ملخص
العقد الماضي في مصر أظهر مما لا يدع مجالاً للشك أن “الهوية” المتفق عليها والمسلم بها تحولت في غفلة من الجميع إلى منظومات مختلفة، بعضها يتواءم ويتقارب، وبعضها الآخر يتنافر ويتناحر.
لقاء مصور سريع في الشارع المصري للسؤال عن الجنسية. تتعجب الفتاتان من السؤال. “جنسية إزاي يعني؟!” وبعد محاولات للشرح وجهود للطرح، تجيب إحداهما “مسلمة الحمد لله”، وتثمّن الثانية إجابتها مومئة برأسها. مجموعة من الشباب والفتيات تراوح أعمارهم ما بين 20 و25 سنة احتاروا في تحديد “هوية” كل منهم. وتفاوتت الإجابات ما بين فيروز والبحر والبيت وماما وبابا والموسيقى والثقافة الفرنسية والحليّ الفرعونية (المصرية القديمة).
وأثناء لقاءات تلفزيونية في فقرات تهدف إلى إعادة زرع الهوية، أو غرس الانتماء، يقول المارة إن هويتهم مصرية أصيلة، أو وطنية خالصة، أو إسلامية قبطية حداثية، أو عربية إسلامية. وخلال لقاءات لا تذاع، أو تذاع في نطاقات محدودة مثل “بودكاست” محدود أو محتوى موجه عبر “الـسوشيال ميديا” لإثبات نظرية أو دحض فكرة، تظهر المشكلة الحقيقية والمعضلة الأساسية في هذا الإصرار العجيب الغريب على ترتيب عناصر الهوية ترتيباً هرمياً، إما تصاعدياً من الأقل إلى الأكثر أهمية، أو تنازلياً من الأهم فالأقل أهمية. وفي هذا الترتيب الهرمي، لا يتربع سوى مكون واحد، يجب وحتماً ولا بد في معظم الأحوال والإجابات من أن يكون الدين، فلا مجال لمزاحمة من مكونات أخرى أو منافسة من عناصر دنيوية من وطن أو ثقافة أو لغة أو غيرها.
مجريات الأمور في مصر على مدى عقود تنبئ بأن تغيرات عدة وتقلبات جذرية تلقي بظلال على الهوية المصرية ومفهوم المصريين عنها. وملامح التغيرات والتقلبات بدأت عقب هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وتطورت مع نهج الرئيس أنور السادات لخلط الدين بالسياسة لخدمة الأخيرة، وتلوّنت بألوان عصر الانفتاح خلال منتصف السبعينيات، ثم تعرضت لغسل دماغ ومعدة مع غزو نسخة التدين خلال السبعينيات والإسلام السياسي في القلب منها، وبعدها فعلت أعوام تجريف التعليم والثقافة أثناء الثمانينيات والتسعينيات ما فعلته بالهوية، وجاءت أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011 لتزيح الغطاء عن كم مذهل من التجاذبات والتخاصمات والتقاربات والمنافسات على حلبة الهوية.
شد وجذب
وتزخر حلبة الهوية المصرية على مدى أعوام ما بعد أحداث 2011 بكم غير مسبوق من الشد والجذب. والهوية التي كانت أمراً مسلماً به لا يحتاج إلى تفسير، أو يتطلب إنقاذاً، أو يستدعي استنفاراً رسمياً، أو تحفزاً من قبل مؤسسات وجهات تحمي مكاسبها، أو يشتت الجماهير الغفيرة، أو يعتقد بأنها متفق عليها، اتضح أنه مختلف عليها لدرجة الخلل.
قبل أيام، عُقد مؤتمر ضخم في “مكتبة الإسكندرية” تحت عنوان “الهوية الوطنية… جذور راسخة ورؤية متجددة”. المؤتمر ظاهره فعالية عادية معتادة، لكن باطنه يعكس مخاوف حقيقية ورغبات جادة في إعادة أو استعادة أو إعادة هيكلة الهوية المصرية، كل بحسب تعريفه. والتعريف تحدده الخلفية الثقافية والدينية والاجتماعية وتركيبة الانتماءات المختلفة والتجارب الحياتية والتأثيرات الاقتصادية وغيرها.
