفء.
تتوزّع الحكايات على ستة مسارات مُنفصلة درامياً، ويبدو هذا الفصل الصارم مُعبراً سيميائياً عن العزلة التي تفرضها الصدمة على صاحبتها؛ إذ تعيش كل امرأة صدمتها في عزلة، بحيث تغدو غير قابلة للمشاركة. حصر هذه المونولوجات الستة داخل فضاء منزلي واحد يوحي بالوحدة الجوهرية لهذه التجارب؛ فكلُّ امرأة في الفيلم انعكاس للأخرى، قطع من روح واحدة تتقاسم مرارة الحياة والقهر المشترك.
تُدرِك مخرجة العمل أن الصدمة تسكُن في تفاصيل الحياة اليومية؛ ففي المهام اليدوية والأنشطة الروتينية المجهدة (الطبخ، الغسيل، والتنظيف) دلالات بصرية على «العبودية المنزلية» غير المرئية التي تستهلك جسد المرأة وتشيِّئه في حدود الخدمة. يُمثّل المنزل في الفيلم المعادل البصري للصراع؛ فهو ملاذ وهو حصار في آن واحد. إنه مسرح تلك المهام اليومية التي تلتقي بالمونولوجات الدفينة للشخصيات، لتكون حركة اليد الرتيبة فوق لوح تقطيع الخضار أو طيِّ الملابس فعلاً مقاوماً، حين يقترن بصوت المرأة وهي تصغي لصوتها الداخلي من خارج حدود جسدها المقيّد.
يتجلى الفارق البصري في الفيلم عند تتبّع حركة الضوء والمدى بين المنزل ورحابة الأفق. تسكن الداخل المنزلي إضاءةٌ شحيحةٌ، وتنسحب الظلال فوق الوجوه المحاصرة في إطارات النوافذ وزوايا المرايا الضيقة، حيث تبدو الأنشطة اليومية الشاقة حركة دائرية مُجهِدة تهدف إلى إشغال العقل واستنزاف طاقة الجسد في واجبات مفروضةٍ.
وتنقلبُ هذه الصورة في فضاء الخارج؛ إذ تتدفّق إضاءةُ النهار الساطعة، وتتّسع الكادرات المفتوحة على مداها، وتظهر النساء بملابس بيضاء ناصعة تُفصِح عن مسار التشافي المشترك وبداية زمن جديد. تنتهي هنا صورة المرأة المستسلمة لواجب الخدمة، لتَطُلَّ ناجيةً حقيقيةً تمتلك حكايتها، وترفع صوتها بالغناء وسط جوقة نسائية جماعية. يُجسِّد هذا الانتقال طقس التطهير الروحي، والعبور الفعلي من أسر الماضي الثقيل إلى رحابة الحاضر وصناعة الأيام القادمة؛ فالخروج من أركان البيت إعلانٌ عن كسر عزلة الذاكرة، وخطوة واثقة من الصمت إلى الحضور.
الصوت هو البطل الخفي والمحرك الأساسي في هذا العمل؛ إذ يُشكِّل توظيفُ جهاز الراديو وبثُّ البرنامج الإذاعي (On Air) حيلةً في البناء الدرامي لربط العوالم والقصص بعضها ببعض. ومن خلال هذه الحيلة الفنية، تجلس كل امرأة في بيتها تُمارِس عملها المنزلي الرتيب والمُستهلِك لحيويتها، وتُصغي في الوقت ذاته إلى مونولوجها الخاص يُبث «على الهواء» عبر أثير الراديو.
تحمِل هذه التقنية بعداً جمالياً وسيكولوجياً يتطابق مع مبادئ «العلاج بالدراما» (Drama Therapy) والمسرح التفاعلي. وفي الفضاء العلاجي، يُعدُّ خلق «المسافة الجمالية» (Aesthetic Distance) شرطاً أساسياً للتشافي واسترداد الذات. تواجِه المرأة صدمتها وجراحها مباشرةً، وبشكل ذاتي محضٍ، إذ يمنحُها الاستماع إلى قصتها وصوتها يُبث من جهاز خارجي (الراديو) فرصة للتأمل، والتحليل، والوعي دون الخوف من الانهيار النفسي.
