إذا كان ثمة خلاصة من حرب إيران، بعد سبعة أشهر على اندلاعها، فهي أنها كشفت حدود ما تستطيع القوة تحقيقه. وبمقدار ما فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل، بما تملكانه من تفوّق عسكري، في إخضاع إيران، فشلت الأخيرة في دفع الولايات المتحدة، ودول الخليج العربية، إلى الإقرار بسيادتها على مضيق هرمز، رغم الأضرار الفادحة التي لحقت بهم، جرّاء إغلاق المضيق واستهداف منشآت الطاقة. وفيما فشلت رهانات طهران في استجرار مواقف صينية وروسية داعمة بوضوح، أبرزت الحرب، في المقابل، هامشية أدوار البلدين في رسم مساراتها والتأثير في نتائجها. بهذا المعنى، أثبتت حرب إيران أن جميع الأطراف تمتلك القدرة على تقويض الاستقرار وفرض كلفة عالية على خصومها، لكن أيا منها لا تمتلك القدرة على إعادة تشكيل الإقليم وفق رؤيتها الخاصة. وعليه، لا تبدو نتيجة الحرب، بوضعها الراهن، خطوة نحو إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، بمقدار ما تعد تعبيراً عن مدى تراجع قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على إنتاج ترتيبات مستقرة ودائمة.
بالنسبة إلى إيران، يصعب إنكار أن بقاء النظام، بعد حرب استهدفت قيادته السياسية والعسكرية، ودمرت قدراته البحرية والجوية، يمثل إنجازاً مهماً. وفوق ذلك، تمكنت إيران من تغيير جوهر الصراع بنقلها التركيز من برنامجها النووي وسياساتها الإقليمية إلى مضيق هرمز الذي صار أداة ضغط مهمة في معادلات الأمن والطاقة العالميتين. لكن قدرة إيران على الصمود لا تعني قدرتها على إنتاج تسوية دائمة تحقق مصالحها. وهناك، أيضاً، شكوك حقيقية تتصل بقدرتها على الذهاب أبعد من حفظ بقاء نظامها، أخذاً بالاعتبار الأضرار التي لحقت بالبنية الاقتصادية الإيرانية، الأمر الذي سيجعل عملية إعادة الإعمار واستعادة النمو الاقتصادي تحدّياً طويل الأمد. غيرت الحرب أيضاً موازين القوى داخل النظام الإيراني لصالح المؤسسات الأمنية والعسكرية. ومع أن هذا قد يوفر للنظام قدراً أكبر من التماسك على المدى القصير، إلا أنه يحدّ من قدرته على إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية يحتاجها بشدة في مرحلة ما بعد الحرب. وبالنتيجة، ربما تكون إيران قد صمدت في وجه الحملة العسكرية التي استهدفتها، لكن قدرتها على معالجة التحدّيات التي أفرزتها الحرب صارت بالتأكيد أضعف.
بالنسبة لدول الخليج العربية، أظهر إغلاق مضيق هرمز صعوبة موقعها الجغرافي، وهشاشة نموذجها الاقتصادي على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها لتنويع اقتصاداتها الوطنية وتقليل الاعتماد على النفط والغاز. كما كشفت الحرب حدود المظلة الأمنية الأميركية والحاجة إلى استراتيجيات جديدة تقلّل الاعتماد على مزوّدي الأمن الخارجيين.
ورغم أن روسيا بدت في الظاهر من بين المستفيدين من الحرب نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، لكن هذه المكاسب تخفي اتجاهاً أكثر عمقاً، بعدما اتضحت محدودية قدرة موسكو على التأثير في مسار الأحداث. كما تبيّن، أيضاً، أن الشراكة مع إيران لا تمنح روسيا بالضرورة نفوذاً حاسماً في إدارة الأزمات الإقليمية، أو تجييرها لمصلحتها. فوق هذا، سلطت الحرب الضوء على التحدّيات التي تواجهها روسيا في الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران ودول الخليج في آن. فالمواقف التي اتخذتها موسكو خلال الأزمة أثارت تحفظات خليجية، في وقت لم تكن فيه قادرة على تقديم دعم حاسم لطهران. ولذلك، تتضاءل أهمية المكاسب الاقتصادية المؤقتة مقارنة بالتآكل الكبير الذي كشفت عنه الحرب في مكانة روسيا على الساحة الدولية، فيما هي غارقة في صراعها مع أوكرانيا.
ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة إلى الصين. فمن ناحية، عزّزت الحرب الانطباع بأن بكين أكثر مسؤولية في مقاربة الأزمات الدولية، وربما وفر انشغال واشنطن بصراع جديد في الشرق الأوسط للصين هامش حركة أوسع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لكن الحرب كشفت أيضاً حدود النفوذ الصيني في الشرق الأوسط. فقد عجزت بكين عن التأثير بصورة حاسمة في سلوك إيران خلال الأزمة، رغم اعتماد الأخيرة بشكل مفرط عليها من الناحية التجارية. في الوقت نفسه، تسببت مواقف الصين في توتر علاقاتها بأبرز شركائها التجاريين في منطقة الخليج. والأهم أن الصراع هدّد أحد المرتكزات الأساسية للاستراتيجية الاقتصادية الصينية، والمتمثل في استقرار طرق التجارة والطاقة العالمية.
في النتيجة، لم تؤدِّ حرب إيران إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط، كما توقع المتحمسون لها، بمقدار ما كشفت عن تراجع قدرة جميع الأطراف على الحسم وكسر إرادة الخصم، ولتدخل بذلك المنطقة، والعالم، في حالة من المراوحة المؤلمة في المكان.