والمشاركون في المؤتمر مثلوا كل أطياف المصريين والغالبية المطلقة من أصحاب الرؤى والفكر والنظريات، وكذلك المناصب. من يرى أن الهوية دينية في المقام الأول والأخير، ومن يُعد الهوية لوحة فسيفساء تتسع للتاريخ والجغرافيا والحضارة والمعتقد واللغة وما يستجد، ومن يؤمن بأنها كائن حي يحيا ويجدد نفسه، ومن أتى مهموماً لأنها تمر بأزمة وجودية تهددها بالتحلل والزوال، ومن جاء مطمئناً أنها في أبهى صورها وأزهى عصورها، فحلقات من النقاش وأوراق بحثية وجلسات مغلقة، ووثيقة صدرت تحت عنوان “وثيقة مكتبة الإسكندرية للهوية الوطنية”.
ولأن العقد الماضي أظهر مما لا يدع مجالاً للشك أن “الهوية” المتفق عليها والمسلم بها تحولت عبر العقود، وفي غفلة من الجميع، إلى منظومات مختلفة، بعضها يتواءم ويتقارب، وبعضها الآخر يتنافر ويتناحر، عرّفت الوثيقة “الهوية المصرية” بأنها “منظومة الركائز المشتركة التي تشكلت عبر التاريخ الممتد للمصريين على أرضهم، من ذاكرة تاريخية جامعة وروافد حضارية متنوعة ولغة وقيم روحية وأخلاقية مستمدة من الأديان السماوية والموروث الحضاري المصري والتراث الثقافي والرموز الوطنية المشتركة التي يعي المصريون من خلالها انتماءهم إلى أمة واحدة، ويختلفون بها عن غيرهم، ويرتبطون في ما بينهم برابطة المواطنة التي يكفلها الدستور. وهي هوية متصلة في ركائزها، متطورة في أساليب التعبير عنها، وتتسع لجميع فئات المصريين، وتستوعب تفاعلهم مع محيطهم العربي والأفريقي والمتوسطي والإنساني”.
وجاء التعريف هادئاً آمناً مريحاً أشبه بالألوان المحايدة التي لا تزعج أحداً. الأبيض بدرجاته والرمادي بكثافاته والأسود بتدرجاته والبنّي بتجلياته. ولم يذكر التعريف مشاحنات الشد وصراعات الجذب بين أصحاب الأيديولوجيات المختلفة، وبينهم من لا يعي أنه يصارع بسبب الأيديولوجيا، بل يعتقد بأنه يجاهد في سبيل الله والدين ضد أعداء الله وكارهي الدين، أو من دفعته أحداث وحوادث العقد والنصف الماضيين إلى استبدال عباءة “القومية العربية” برداء الانتماء الأفريقي فقط، أو الولاء للحضارة المصرية القديمة فقط، أو الانتماء الديني وحده من دون قرين أو شريك.
هل يهتم الشارع بالهوية؟
واللافت أن حديث الهوية وأزمتها التي يبدو أنها كبيرة، وجهود الدولة لـ”الإنقاذ”، وجهود آخرين لحماية مكتسباتهم التي حققوها على حساب الانتماء، أمور لا تشغل سوى قلة من المصريين. فالغالبية منشغلة بقضايا حياتها اليومية من مصاريف مدارس وعمليات الحذف والإعادة لبطاقات التموين وأسعار المحروقات، ووصف (المدير الفني لمنتخب مصر الكروي) حسام حسن عن (حارس مرمى الأهلي محمد) الشناوي بـ”المنتهي”، وعدادات الكهرباء “الكودية” وشرائح الاستخدام، والباص الترددي الذي يدور حول القاهرة الكبرى، وسيارة (أحمد) العوضي من “ميتسوبيشي” إلى “مرسيدس”، والتطور الحادث في العلاج على نفقة الدولة، ونظام البكالوريا الجديد وآثاره على الدروس الخصوصية، وغيرها. وعلى رغم ذلك، فإن المتربصين بالهوية، أو في الأقل بعضهم، يجد في كل هم من هذه الهموم ثقباً أو ثغرة أو فرصة ينفذ منها إلى العقول والقلوب، فيطوعها في اتجاه هوية بعينها، أو يحركها لمصلحة أولوية محددة في الترتيب الهرمي للهوية.
