-
وداد سلوم….كاتبة سورية .. الجمهورية .نت
-
-
-
على اختلاف الأعمال الأدبية المرتكزة على تجربة الاعتقال في أسلوبها، فإنها تتقاطع في كونها شهادة حيّة باسم الناجين من هذه التجارب، وتتشابه في صور الظلم الذي يبدو عصياً على الاستيعاب في التفاصيل المروية؛ كأن يقضي أحدهم ستة عشر عاماً في المعتقل ظلماً، أو أن يُعتقَل أحدهم لتسع سنوات لأنه قرأ جريدة كانت تُرمَى في الشارع، أو أن يُعتقَل طفل في الصف الثامن لأنه عثر على أوراق مرمية في مدرسته تبيّن أنها بيان لحزب العمل احتجاجاً على ما قامت به سرايا الدفاع من نزع الحجاب في الثمانينيات. تروي هذه الأعمال عن حياةٍ ذات أبعادٍ وزمن مستقلين عمّا يحدث خارج الجدران، حياة تتشكّل هناك داخل المحابس، بروتينها اليومي على هامش التعذيب والوقائع المروّعة، وقائع تشمل أشقاء يقبعون لأعوام في زنزانات متجاورة.
كتبت الروائية السورية روزا ياسين حسن رواية نيغاتيف، وهي عمل توثيقي تتبعت فيه قصص نساء معتقلات سياسيات في فترة الثمانينيات والتسعينيات، عبر الاستماع إليهن، وتسجيل تفاصيل اعتقالهن وحياتهن في السجن، وأرفقت صورهنَّ وأسمائهنَّ في نهاية الكتاب.
كذلك برزت أعمال ركّزت على معاناة ما بعد السجن والأثر النفسي الذي تتركه تجربة السجن على الفرد والعائلة، وكيف تؤثر في خيارات حياتهم وعلاقاتهم، كما في رواية في المطار أخيراً للروائية لجينة نبهان.
ولكنّ الحصة الأكبر من أدب السجون تنهل من تجارب السجناء السابقين أنفسهم، ومن شهادتهم عن حياتهم داخل السجن، يوماً بيوم، موثّقين حجم المعاناة التي عاشوها، في وقت تجاوز فيه تدوين التجربة دافع حفظ السردية، ليُصبح فعل تحدٍ لفضح وكشف الظلم الذي يُمارس في العتمة، وانتصاراً للذات وللإنسان عامةً. تقرأ هذه المراجعة في ثلاثة أعمال أدبية من أدب السجون السوري، ماذا وراء هذه الجدران لراتب شعبو (دار الآداب، 2015) وناجٍ من المقصلة لمحمد برّو (دار جسور، 2021) ودُوار الحرية لمالك داغستاني (دار البلد، 2002).
«ماذا وراء هذه الجدران» لراتب شعبو، السجن كجزيرة زمنية معزولة
«كان الحديث عن السجن متعة لي وليس نكأ جراح» يكتب راتب شعبو في رواية ماذا وراء هذه الجدران، إذ كتبها كتأريخ لتجربة سجنه التي قضاها لمدة 16 عاماً وثلاثة أيام، مع أنه كان متفائلاً في البداية: «أن ذلك لن يطول حين يكتشفون أنه غير منظّم وبقي ستة عشر عاماً ينتظر ذلك». ولما خرج وهو في السادسة والثلاثين من عمره، كان يشعر أنه ابن العشرين، وكأنه ينكر سنوات السجن كلها.
مقابل قسوة تلك الأيام ولا إنسانيتها، كتب روايته بلغة أدبية وسرد إنسانيٍّ يوثق فترة مشحونة سياسياً، انطلاقاً من وقائع الهجمات الإسرائيلية على منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، في وقتٍ كانت فيه السلطة في سوريا تخوض حربها مع الإخوان المسلمين في ظلّ قانون الطوارئ والأحكام العرفية، والاعتقالات التي طالت مختلف التيارات من اليمين إلى اليسار.
تنقّل شعبو بين عدة سجون، بعد التوقيف العرفي في سجن الشيخ حسن، حيث قضى عامين ونصف، لينتهي به المطاف إلى سجن تدمر الأشد رعباً، بالمقارنة مع كل المعتقلات التي مرّ بها، مهيئاً من يقرأ لمستوى الأذى الذي يحدث هناك.