لحظة التفاعل بين صوت المرأة الصادر من الراديو وجسدها المنهمك في العمل المنزلي لحظة انكسار للنمط ومقاومة جمالية، إنها اللحظة التي ترى فيها ذاتها من الخارج، لتعي أن الاستمرار في العيش ضمن دوائر «الضحية» خيارٌ يمكن رفضه.
سمح هذا التباعد الفني والمواجهة الصوتية للنساء برؤية وفهم وضعهنَّ كـ ضحايا، من منظور خارجي وواعٍ، مما مكَّنهنَّ من اتخاذ قرار جماعي وفرديٍّ حاسم: رفض الاستماع إلى أنفسهن كـ ضحايا سلبيات، وتحويل طاقة الألم الكامنة في المونولوج إلى طاقة فعل وتغيير ومقاومة للتحكم في مصائرهنَّ وتغيير واقعهنَّ. الراديو هنا وسيلة لانتزاع الصوت من محيطه الخاص والمُغلق، وإلقائه في الفضاء العام الواسع.
تفكيكُ الندوب لستِّ نساء سوريات
عند الإنصات لصدى المونولوجات الستة، وتفكيك ندبات النساء، نجد أنفسنا أمام تشريح نقدي وسيكولوجي لعمقِ الندبات التي خلّفتها البنى الأبوية والاجتماعية في حيوات هؤلاء الناجيات؛ حيث يُرافق كل بوحٍ نشاطٌ منزلي مكرّس لخدمة المنظومة ذاتها.
تظهر خلود في حالة مواجهة قاسية مع ذاتها أمام المرآة، أثناء العناية بنفسها. تضع خلود يدها على جرح الرفض الأسري، وتوريث القمع الجندري من الأم إلى ابنتها؛ الأم تقتاتُ على كسر ابنتها، وتنظر إلى جسدها ونموِّها بوصفهما نحساً يُطارد السكينة في المنزل: «أمي كانت تعتبر وجودي نحساً عليها». تكشفُ هذه الحكاية عورة المجتمع الذي ينشأ فيه المرء على وقع كلمات تبخس وجوده، مما دفع خلود، سيكولوجياً، إلى استبطان كراهية جسدها وأنوثتها، وفقدان الاستحقاق الوجودي. ترفض عبر البوح والمواجهة الاستمرار في لعب دور الضحية وتسترد حقَّها الوجودي.
تواجه ميسون ثقافة تخشى جسد الفتاة، وتطوِّقه بالوصاية الاجتماعية والرقابة الصارمة. وتطلق صرختها المؤلمة والحارقة أثناء ممارسة مهامها المنزلية الروتينية: «يا ريتني خلقت قزم.. يلعن الطول وساعته»، ما يُعبّر عن رغبة دفينة في الانكماش والتلاشي الجسدي كآلية دفاعية للهروب من النظرة الذكورية المتربّصة التي تلاحق نموها الجسدي، وترى فيه خطيئة أو عورة يجب إخفاؤها. تهربُ ميسون من قوالب اجتماعية جامدة لا تتبدل، وتخشى بلوغ الأنثى وحضورها الجسدي.
نصل في مونولوج حنان إلى «القوقعة» النفسية التي بناها الأب بترهيبهِ وسلطته العنيفة. ويتّخذ الرعبُ شكلاً حسياً ملموساً يرتبط برائحة القهوة المتصاعدة أثناء إعدادها. هذا الرابط الحسي بين الرائحة والذاكرة يمنح الفيلم عمقاً سيكولوجياً كبيراً؛ فالصدمةُ تستيقظ بتفصيل يومي بسيط وحميمي. تُقدِّم حنان درساً في كيفية اغتيال الآباء لعفوية بناتهم، وفي تحويل المُثير الحسي اليومي إلى جدار سميك يُعيد إنتاج الذعر من غياهب الذاكرة.
تروي دعاء، وهي غارقة في العمل الشاق داخل المطبخ، تجربةً مريرةً مع التمييز الجندري البنيوي للأهل وتفضيل المواليد الذكور. فكونها «البنت الخامسة» يعني فوات أوان التقدير والترحيب في عرف الأهل والمجتمع البطريركي. محاكِمةً ثقافةً تجعل وجود الأنثى ثانوياً ومثيراً للخجل، وتدفعُها سيكولوجياً لتبني ذنبٍ وجودي وهمي، تُحاول التكفير عنه عبر الخدمة المطلقة والإنكار المستمر للذات.