تيار “أبناء كيميت” أو “الكمايتة” يواجه تيار الإسلاميين الذي يحوي سلفيين بدرجات تشدد متفاوتة، ومتعاطفين مع “الإخوان” بمراتب التعاطف المختلفة، ومتدينين بشدة لا تسمح لمظاهر الحياة المدنية بالتسلل إليهم أو إلى محيطهم، وهذا وذلك يجدان مرابطين أقصى يسار الطيف الثقافي الاجتماعي ممسكين بتلابيب القومية العربية والعروبة المغدورة، وكل ما سبق، على رغم الصوت العالي والحضور الصاخب، ولا سيما على الأثير، في مواجهة القاعدة العريضة من المصريين المنغمسة تماماً في تفاصيل يومها السابق ذكرها، مع ظهور واضح وطاغٍ لأثر “السلفيين” بدرجات تسلفهم المختلفة في حياتهم، ومن ثم هويتهم.
“أبناء كيميت” على سبيل المثال لا الحصر، تيار يتفق كثرٌ على أنه رد فعل بعضهم على الجهد الجهيد المبذول لـ”سلفنة” البلاد والعباد بطرق وأدوات مختلفة. وعلى رغم أن العدو الأكبر لمثل هذه التيارات التي تتمسك بـ”القومية المصرية”، لا العربية أو الإسلامية أو المسيحية، هم قادة وأتباع ومحبو التيارات الإسلامية، فإن بقايا اليسار والاشتراكية تقف على الجبهة المعارضة نفسها، في محاولة للحفاظ على “الهوية القومية العربية” وكذلك “الهوية الأممية الإنسانية” التي تنصر الضعفاء وتدعم المظلومين وتساند اللاجئين، إلخ.
ما سبق مجرد أمثلة للتجاذب على الهوية الذي ظهر على السطح بصورة مكثفة في أعقاب أحداث عام 2011، وكشّر عن أنيابه مع وصول جماعة “الإخوان المسلمين” إلى الحكم عام 2012، وحالياً يكشر عن أنيابه وقواطعه وضروسه مع صعود النجم السلفي من جهة، واللجوء إلى الحلول الدينية لكل مشكلة أو منظومة أو ملف من جهة أخرى.
ومداخل الهوية في مصر باتت متعددة، وأحياناً يصعب حصرها، والخطورة تكمن في صراعاتها، فيشير مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية جمال عبدالجواد إلى أن المدخل الأيديولوجي هو أشهر مداخل قضية الهوية.
ويقول في مقالة عنوانها “تجديد الحديث في مسألة الهوية” (سبتمبر- أيلول الماضي) إن “الهوية قضية محببة للمثقفين وأصحاب الأيديولوجيات، وإن لم تكُن كذلك لدى عموم الناس. وبين هؤلاء تيار يؤكد عروبة مصر، وآخر يؤكد إسلاميتها، وثالث يؤكد أن مصر هي نفسها ’كيميت‘ المصرية القديمة، أو الفرعونية، ورابع يؤكد انتماء مصر المتوسطي ذي المنحى الأوروبي”، محذراً من تبعات المدخل الأيديولوجي في قضايا القيم والثقافة والالتزامات السياسية، إذ إن “أنصار العروبة يؤكدون التزام مصر تجاه القضايا العربية، وأهمها فلسطين. ويؤكد القائلون بمصر الإسلامية الالتزام الفلسطيني، ويضيفون إليه التزامات أخرى بباقي قضايا العالم الإسلامي. العروبيون والإسلاميون يهيمون بالوحدة. الأولون يتمنونها عربية، فيما الأخيرون يتمنونها خلافة إسلامية”.
وفي خضم هذا التناحر الأيديولوجي، يلفت عبدالجواد إلى أن عموم المصريين لا يأبهون بكل ما سبق، قائلاً “يتمسك أنصار الأيديولوجيات بالنقاء والتماسك والاستقامة الأيديولوجية، في حين يمزج عموم المصريين بين بعض من توجهات هذا الفريق وبعض من توجهات الفرق المنافسة، من دون أي شعور بالتناقض”.
ثم ينتقل إلى مفهوم “الدولة المصرية” للهوية الوطنية الذي يراه متجاوزاً لصراعات أصحاب الأيديولوجيات، إذ لا يمكن اختزال الهوية المصرية في أحد وجهين، إما مصر القديمة أو مصر “المسلمة”، حيث الوجهين يمثلان معاً الهوية المصرية العميقة والمركبة والمتكاملة وغير القابلة للتجزئة أو التقسيم.