استخدم شعبو أسلوب التهكم والتقاط المتناقضات، ولم يكتفِ بعرض الواقع، بل وضع خلال ذلك أفكاره ورؤيته، محللاً سلوك السلطة؛ فالهدف من السجن ليس فقط الحجر على الشخص بغية تدجينه، بل هو أيضاً رسالة عبرةٍ وتهديدٍ تُوجّه للمجتمع. كما حلّل سلوك الفرد، بالتأمل في الآلية التي تلجأ إليها النفس البشرية للتعاطي مع الآخر في الظروف الخاصة، والأساليب التي يبتكرها السجناء لتحمّل ظرفهم، وللتفاهم فيما بينهم، بوضع القواعد التي صارت قانوناً.
تحمل الرواية كذلك مساحة لرصد تأثير ظروف الاعتقال في ذات السجين وتفكيره، باستخدام أسلوب الثنائيات في مقاربة المفاهيم، إذ يوازي الكاتب بين ثنائية السجن والحرية، وثنائية الموت والحياة؛ فالاعتقال كالموت، يخطف الشخص من حياته. والمعتقلون، وهم يتعارفون شارحين طريقة اعتقالهم، كالموتى؛ لو قُيِّض لهم الاستيقاظ فسيروي بعضهم لبعض الطريقة التي نالهم الموت بها. فهل يُمكِن تشبيه رجال الأمن بملك الموت؟ أو الملاحقة الأمنية بالمرض العضال؟ وبينما يكتفي حفار القبور بعمق معين للقبر حرصاً على إخفاء روائح التفسخ البشري، فإن السجانين يحفرون الزنازين أعمق لإخفاء ضحاياهم.
من المتناقضات التي تلتقطها عينا الشاب وتُسجِلانها في الذاكرة: أن يكون بيتٌ دمشقيٌّ جزءاً من سجن الشيخ حسن، وأن يكون موقعه بجانب حي الشيخ مُحيي الدين بن عربي الذي اتسع فكره لكل الفرق والأديان، بينما يقضي في هذا السجن من خالف السلطة بفكرةٍ، أو أن يُقارن الانتقال من الحرية والأمكنة الفسيحة إلى المنفردة الضيقة حيث ينام بجانب فتحة التواليت، ليكتشف فيما بعد أن وجودها كان رفاهية.
يوثّق شعبو شدة أساليب التعذيب، متهكماً على القسوة المُفرطة التي يستخدمها الجلادون على سجين أعزل، وكأن هناك حقداً شخصياً عليه، وكيف يصبح السجين حلقة في مؤامرة تستنزف طاقة الجلادين في التعذيب، وكأنه الشغل الشاغل للدولة. وبالمقابل، يتهكم على الجسد البشري الذي بات يُفكِر أن تكوينه مؤامرة أزلية لزيادة الألم، إذ أتى مناسباً لطُرق التعذيب، خاصة باطن القدمين وشكل الأصابع. أمّا انهماك الجلادين في تعذيبه فيُشبه انهماك الرجال في القرية وتعاونهم على ذبح الأضحية.
ويرى أن ما يجري في الواقع كان يهدف إلى تشويه الجمال وقلب الدلالات في ذهن الضحية. كأن تُجرى عمليات التعذيب على صوت فيروز.
كانوا في السجن من شتى الانتماءات والأماكن، كأنهم محتويات جُمِعت في (فيترينة). لم يكن الأمل وحده هو ما يجعلهم يحتملون الظروف، بل النميمة أيضاً، فقد كانت تُمارس لتزجية الوقت والنيل من المختلف. حيث تُعرض أفكاره بطريقة يسهل فيها سلبها قيمتها، وبالتالي مهاجمة صاحبها.
يُناقِش شعبو مفهوم الزمن، ويرى أن السجون تكسِر تقنيات الرواية الحديثة؛ فالسجن جزيرة زمنية لها استقلاليتها، وإيقاع الزمن فيها مختلف عن خارجها، ومهما تحايل السجين على الزمن بالأعمال اليدوية والقراءة، فثمة حدٌّ ما، ففي لحظة هاربة تتداعى السيطرة، ويتجاذب الذات توقٌ مُلحٌ إلى شيء مفقود، ويُمزِقها بقوة قاهرة، إذ يعي السجين كيف يُسرَق زمنه الخاص بالاعتقال، ويلمس الحرمان من العلاقات الإنسانية، ومن القيم الخالدة كالصداقة والمرأة والحب والوفاء والأمل، التي تصبح كلمات بلا معنى في تلك اللحظة، فيشعر بالعري خلف تلك الجدران.