تتجلّى أقصى درجات التّشييءِ الاجتماعي في قصة منال، التي تغرق يومياً في دوامة الغسيل والطيِّ والتنظيف، وتتساءل: كيف ترتاح الغسالة بينما يستمر تعب الإنسان؟ إن ضياع الهوية يظهر هنا في تحوّل المرأة إلى ما يُشبه الآلة داخل منزلها؛ فبينما تُريحها الغسالة الحديثة من الجهد البدني والغسل اليدوي، فإنها تترك عقلها في فراغ رتيب وأَسرِ روتين متكرر. هذا التكرار الآلي يدفع العقل سيكولوجياً إلى الانفصال عن الواقع، كحيلة دفاعية يهرب بها من مواجهة الألم، ومن التفكير في مرارة حياتها وضياع عمرها.
تطرح «ميلا» قضية التحرش محاولة تفكيك منظومة الحماية الموهومة لرب الأسرة، واضعة الأب في قفص الاتهام بسؤالها: «بابا، وين كنتوا؟». وتكسر صمت الحماية الموهومة، وتُفتِّت ثقافة لوم الضحية، معبّرة عن تفتّت الثقة بالأمان والمحيط الأسري، والوقوع في شرك الخذلان بعد انتهاك الجسد.
يُقدِّم الفيلم فهماً متقدماً لتقاطع تجربة اللجوء مع «التروما» النفسية، متحدياً الأطروحات التبسيطية الشائعة؛ إذ سادت قناعةٌ تُفيد بأن الوصول إلى بلد آمن، مثل كندا، يُمثّل نهاية للمأساة، وبدايةً فورية للتعافي والاستقرار، بينما يكشف المنظور النفسي الذي ينطلق منه الفيلم عن ظاهرة سيكولوجية مُعقّدة تُعرف عيادياً بـ «اضطراب ما بعد الصدمة مؤجل الظهور».
لا يملك اللجوء في كندا عصا سحرية تمنح العافية النفسية بشكل تلقائي وفوري؛ إنما يمنح الهدوءَ لاستحضار الماضي الثقيل.
خلال سنوات الحرب والنزاع في سوريا، كان البقاء المادي والفيزيائي وتدبير الحياة اليومية الشاقة يشغلان حيّز الوعي بالكامل. في هذه البيئة الخطرة يعمل الجهاز العصبي تحت سلطة «الاستثارة المفرطة» وآليات الدفاع للبقاء، وبالتالي لا يملك الدماغ الترف أو المساحة الآمنة لمعالجة المشاعر المؤلمة والكوابيس، ويغدو الصمت فرضاً إجبارياً تُمليه شروط النجاة تحت قذائف الخوف.
بمجرد الوصول إلى المنفى الهادئ في تورونتو، وتراجع الضغوطات والتهديدات الخارجية المباشرة، يُدرك الجهاز العصبي تراجع الخطر، وهنا يبدأ الماضي بمطالبةِ صاحبه بدَينه، ويفتح الاستقرار الهادئ أبواب الجحيم النفسي لتطفو الذكريات المكبوتة على السطح بقوة عاصفة.
تصف إحدى المشاركات في الورشات هذه المفارقة السيكولوجية بدقة فائقة قائلة: «طوال السنوات التي عشتها في سوريا، وتحت وطأة المشاهد المرعبة من موت واعتقال وخوف، كنت أنام بعمق، دون أن أرى كابوساً واحداً أو أحلاماً مرعبة. ولكنْ، في اللحظة التي وصلت فيها إلى برِّ الأمان والاستقرار في كندا، بدأت الكوابيس تطاردني كل ليلة تقريباً”.
إن إخراج وتوجيه النساء غير المحترفات في فيلم على الهواء يطرح تحدياً فنيّاً بالغ الصعوبة؛ إذ يتعين الحفاظ على «عفوية الناجية» دون الانزلاق إلى قيود وتصنُّع «أداء الممثلة». فالنساء يُمثّلن قصصهنَّ الحقيقية، أو المشغولة فنياً، في حين أن العملية السينمائية تتطلّب ترتيباً مُحدداً لزوايا الإضاءة والتحرّك داخل الكادر، وهو ما يُقيد التدفق العفوي للمشاعر والذكريات.