تحديات تواجه الهوية الوطنية
وعلى رغم هذه الصورة الوردية، يقول عبدالجواد إن الهوية الوطنية تواجه تحديات لا يجب تجاهلها، مشيراً إلى أنه على المستوى المجتمعي “تظهر مشكلة الهوية في علاقة التنافر بين مكونات الأمة. بعض المصريين يكرهون أن يشاركهم مصريون آخرون مطاعمهم وأحياء سكنهم ومدارسهم ومصايفهم”، قاصداً ما بات يعرف بـ”مصر في مقابل إيجيبت” بناء على التركيبة الطبقية والاجتماعية. ويقول إن “المشكلة ليست في تعدد الأنماط الثقافية، فهذه ظاهرة صحية، لكن في المبالغة في التعبير عن هذه الأنماط المتعددة، وفي المسافات الشاسعة بين أصحاب هذه الأنماط. هنا، تتحول المشكلة الاجتماعية إلى مشكلة هوية، فالإفراط في إبراز التفاوت، مع الفصل المبالغ فيه بين مكونات المجتمع في السكن والترفيه والتعليم والتحرك في الفضاء العام “يخلق مسافة نفسية مجتمعية شاسعة بين مكونات الأمة، فتبدو كأنها أمتان”.
في سياق مشابه، يرى الطبيب والكاتب محمد أبو الغار الهوية المصرية في مقالة عنوانها “الهوية المصرية إلى أين؟” (مايو- أيار 2025) أن الهوية المصرية تبلورت بوضوح ودقة شديدة أثناء ثورة 1919 وبعدها، حين توارت الهويات المتعددة الثقافية والاجتماعية والمادية والدينية، وتوحدت في هوية واحدة وأصبح اسمها الهوية المصرية. وعلى رغم ذلك، حاولت تيارات مختلفة ظهرت في مصر أن تغير مجرى هذه الهوية المصرية، بين تيار العروبة الذي توارى اسم مصر أحياناً فيه لفرط الحماسة والاندفاع، لكن بعد هزيمة 1967، بدأ غطاء الهوية العربية ذات الصوت الزاعق الذي غطى على الهوية المصرية يتفتت.
ويرى أبو الغار أنه على رغم بقاء بعض الانتماء العربي في الهوية المصرية، فإنه فقد بريقه ولم يبقَ منه سوى تأثير اللغة، وهي مكون مهم في الهوية. ويشير إلى روافد التاريخ المصري القديم، وأثره على الهوية المصرية “إلى حد ما”، وإن بقيت الغالبية غير مدركة أسباب الإعجاب والاندهاش لهذه الحضارة القديمة. ويقول “وزاد الأمور صعوبة ما أشيع أن التماثيل حرام في بعض التفاسير الإسلامية، وسمى المصريون أعمال القدماء الخالدة بالمساخيط”. وأشار أبو الغار إلى اهتمام بعض المثقفين المصريين بعد ثورة 1919 بأعمال المصريين القدماء والكتابة عنها. وخلال العصر الحديث، توسّعت الكتابة عن الحضارة القديمة وزيارات تلاميذ المدارس للمعابد وتفتحت العقول، فبدأت الحضارة المصرية القديمة تأخذ على استحياء جزءاً بسيطاً من الهوية المصرية، لكنه لم ينصهر بعد ليصبح مكوناً أساساً من الهوية.
ويطرق أبو الغار باب صعود التيار الإسلامي وما فعله بالهوية المصرية، لافتاً إلى أنه مع صعود هذا التيار خلال العقود الأخيرة، “بدأ الدين يحتل جزءاً كبيراً من هوية المصريين، وينطبق ذلك على المسلمين والمسيحيين، حتى أصبحت الهوية المصرية عند نسبة كبيرة من المصريين يطغى عليها المكون الديني. ووصل الأمر إلى أن يكتب بعضهم في خانة الجنسية في أية استمارة “مسلم” أو “مسيحي”، بدلاً من مصري. ويرى أبو الغار في طغيان الدين على الهوية مشكلة كبرى تضعف الهوية والجانب الوطني والانتماء.
وعودة لـ”مكتبة الإسكندرية”، إذ جاءت الأوراق المقدمة والمناقشات معبرة عن معضلة الهوية. البعد السياسي والعامل الاقتصادي والأسرة والتحولات الكبرى والصغرى والاستهداف الخارجي ورؤية جماعات الإسلام السياسي والإعلام والدراما والمجتمع المدني والمؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية والخطاب الثقافي والذكاء الاصطناعي و”السوشيال ميديا” والأجيال الشاب والصغيرة والتعليم واللغة، وتوصيف الوضع الحالي للهوية المصرية والمأمول لها.