من يتحرر من الزمن الخارجي، وينسجم مع زمن السجن ينجُ، أمّا من يبقى في إيقاع الخارج فقد يُصاب بالجنون أو ينتحر. وكأن السجناء حراس الزمن الذي يمضي دونهم.
يُغيّر الألم لبوسَه مرة تلو أخرى، فمِن التعذيب بأنواعه، إلى المرض والجرب، والفسفس، وفقدان الخصوصية، والروتين القاتل، والبرد والحرارة والغبار.
لكن السجناء هم أمهر مَن يصنع الأمل، رغم انحدار وضعهم من سجن إلى سجن، إذ يحملون في البداية اسماً، ثم يصبحون رقماً، وفي سجن تدمر يُنعَتون بالحيوانات في سعي لمحو هويتهم.
يشتد القمع بتزايد النشاط السياسي، فما مبرر استمراره وقد باتت الأحزاب مشلولة؟ يرى شعبو أن القمع بذلك قد وصل حد الإجرام في البلاد.
تبدو القوانين، بحسب تجربة سجن تدمر، وكأنها وُضِعت لسلب الإنسان حقوقه وتدميره، والمحاكم كانت مجرد وسيلة لتجريم السجناء وإقرار الظلم الواقع عليهم، إذ كانت مخرجاً للنظام في التعامل مع السجناء الذين قضوا سنين طويلة في التوقيف العرفي ولم يشملهم العفو، وتحوّلت من أداة لإنصاف المتهم إلى أداة للإدانة. هذا ما نجح به الاستبداد، كما يرى شعبو، إذ قام بقلب المفاهيم إلى نقيضها. فلم يعد الإفراج يعني الحرية، لأنه مشروط، وفي الحقيقة هو خروج إلى السجن الكبير. تحت هيمنة النظام الذي سُجنتَ لأنك لم تُرضِه، تُصبِح الحرية مفهوماً إشكالياً لأن الحرية الحقيقية هي تغيير النظام!
يُفرِد الروائي جانباً للمفردات الغريبة المُتعارف عليها، خاصة في سجن تدمر، وما يُسميه الفن التدمري السجني، الذي يجري فيه تناقل خبرات وابتكارات أبدعها السجناء للتكيّف مع الظروف، كصنع الشِّباك لتعليق الأغراض من أكياس النايلون، وصنع العُرى في الحائط، وصناعة الشطرنج والمغسلة والملاعق…، يقول: «في تدمر تشعر بنسغ الإنسانية الصافي فالمعاناةُ توحد البشر».
ولأنهم مجموعة صغيرة من الشيوعيين، شعروا بثقل المعاناة، رغم أن القبضة كانت على الإسلاميين أقسى بحسب ما تورد الرواية.
يعيش السجين متاهة من المجاهيل تبدأ من صغائر الأمور التي تهم حياته، وتنتهي بتقرير المصير. وكان يتساءل: هل يجب أن يبقى هناك لينقضي الأبد الذي صنع معه النظام تلازماً زمنياً؟.
«ناج من المقصلة» لمحمد برّو، السجن مساحة لانفلات غرائز العنف البدائية
قدّم للرواية الدكتور برهان غليون، موضِّحاً أن وظيفة المعتقلات هي تغييب المعارضين وإخراجهم من عالم السياسة والمجتمع، ليهلكوا في ظلمات السجون أو لإعادة تأهيلهم. ويُشبّه سجن تدمر بسجون النازية، وكأنه أُقيم لإبادات جماعية، لكنه يعود ويؤكد أنها تتفوق على السجون النازية في الإبادة النفسية والروحية للمعتقلين، أمّا القدرة على التعذيب، فقد أرجعها غليون إلى انفلات الغرائز البدائية لدى السجان، والتي حاول الجنس البشري ترويضها عبر آلاف السنين من الحضارة. ويرى أن الأسد الأب حوّل العنف إلى سلاح دولة، وهو ما تابعه الابن، حيث شنَّ حرب استنزاف طويلة بحق الشعب، وقطع رأس المجتمع المدني، فتمت في المعتقلات بعد 2011 تصفية الناشطين، وصار الجلاد بطلاً وصاحب قضية، والتعذيب عملاً وطنياً ونضالياً، إذ يُساهِم في تحقيق مأثرة تاريخية سياسية.
