ما إن أُعلنت جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، حتى جاء تطور سياسي وضع معنى الجائزة أمام اختبار مباشر. فبحسب الخبر الذي نشرته رويترز، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة قالت واشنطن إنها تستهدف منع المحكمة من ملاحقة الأميركيين، بينما ربطت الإدارة موقفها أيضاً بغضبها من مذكرات التوقيف الصادرة بحق مسؤولين إسرائيليين.
يصعب تجاهل المفارقة هنا. ففي اللحظة التي يُحتفى فيها بشخصية ارتبط اسمها بالقضاء الدولي ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، تتعرض مؤسسة قضائية دولية لضغط سياسي واقتصادي قد يمتد إلى الشركات التي تقدم لها الخدمات، بما يشمل قطاعات حيوية مثل البنوك والتأمين والبرمجيات. ولا يتعلق الأمر بمجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل بصراع أوسع حول حدود سلطة القانون الدولي، ومدى قدرة المؤسسات القضائية على أداء عملها عندما تتعارض قراراتها مع مصالح دولة كبرى أو مع مصالح حلفائها.
من هنا يعود السؤال الذي يرافق جائزة نوبل للسلام منذ عقود: هل تذهب الجائزة إلى من يستحقها فعلاً، أم إلى من ينجح في تمثيل فكرة السلام في لحظة سياسية معينة؟ والسؤال لا ينتقص من قيمة الجائزة أو من مكانتها، بل يفتح النقاش حول طبيعتها. إنها جائزة تقع عند تقاطع الأخلاق والسياسة والقانون والتاريخ، ولذلك تتحول لحظة إعلانها في كثير من الأحيان إلى نقاش عالمي بشأن معنى السلام نفسه، ومن يملك حق تعريفه.
اختيار بيلاي ليس منفصلاً عن هذا الجدل. فقد ارتبطت مسيرتها المهنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، ومقاومة التمييز، وتعزيز دور المؤسسات القضائية الدولية. بدأت عملها القانوني في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري، ودافعت عن ناشطين معارضين للنظام، قبل أن تنتقل إلى القضاء الدولي، حيث تولت مناصب بارزة في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، ثم عملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، وشغلت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014.
هذه السيرة تمنح اختيارها أساساً يتجاوز موقفها من قضية سياسية واحدة. فالتجربة التي عاشتها في جنوب أفريقيا رسخت سؤالاً جوهرياً: ما قيمة القانون إذا كان عاجزاً عن حماية من لا يملكون القوة؟ وكيف يمكن بناء سلام دائم في مجتمع لا يستطيع فيه الضحايا الوصول إلى العدالة؟
لكن الجدل المحيط ببيلاي يكتسب بعداً إضافياً بسبب رئاستها لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، التي خلص تقريرها في عام 2025 إلى ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة. وقد رفضت إسرائيل نتائج التقرير، ووصفت اللجنة بالتحيز وتسييس التحقيق، فيما دافعت بيلاي عن عملها مستندة إلى الأدلة والوقائع التي تناولها التقرير. وبذلك أصبحت الجائزة مرتبطة بنقاش شديد الحساسية حول المساءلة عن الانتهاكات في الحرب، وحول ما إذا كانت المؤسسات الدولية قادرة على تطبيق القانون على الجميع.
وهنا ينبغي التمييز بين تكريم مسيرة بيلاي وبين اعتبار الجائزة حكماً قضائياً نهائياً بشأن غزة. فجائزة نوبل لا تحل محل المحاكم، ولا تثبت وحدها صحة كل استنتاج ورد في تقرير دولي. وفي المقابل، فإن رفض إسرائيل للتقرير لا يكفي وحده لإسقاط أدلته أو إبطال نتائجه. فالمسائل المتعلقة بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب تخضع لمعايير قانونية دقيقة، وتحتاج إلى فحص الأدلة والإجراءات والاختصاص القضائي. ولا ينبغي أن تحسمها لا الجوائز ولا التصريحات السياسية.
غير أن التطور الأميركي الذي تزامن مع إعلان الجائزة أضاف إلى النقاش سؤالاً أكثر مباشرة: ماذا يحدث عندما تصبح المؤسسة التي يفترض أن تحقق في الجرائم الدولية نفسها هدفاً للعقوبات والضغوط؟ فالولايات المتحدة ليست عضواً في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، وقد اعترضت إدارات أميركية متعاقبة على بعض جوانب اختصاص المحكمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواطنين أميركيين أو بأفراد من دول حليفة. وتستند واشنطن في اعتراضاتها إلى مخاوف بشأن الاختصاص والسيادة والإجراءات القانونية. لكن منتقدي العقوبات يرون أن استهداف المحكمة أو الجهات التي تقدم لها الخدمات قد يضعف قدرتها على أداء مهمتها.
