
مهرجان لوكارنو السينمائي وظاهرة الإقبال الجماهيري (خدمة المهرجان)
يصعب على بعض الفنانين المشاركين في لوكارنو تصديق الحشد الذي يملأ الميدان الكبير مساء كل يوم من أيام الدورة الـ79 من الـ5 حتى الـ15 من أغسطس (آب)، فترى علامات الاندهاش ترتسم على وجوههم وهم يعتلون المسرح ليروا بضعة آلاف من المتفرجين ينتظرون لحظة انطلاق العرض.
بحر من البشر يتجمهرون حوالى الساعة التاسعة والنصف مساء، أي ما إن تبدأ الشمس في الغياب. هذا العرض الذي يأتي في قسم “بيازا غراندي” هو كل ما هو عليه لوكارنو، ولولاه لاختلفت المعادلة كلياً وأصبح المهرجان كأي مهرجان آخر. في نهاية الأسبوع الأول، كان من الصعب العثور على كرسي واحد إلا في الصفوف الخلفية لشدة الإقبال، خصوصاً أن الطقس جميل في ذلك الوقت من المساء مع نسمة هواء منعشة أحياناً على رغم الحرارة العالية نهاراً.
ليس الجميع يأتون للاستزادة علماً بالسينما والفن والثقافة، بل إن بعضهم هنا للاستئناس بلحظة، وإلى الكراسي بالآلاف التي يضعها المهرجان، هناك أيضاً المطاعم على الجهتين المقابلتين لأكبر صالة مفتوحة في أوروبا تسمح أيضاً بالجلوس لمشاهدة الأفلام منها، مع تناول العشاء. كل هذا يعطي لوكارنو طابعاً فريداً غير موجود في أي مهرجان آخر.
إنه مهرجان ذروة الصيف بامتياز، حيث الباحثون عن المتعة يختلطون برواد السينما الحقيقيين. كل من صعد على الخشبة شعر بأهمية العرض الجماهيري، وهكذا كانت حال الممثل الألماني كلايس بانغ الذي شعر بالإحراج وهو يرى بضعة آلاف من المشاهدين ينتظرونه في فيلم “أنا هو شخص آخر”، فتمنى أن يكون على قدر الحمل. والحال تكررت أيضاً مع الممثلة والمخرجة الأميركية أوليفيا وايلد التي قدمت “الدعوة” من إخراجها وتمثيلها.
والعروض على بيازا غراندي تأخذ أحياناً طابعاً احتفالياً وأحياناً تتحول إلى منبر لأعمال خفيفة تراعي ذائقة أكبر عدد، فالأعمال الأصعب والأكثر تطلباً على مستوى اللغة السينمائية تعرض في صالات أخرى موزعة في أرجاء المكان ولنا عودة إليها تباعاً.
أما البيازا غراندي فتترك لأعمال فيها احتمال جماهيري أعلى، إضافة إلى أفلام كلاسيكية مرممة تنطلق في ساعات متأخرة من الليل وتستمر حتى ساعات الصباح الأولى كما حصل مع “الرقص مع الذئاب” (1990)، رائعة كافن كوستنر الفائز بتسع جوائز “أوسكار”، التي حظيت بترميم وإصدار نسخة طويلة منها يبلغ طولها نحو أربع ساعات. بعد عمل بطولي قام به خلال الحرب الأهلية الأميركية، يختار الملازم جون دانبار أن ينقل إلى موقع عسكري ناء ومعزول على تخوم الغرب الأميركي. هناك، وفي قلب البرية، تنشأ بينه وبين جماعة من شعب اللاكوتا علاقة صداقة وتفاهم تقوده تدرجاً إلى اكتشاف أسلوب حياة مختلف تماماً عما عرفه من قبل.
لكن هذا العالم الجديد الذي بدأ دانبار يجد فيه مكانه مهدَّد بالزوال مع التقدّم المتواصل للجيش الأميركي، الذي لا يترك وراءه سوى القليل من المساحة لهذه الحياة الوليدة. مع هذه الملحمة الضخمة، أعاد كوستنر إحياء الوسترن، وهو نوع سينمائي مات في بداية السبعينيات مع تبدل الاهتمامات في أميركا. سيعاد عرض الفيلم في صالة عادية، غداً، ذلك أن هناك من يفضل مشاهدته في ظروف أكثر تقليدية، خصوصاً من يولي أهمية للصوت الذي يكون في حال أفضل داخل صالة مغلقة. فيلم كلاسيكي آخر عرضه المهرجان في مناسبة خمسينية عرضه هو “سائق التاكسي” لمارتن سكورسيزي الذي فاز بهذا الفيلم بجائزة “السعفة الذهبية” في “كان”.