كتب برّو روايته ناج من المقصلة بعد أربعين عاماً على نجاته من تجربة سجن تدمر الرهيبة، رغم أن النجاة هنا نسبية؛ إذ تحول السجن لدى البعض من مكان يعيشون فيه إلى مكان يعيش داخلهم. ويرى برّو أهمية الكتابة في تشكيل سردية مقابل سردية النظام، ولمواجهة النسيان «لأن النسيان جريمة أخرى» بحق الضحايا.
قدمت الرواية، التي كُتبت على بُعد مسافة زمنية وافية من أحداثها، نظرة إلى الأحداث التي كانت تعترك البلاد عموماً، ومدينة حلب خصوصاً، في فترة الثمانينيات، مع تحليل الأسباب التي قادت البلاد إليها، وطبيعة التنظيمات القائمة، والطبيعة الاجتماعية والسياسية لمدينة حلب، والتيارات الإسلامية فيها، وكذلك التيارات الإسلامية في مدينة دمشق. تضمنت أيضاً كشفاً من زاوية جديدة لأحداث عصفت بالبلاد، وتحليلاً مغايراً للرواية الرسمية على المستوى العام والمستوى المحلي، بما في ذلك الخيانات والعداوات بين التيارات.
تناول برّو أيضاً الأعمال المسلحة لفصيل الطليعة المقاتلة، والتي زجّت تنظيم الإخوان المسلمين كله في مواجهة مع النظام، الذي استشرس في الرد دون تمييز بينهما، منوهاً بأنّ فكرة الكفاح المسلح كانت شائعة ومقبولة عالمياً آنذاك، كما في تجارب أميركا اللاتينية. لكن عملية مدرسة المدفعية التي نفّذتها الطليعة المقاتلة باستهداف الطلاب من الطائفة العلوية، كانت كارثة حقيقية على البلاد، إذ أظهرت بوضوح أنها تستهدف العلويين كطائفة، وليس النظام القمعي، وهذا ما وظّفه النظام جيداً فيما، بعد موسّعاً الشرخ الاجتماعي الطائفي في البلاد. فانتشرت مليشيا سرايا الدفاع، وأحكمت قبضتها على مدينتي حلب وحماة، وقامت بأعمال تعدٍّ وعنف وتدمير مادي ونفسي طال المكان والسكان.
كانت الطليعة المقاتلة ترمي مجلتها «النذير» في الطرقات أمام البيوت. التقطها برّو، الطالب ذو السبعة عشر عاماً وحملها معه إلى الثانوية، حيث قرأها مع رفاقه، فكانت النتيجة اعتقالهم جميعاً، ومن سجن حلب المركزي، رُحِّلوا إلى سجن تدمر، بعد أسبوع من المجزرة التي نفّذتها قوات سرايا الدفاع فيه، وقد وصل صداها إلى الناس، فكان وقع خبر نقلهم إلى تدمر مُحطِّماً، إذ وضعهم في قلب الجحيم النفسي والرعب مما ينتظرهم. تصف الرواية طريقة ربط السجناء، والأوامر التي كانت تُتلى على مسامعهم، ومنها حرق الحافلات وقتل الجميع في حال ظهور أي بادرة مريبة. وقد صُنِّفت جريمة الشباب على أنها كتم المعلومات وعقوبتها الإعدام. هكذا، قد تُودي وشاية أو تقرير غير دقيق المعلومات أو كيدي، بحياة إنسان.
قرب بوابة السجن لوحةٌ كُتِب عليها: «الداخل مفقود والخارج مولود» تختصر هذه الكلمات الواقع كاملاً.