وقد عبّرت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بحسب الخبر، عن رفضها للعقوبات، معتبرة أنها تستهدف تقويض سيادة القانون دولياً، وأكدت أن عمل المحكمة سيستمر في التحقيقات والملاحقات التي تنظر فيها. كما دعا مسؤول في المحكمة الاتحاد الأوروبي إلى الاستعداد لاستخدام آليات قانونية يمكن أن تحد من الآثار العابرة للحدود للعقوبات الأميركية. وهذه التطورات تكشف أن القضية لم تعد محصورة في خلاف بشأن ملف بعينه، بل تتعلق بقدرة مؤسسة قضائية على الحفاظ على استقلالها التشغيلي والمالي.
المحكمة الجنائية الدولية ليست فوق النقد، ولا ينبغي أن تكون كذلك. فمن حق الدول الاعتراض على قراراتها، والطعن في إجراءاتها، ومناقشة حدود اختصاصها، والمطالبة بضمانات قانونية تكفل العدالة للمتهمين. لكن هناك فرقاً بين الاعتراض القانوني الذي يجري عبر القنوات المتاحة، وبين اتخاذ تدابير قد تعطل عمل المؤسسة أو ترهب الجهات التي تتعاون معها.
الجدل المحيط ببيلاي يكتسب بعداً إضافياً بسبب رئاستها لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، التي خلص تقريرها في عام 2025 إلى ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة.
وهنا تتجلى المفارقة الأعمق في النظام الدولي. فالدول التي تتحدث عن أهمية القانون والنظام القائم على القواعد قد تختلف مع المؤسسات الدولية عندما تأتي قراراتها على غير هواها. وعندما تتعرض المحكمة لضغوط بسبب تحقيقاتها أو قراراتها، يصبح السؤال متعلقاً بمبدأ المساواة أمام القانون: هل يظل القانون ملزماً عندما يكون المتهم ضعيفاً، ثم يتحول إلى موضوع تفاوض سياسي عندما يتعلق الأمر بدولة قوية؟
لا يمكن اختزال جميع المواقف الأميركية من المحكمة في سبب واحد، كما لا يصح اعتبار كل انتقاد لاختصاصها هجوماً على العدالة. لكن العقوبات الواسعة، ولا سيما إذا امتدت إلى الشركات التي تقدم الخدمات الضرورية للمحكمة، تثير مخاوف حقيقية بشأن الأثر العملي في استقلالها. فالمؤسسات القضائية الحديثة تحتاج إلى أنظمة مالية وتقنية وتأمينية مستقرة، وأي جهة تخشى أن تتعرض للعقوبات بسبب تعاونها مع المحكمة قد تختار الابتعاد عنها، حتى إذا لم تكن طرفاً مباشراً في النزاع القانوني.
وهذا ما يجعل تزامن العقوبات مع جائزة نوبل أكثر من مجرد مصادفة زمنية لافتة. فالجائزة، وفق مبرراتها، تذكّر بأهمية العدالة الدولية في تحقيق السلام، بينما تكشف العقوبات حجم الصراع حول من يملك سلطة تطبيق هذه العدالة، وما الحدود التي يمكن أن تصل إليها عندما تصطدم بمصالح القوى الكبرى. وفي هذه المواجهة لا يكفي أن نحتفي بالقضاة والمدافعين عن الحقوق؛ بل ينبغي أيضاً أن نسأل ما إذا كانت المؤسسات التي يعملون من خلالها قادرة على مواصلة أداء مهمتها.
ومع ذلك، فإن جائزة نوبل لا تستطيع وحدها إصلاح النظام الدولي، ولا تملك أن تفرض على الحكومات احترام قرارات المحاكم. وظيفتها مختلفة: تسليط الضوء على قيمة أخلاقية أو مسار سياسي أو تجربة إنسانية ترى اللجنة أنها تستحق الاعتراف. وقد تكون الجائزة رسالة احتجاج على تراجع العدالة، أو محاولة لتقوية المؤسسات التي تواجه ضغوطاً، أو دعوة إلى إعادة الاعتبار لمبادئ يتعرض تطبيقها للاختبار. لكن أثرها يظل محدوداً إذا لم يتحول الدعم المعنوي إلى حماية سياسية وقانونية ومؤسسية.