مهما قيل عن العنف الذي يولّده فيلم “سائق التاكسي”، فإنه يظل بالنسبة إلي واحداً من أكثر الأفلام رهافةً وحناناً. فطريقة سكورسيزي في التعامل مع شخصياته لا مثيل لها، مصوّراً سبعينيات القرن الماضي بقلب مفتوح، آخذاً إيانا في رحلة إلى أعماق البارانويا والوحدة، وسط مدينة تبدو أنها تعكس اضطرابات شخصياتها. فيلم عن الخلاص، قبل أعوام قليلة من “الثور الهائج”، من خلال الانحدار المذهل لترافيس بيكل إلى الجحيم الداخلي. وكيف يمكن أن ننسى روبرت دنيرو، وأداءه الآسر والمذهل لعزلة إنسان تائه في نيويورك، تلك المدينة التي لا تكتفي بأن تكون مسرحاً للأحداث، بل تتحول هي نفسها إلى شخصية كاملة في الفيلم؟
هكذا كله يجعل من “سائق التاكسي” عملاً عن الانهيار وفقدان البوصلة، في بلاد كانت لا تزال تعيش تحت وطأة حرب فيتنام. أميركا التي تنظر إلى نفسها في المرآة، وتكشف، عبر هذا البطل المضطرب وهذه المدينة القاسية، عن وجه ظلّ على الدوام موضعاً للفضول والتأمل.
من عروض “البيازا غراندي” أيضاً “أرموني” للإيطالي داريو ألبيرتيني الذي يصور قصة سائق شاحنة خمسيني يعيش وحيداً، وسيجد نفسه فجأة مسؤولاً عن رعاية ابنة شقيقته كارلوتا، البالغة من العمر ست سنوات، بعد اختفاء والدتها. وفي مواجهة هذا الظرف غير المتوقع، يجد أرموني الدعم إلى جانب باميلا، وهي امرأة متحوّلة جنسياً مسنّة، وجيني، جارته التي تنتظر مولوداً. لكن حياة أرموني الجديدة سرعان ما تواجه تهديداً حين تتدخّل الخدمات الاجتماعية وتلوّح بانتزاع الطفلة منه. أراد ألبرتيني تناول الروابط العائلية من زاوية الوحدة. فظهور ابنة شقيقته التي لم يكن يعرفها من قبل يدفع بطل الفيلم إلى مغادرة عالمه المألوف والخروج من دائرة راحته. وكان من الضروري بالنسبة إلى المخرج، وفق تصريح له، أن يظهر كيف يمكن لحدث غير متوقع أن يعيد إلى الإنسان إحساسه بالمسؤولية، وأن يوقظ فيه مشاعر ربما ظنّ أنها فقدت إلى الأبد.
لم يكن تاريخ الغرب الأميركي وحده حاضراً على “البيازا غرانديه”، فتداعيات الحرب العالمية الأولى هي الأخرى شقت طريقها مع فيلم “أنا هو آخر” لفيليكس رانداو الذي تبدأ أحداثه في خريف عام 1952، عندما تبدأ الصحافية هدا وزوجها فينفريد مهمة تبدو في ظاهرها صحافية بحتة: مواجهة فيليكس كيرستن، المعالج بالتدليك الذي كان مقرّباً من هاينريش هيملر، أحد أبرز قادة النظام النازي. يروي كيرستن أنه استغل نفوذه وعلاقته بهيملر لإنقاذ آلاف المعتقلين في معسكرات الاعتقال النازية، والإسهام في إطلاق سراحهم.
لكن هدا لا تثق بهذه الرواية، وترى أن وراء قصة الرجل جوانب غامضة تستحق التدقيق. وما إن تبدأ المقابلة حتى تتبدل طبيعتها بالكامل. فبدلاً من حوار صحافي تقليدي، يجد الطرفان نفسيهما في مواجهة نفسية مشحونة، تتداخل فيها الأسئلة بالمراوغة، والحقائق بالادعاءات، وتتحول المقابلة شيئاً فشيئاً إلى لعبة ذهنية دقيقة يحاول فيها كل طرف أن يفكك رواية الآخر ويكشف ما يخفيه. إنها مواجهة حول الحقيقة والذاكرة والمسؤولية، في محاولة لفهم الدور الحقيقي لرجل وجد نفسه في قلب آلة السلطة النازية، ثم قدّم نفسه لاحقاً بوصفه منقذاً للضحايا. فيلم يصفه المخرج بالكلام الآتي، “كل قصة لها ثلاثة جوانب: نسختكم ونسختي و… الحقيقة!”.