يُخبرنا برّو عن «التشريفة» أي حفل الاستقبال في سجن تدمر، وهو عبارة عن جلد الواصلين بالكابلات والسياط، لمدةٍ استمرت طوال ساعات النهار، وفيها فارق صديقه الحياة، متأثراً بالضرب الذي ينال الجسد كله. فما كان من مدير السجن إلا أن هدّد الجلّاد بحلاقة رأسه إن تسبّب في موت آخر، ويُقارن برّو اللون الأحمر الذي اكتسى به الفجر حين وصولهم بالدماء التي سالت في حفلة التعذيب الأولى.
كان الاستقبال قاسياً على شاب في عمره، فبدأ بجدل حبلٍ من خيوط ينسلها من البطانية تمهيداً لشنق نفسه. فالخوف يتلاشى أمام الألم، ويُصبِح الموت أمنيةً لا ينالها السجين. تستعرض الرواية تفاصيل التعذيب اليومي صباحاً ومساء، وكأن المجزرة لا تزال مستمرة.
فضَحت عينا أحد السجانين تعاطفه معهم، فأُعدِم بعد فترة أمامهم، ولعل هذا كان السبب وراء اختفاء الرحمة، أو مبالغة السجانين والجلادين في تعذيبهم. لا سيما الجلادين من الطوائف غير العلوية إذ كانوا يشعرون أنهم بحاجة لإثبات ولائهم عبر المبالغة في تعذيب السجناء، ويذكر برّو مراتٍ عديدة أوقف فيها جلاد علوي الآخرين ومنعهم من التمادي في العنف كيلا يُقتَل السجين.
ويُطعِّم الكاتب سرده بفقرات ومعلومات من ثقافته العامة، لإثراء معرفة القارئ، في السياسية والتاريخ ولاسيما تاريخ السجون. ويحاول فهم طبيعة الجلاد، الذي يرى أن السجين يتفوّق عليه في النهاية، لأنه يعود حراً بعد السجن، بينما يُكمِل الجلاد حياته كمسخ بشري لا يجرؤ على الحديث عن ماضيه.
علق في ذاكرة الشاب، حين وصولهم إلى تدمر صوت مكبس القرميد، وهو آلة لصنع البلوك، تُصدِر صوتاً رتيباً لمدة 12 ساعة يومياً، رافقه هذا الصوت طوال مدة سجنه، وقد وظّفه برّو في الرواية كصوت للحياة المستمرة التي تجري خارج السجن. يقول إنه بعد خروجه من السجن عاد في رحلة إلى مدينة تدمر، وتوقف عند صوت مكبس القرميد، كأنه يكتشفه من جديد.
يستعرض برّو أسماء بعض النزلاء، ويخبرنا عن الأعداد الكبيرة من حملة الشهادات العليا في الطب والهندسة والعلوم، وهم بمثابة مرجعية علمية كان ينبغي أن ترفد البلاد بالخبرات، في حين كانت تموت في السجن. ليس مجازاً وإنما فعلياً، في حفلات الإعدام الدورية التي كانت تنفّذ. والتي ذكرها طلاس في مذكراته قائلاً إنه كان يوقع كنائب للرئيس على الإعدامات بمعدل 150 قراراً أسبوعياً.
ويتحدث برّو كذلك عن العدد اللافت من الضباط في السجن. مشيراً إلى تعرّض هذه الفئة لتجارب بأسلحة كيميائية، دون وجود توثيق لذلك. وسنرى بالمقابل أشخاصاً أنهوا فترة محكوميتهم ولم يتم الإفراج عنهم، وكان المدير يقول لهم: «إذا كنتم أبرياء ستخرجون ولو بعد مئة عام!»
ويُضاف إلى ألم التعذيب، الجوع، وشح الطعام، والماء الكبريتي، الذي كانت تعافه النفوس، لكنها تشربه تحت وطأة العطش. والإصابة بالجرب والكوليرا.
يخبرنا الكاتب عن نشاط السجناء، وكيف تحايلوا على الواقع مع الأيام، فصنعوا مسرحاً، وبدأوا بتطوير ثقافتهم ومعلوماتهم عبر دروس الشعر والقرآن واللغة. كما يروي إبداعهم في تناقل الأخبار باستخدام طريقة مورس عبر الطرق على أنابيب المياه. ومن المواقف التي يجب أن تُذكر لتخليدها بوصفها من صور التعاطف الإنساني؛ ما عرف ب«الفدائيين»: حيث كان أحدهم يندفع لتحمل عقوبة فعل لم يرتكبه، لأنه أقدر على احتمال العذاب. يقول برّو: «قد يكون من يفديك في العقوبة شخص يختلف معك فكرياً لكن لا قيمة لذلك».