من هنا، يصبح السؤال عن استحقاق نوبل سؤالاً عن معاييرها أيضاً. هل ينبغي أن تكافئ من ينجح في إنهاء حرب، أم من يعمل على منع تكرارها؟ هل السلام هو المصالحة بين المتحاربين، أم يشمل محاسبة من ارتكبوا انتهاكات جسيمة؟ وهل يمكن أن يكون الدفاع عن القضاء الدولي إسهاماً في السلام حتى عندما لا ينهي حرباً مباشرة، لكنه يرسخ مبدأ أن ارتكاب الجرائم لا ينبغي أن يمر من دون مساءلة؟
لا تقدم الجائزة إجابة واحدة عن هذه الأسئلة. فقد ذهبت في سنوات مختلفة إلى وسطاء ساهموا في تسويات سياسية، وإلى مدافعين عن حقوق الإنسان، وإلى مؤسسات تعمل على حماية المدنيين أو تخفيف آثار الحروب. وهذا التنوع يعكس اتساع مفهوم السلام، لكنه يفسر أيضاً لماذا لا تحظى جميع الاختيارات بإجماع عالمي. فالجائزة لا تكتفي بتوثيق ما تحقق، بل قد تسعى إلى تشجيع مسار لم تكتمل نتائجه، أو تسليط الضوء على قضية تخشى أطراف نافذة أن تتحول إلى محور للمساءلة.
ومع ذلك، فإن مكانة نوبل الأخلاقية تعتمد على قدرتها على شرح منطق الاختيار واتساقه مع المعايير التي تعلنها. ولا يعني ذلك مطالبة اللجنة بإرضاء الجميع؛ فمثل هذا الشرط سيجعل أي موقف جاد مستحيلاً. بل يعني أن يكون الاختيار مستنداً إلى سجل موثق ومساهمة واضحة في خدمة السلام والعدالة، وأن يبقى قابلاً للنقاش، من دون أن يتحول إلى حكم قضائي بديل أو أداة لإدانة طرف سياسياً.
وفي حالة بيلاي، فإن أقوى ما يدعم اختيارها ليس مجرد ارتباط اسمها بتقرير مثير للجدل، بل مسيرتها الطويلة في مواجهة التمييز والدفاع عن حقوق الإنسان والعمل في مؤسسات القضاء الدولي. وفي المقابل، فإن قيمة هذا التكريم لا ينبغي أن تعفي نتائج أي تحقيق من التدقيق القانوني، كما لا ينبغي أن تجعل كل اعتراض سياسي على عملها دليلاً على أن التحقيق باطل.
إن السلام ليس امتيازاً تمنحه القوى المنتصرة، ولا اتفاقاً يكتبه الأقوياء وحدهم، ولا صورة احتفالية لزعماء يتصافحون أمام الكاميرات. إنه يحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية، لكنه يحتاج أيضاً إلى مؤسسات تستطيع حماية المدنيين ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات. ومن دون ذلك، قد تتوقف الحرب مؤقتاً، لكن أسباب العنف والمظالم تبقى قائمة، ويظل الضحايا أمام سؤال مؤلم: هل القانون حق للجميع أم امتياز لمن يستطيع فرضه؟
فهل ذهبت جائزة نوبل للسلام لعام 2026 إلى من يستحقها؟ إذا كان معيار الاستحقاق هو سجل طويل في الدفاع عن حقوق الإنسان وتطوير العدالة الدولية، فإن مسيرة بيلاي تقدم أسباباً واضحة لفهم اختيار اللجنة. أما إذا كان السؤال يتعلق بما إذا كانت الجائزة تحسم الخلاف القانوني والسياسي حول غزة، أو تمنح المحكمة الجنائية الدولية حصانة من النقد، فالجواب لا؛ فهذه مسائل تحسمها الأدلة والقواعد والإجراءات القانونية، لا الجوائز.
لكن الخبر الذي تزامن مع إعلان الجائزة يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: ما قيمة تكريم العدالة إذا كانت المؤسسة التي تجسد بعض مبادئها تواجه عقوبات تهدد مواردها وقدرتها على العمل؟
جائزة نوبل للسلام لا تصبح جديرة باسمها لأنها تمنح شخصية تحظى بإجماع العالم، فمثل هذا الإجماع نادر في القضايا الكبرى، بل لأنها تذكّر العالم بمبادئه حين تصبح هذه المبادئ مكلفة سياسياً. غير أن شجاعة الاختيار لا تكفي وحدها؛ إذ يجب أن تقترن بحماية المؤسسات التي تجعل العدالة ممكنة، وبإصرار على أن القانون معيار عام لا امتياز لفريق ولا سلاح ضد فريق آخر. وعندما يصبح القضاء الدولي قادراً على العمل من دون أن ترهبه العقوبات، وقادراً على مساءلة القوي والضعيف وفق القواعد نفسها، عندها فقط يمكن أن يتحول السلام من جائزة تمنح كل عام إلى واقع يعيشه البشر.