لتجاوز هذا التحدي الفني، استعانت المخرجة بالفنانة السورية يارا صبري، التي ساعدت في تدريب النساء خلال ورشات العمل وأثناء تمثيل الفيلم.
جرى العمل والبحث عن لغة جسدية توازن بين التلقائية وعفوية البوح، وبين الالتزام بالإطار البصري والحركي المرسوم للكاميرا. تم البناء على علاقة ثقة راسخة طوال سنتين أتاحت للنساء أن يعشن المشهد بتدفق وجداني حقيقي وبسيط وخالٍ من التشنج الدرامي أو التصنع. أخرج هذا الأسلوب المقتضب والمُحمّل بصدق التجربة الفيلم من دائرة «الوثيقة الباردة» ليكون فعلاً تحررياً جماعياً يمتلك فيه الجسد حق الاعتراف والسيادة على حكايته أمام الكاميرا.
منحت العنداري المشاركات حقاً كاملاً في انتقاء ما يُردن مشاركته، وتحديد ما يبقى طي الكتمان.
ينجو الفيلم من فخّ «تسليع الألم» واستغلال جراح الناجيات؛ فالقصصُ صياغات فنية مستوحاة من تجاربهنَّ وحيواتهنَّ ضمن نمط «الديكودراما» (Docudrama) الذي منح النساء درع حمايةٍ نفسياً واجتماعياً، يُعفيهنَّ من تداعيات الأحكام الاجتماعية القاسية.
إنّ تجربة صناعة فيلم على الهواء تجربة نسوية تضامنية خالصة صنعتها أيادٍ نسائية بالكامل. وكلُّ من شارك في هذا العمل – بدءاً من البطلات والمؤديات والمدربات، مروراً بالمخرجة والكاتبة والمصورة والمنتجة، ووصولاً إلى الكورال النسائي السوري (جوقة نوى) هنّ نساء يتقاسمنَ الرؤية والمسؤولية والوجع. تضافرت هذه الجهود المشتركة لتمنح العمل واقعيةً محضة وصادقة لا تترك مجالاً للادعاء، مُعبِّرةً عن ذوات نسوية واعية، رفضت أن تظلَّ أسيرةً للأنماط التقليدية.
يُمثل فيلم على الهواء علامة فارقة في كيفية استخدام الفن المجتمعي والدراما والسينما كأدوات لتحقيق العدالة الاجتماعية والشفاء النفسي والتمكين النسوي للناجيات من صدمات الحرب والاضطهاد البطريركي المشترك. ولا يكتفي هذا العمل بعرض الآلام والندوب العميقة، بقدر ما يستكشف بجرأة مسارات العبور والنجاة من تلك «التروما» المؤجلة التي طفت على السطح في بلدان اللجوء الآمنة.
ويؤكد الفيلم، من خلال طقسه الختامي الجماعي، أن الشفاء الحقيقي والتحرُّر الفردي لا يُمكن أن يتحققا في معزل عن الآخرين. إن التقاء النساء الستّ في الفضاء المفتوح، بلباسهنَّ الأبيض، وغنائهنَّ المشترك مع جوقة «نوى»، هو إعلان صريح ومؤثر عن قوة التضامن والتحالف النسوي والعمل المشترك لكسر ثقافة الصمت والخجل
أتَّفق مع ما طرحته العنداري برفضها تسمية هذا العمل فيلماً سينمائياً، إذ إن محاكمته وفق المعايير والجماليات السينمائية تُعدُّ مقاربة مجحفةً بحقّه. ففيلمُ على الهواء تجربةُ نجاةٍ وتطهرٍ جماعيٍّ اتخذت من الكاميرا وسيطاً تعبيرياً، وتكمُن قيمة العمل الأساسية في مساره الإنساني والعلاجي الممتد لسنتين. لقد قدَّم نموذجاً لـ «فن الاجتماع» الذي يتّخذ من الفن طريقة للشفاء وانتزاع السيادة على الحكاية.
صدر العمل مطلع عام 2026، وشارك في الأسبوع الثقافي للسينما في باريس، كما شارك في مهرجان نوتردام للفيلم العربي.
-