يخبرنا الكاتب أن السجن رغم كل شيء، كان مكاناً لتبلور الاتجاهات الفكرية ضمن التيار الواحد، كما يتناول تيار القرآنيين، وما أثاره ظهور هذه التيارات من تطلعات بحثية حول مسائل مختلف عليها. بينما يُشير إلى عدم انتشار التيار الديني المُتشدّد في البلاد، بسبب بنية الإسلام الشامي المرنة، والتي تطبع مسلمي سوريا عامة.
خُفِّف حكم برّو إلى عشر سنوات لصغر سنه، واكتشف صدفة وجود أخيه في مهجع مجاور. يقول إن المتهم يُظلم مرتين؛ مرة حين اعتقل ظلماً ومرة حين تلتصق به التهمة إلى الأبد.
«دُوار الحرية» لمالك داغستاني، الخيال الشعري أداةٌ سردية
تخالف الرواية القصيرة لمالك داغستاني دوار الحرية الروايتين السابقتين؛ فهي لا تُعنى بيوميات السجن، ولا تحاول تقديم التعذيب خلال السرد، وإنما تترك للقارئ أن يستشف عمق المعاناة والضغط المطبق على السجين – الكاتب، عبر لعبة الخيال التي يكتب بها أحلامه عن الحرية التي أصابته نسمتها الأولى بالدوار وعدم الاتزان خلال الخروج إلى المحكمة حيث تراءى له، ومن تحت عصابة العينين خيال امرأة ، فيقوده الخيال إلى حلم شاسع يستغرقه طوال مدة المحاكمة، ومن شدة الشوق إلى الحياة والحرية والأنثى، ينساق نحو الخيال الأدبي، بلغة شعرية غنية بالتعابير الأدبية والصور، ساحباً القارئ إلى فسحته الداخلية، حيث تُحلّق المشاعر الإنسانية. وهناك ينسج عالماً موازياً للواقع، محولاً قاعة المحكمة إلى حديقة، يحاول ترتيبها وتلوينها بما يُرضي العاشق وحبيبته، معترفاً للأم، التي يتخيلها تلومه لعدم واقعيته، بأنّ هذا رد فعل طبيعي إثر تجربته في القبر الذي يعيش فيه، (الزنزانة). فهل يلوم أحد ميتاً عاد إلى الحياة على فرحه وعدم اتزانه؟ تأتي نوفيلا داغستاني كنشيد للحرية الغائبة، ومقطوعة متواصلة للبوح يمتزج فيها الخيال بالألم الذي تشفّ عنه الكلمات ويظهر كإيقاع مستمر خلف النغمات الرقيقة، محاولاً قنص الوقت قبل العودة إلى الزنزانة – القبر. ولعلها إشارة أخرى إلى عدم الثقة بعدل المحاكمات وعدم تعويل السجناء عليها.
تحفل دوار الحرية بالرقة واشتهاء الجمال والحياة اللائقة، والحنين إلى الطفولة، وإلى الحبيبة والأم والبيت والوردة والبحر، وكلها رموز للأمان والوطن الذي في الحلم، وإذ يُناجي والدته، مُطلِقاً أنّات روحه، يبوح بالمعاناة في ضيق الزنزانة ورطوبتها، حيث يصل السجين إلى تمني الموت، واشتهاء الأنثى بوصفها حاجة روحية وجسدية، ونوعاً من الهروب نحو عالم مناقض تماماً للواقع، ينفي كل الحرمان المُعاش لسنين امتصت زمنه. هكذا يحاول مقاومة الموت الذي يختطف الرفاق.
ليُصبح السرد أداة للمقاومة، ومحاولة لتحطيم رموز الموت التي تُسيطر على عالم السجن. وزمن الرواية المباشر هو ساعة المحاكمة، لكن اللغة تزدهر في إبداع فني غني، لتحمل الرواية بعداً أدبياً شعرياً، أكثر من كونها شهادةً أو سيرةً ذاتية لتجربته في السجن.
-