ملخص
يرى الأمير ويليام أن حرائق الصيف كشفت إلحاح أزمة المناخ، لكنها أظهرت أيضاً أن الحلول موجودة وناجعة. ويدعو إلى التحلي بروحية التفاؤل المقرون بإدراك حجم الخطر والثقة بإمكان مواجهته، عبر توسيع نطاق الابتكارات البيئية الناجحة وتسريع تطبيقها عالمياً.
أحدثت حرائق الغابات هذا الصيف دماراً واسعاً. وصراحة، تبدو الأضرار التي خلفتها مقلقة للغاية. وإننا لنعرب عن بالغ امتناننا لفرق الإطفاء وخدمات الطوارئ الشجاعة، وللمزارعين وفرق الاستجابة المحلية الذين يكافحون الحرائق، وللعاملين في “هيئة الخدمات الصحية الوطنية” (أن أتش أس)، والمجتمعات المحلية، وغيرهم ممن يساندون المتضررين.
الآن، تتمثل الأولوية لدى كثيرين في التعافي وإعادة البناء، غير أن هذه الحرائق تأتي لتذكرنا بقوة بالأخطار المرتبطة بمناخ آخذ في الاحترار، وتسلط الضوء على التحديات الناجمة عن أنماط من الطقس أصبحت أقل قابلية للتنبؤ وأكثر تطرفاً.
ولكن ما لا يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام هو حجم العمل الهائل الجاري بالفعل لمواجهة هذه الأخطار وبناء مستقبل أكثر أماناً. ففي مختلف القطاعات، يطور الناس حلولاً، ويعملون على مساعدة الطبيعة في استعادة عافيتها، ويسرعون عجلة الانتقال إلى الطاقة النظيفة.
تتطلب هذه الأزمة تحركاً عاجلاً. ولكن من دون الإيمان بإمكان التغيير، يمكن أن نشعر بالعجز أمام حجمها. أما التفاؤل، فيمنحنا الثقة بقدرة جهودنا على إحداث فرق. ونحن في حاجة إلى كليهما.
وهذا ما أسميه التفاؤل المقرون بالعمل، أي أن نرى الخطر بوضوح، وأن نؤمن في الوقت نفسه بقدرتنا على التصدي له. فللمرة الأولى في التاريخ، لا يكمن التحدي الأكبر الذي نواجهه في ابتكار الحلول، بل في تطبيق الحلول التي نعرف بالفعل أنها ناجعة، وتوسيع نطاقها.
ولا ينطوي ذلك على سذاجة أو أمل أعمى، بل على تفاؤل يستند إلى أدلة. وأعتقد أن من شأن قدرتنا على التعامل مع الأزمة أن تكون القصة الأبرز في هذا العقد.
منذ انطلاق جائزة “إيرث شوت” Earthshot Prize [مبادرة بيئية عالمية أطلقها الأمير ويليام عام 2020، وتستهدف دعم وتشجيع الابتكارات والحلول العاجلة لإصلاح كوكب الأرض]، كان لقاء الأشخاص الذين يقفون وراء حلول جذرية تصنع فارقاً من أعظم الامتيازات التي حظيت بها.
ينتمي هؤلاء إلى بلدان وثقافات وأجيال مختلفة، ويأتون من مختبرات وشركات ومؤسسات عامة ومجتمعات تقف في الخطوط الأمامية. يعمل بعضهم على توسيع نطاق تطبيق أساليب جديدة لإنتاج الطاقة وتخزينها واستخدامها، بينما ينكب آخرون على استعادة النظم الإيكولوجية، وإنشاء مدن أكثر صحة واستدامة، أو الاستفادة من معارف صقلتها أجيال متعاقبة لمواجهة تحديات أصبحت أشد إلحاحاً في عصرنا.
وقد شهد كثر منهم من كثب الأثمان البشرية والبيئية لهذه الأزمة، ويدركون تماماً العقبات وضرورة التحرك العاجل. كذلك أمضوا أعواماً في اختبار الأفكار، وبناء التحالفات، والتعلم من الانتكاسات، وتحسين ما يثبت نجاحه.
قلما تتصدر قصص هؤلاء الصفحات الأولى من الأخبار، ولكنهم يغيرون العالم في صمت. ويبرهنون، مجتمعين، أن التقدم ليس مجرد أمل.
فقد أسهم المتأهلون إلى نهائيات جائزة “إيرث شوت” بالفعل في تفادي انبعاثات تعادل 18 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون أو احتجازها، وحماية ما يربو على 85 مليون هكتار من المحيطات والسواحل واستعادة حالتها الطبيعية، وتحسين جودة الهواء في مناطق تحتضن 600 مليون شخص.
تكتسي هذه الأرقام أهميتها لأنها تعبر عن تغيرات يمكن أن نلمس آثارها اليوم، من بينها هواء أنظف، وبحار أكثر صحة، وطاقة موثوقة، وسبل عيش أفضل.
ففي بوغوتا، ضخ قادة المدينة المتعاقبون استثمارات في وسائل نقل عام أنظف، وسهلوا على السكان التنقل سيراً على الأقدام أو باستخدام الدراجات. ومنذ عام 2018، انخفض تلوث الهواء السام بنسبة 24 في المئة، على رغم النمو المستمر الذي تشهده المدينة.
وفي مختلف أنحاء أفريقيا، قدمت مؤسسة “دي لايت” d.light للتنمية الاجتماعية حلول الطاقة الشمسية بأسعار ميسرة لأكثر من 200 مليون شخص. ولا يقتصر أثر الحصول على الطاقة النظيفة على الحد من التلوث، بل يمتد ليوفر الإنارة بعد غروب الشمس للجميع، بدءاً من القابلات وأصحاب المتاجر، وصولاً إلى 90 مليون طفل يتابعون دراستهم. وتهدف المؤسسة إلى الوصول إلى مليار شخص بحلول عام 2030.
وفي كازاخستان، نجحت مبادرة “ألتين دالا” للحفاظ على الطبيعة في انتشال ظبي “السايغا” من حافة الانقراض، حتى تجاوز عددها 3 ملايين، كذلك أعادت حصان “برجفالسكي” إلى السهوب بعد غياب دام 200 عام. وتعيد هذه التجربة إلى الأذهان بقوة أن تعافي نوع حي واحد يسهم في إعادة منظومة إيكولوجية بأكملها إلى الحياة.
وبعد عقدين من الدبلوماسية، أرست “معاهدة أعالي البحار” High Seas Treaty الإطار العالمي الأول لإنشاء مناطق محمية في ثلثي محيطاتنا الممتدة إلى ما وراء الحدود الوطنية. وأعمال من هذا القبيل كفيلة بتحويل هدف حماية 30 في المئة من اليابسة والبحار بحلول عام 2030 إلى واقع.
والحال أن الحلول لا تحتكرها دولة أو قارة بعينها. فقد تأتي من أي مكان، وينبغي أن يشجعنا هذا جميعاً.
غير أن المضي قدماً بهذه الحلول يتطلب أشخاصاً مستعدين لتمويلها، وتبنيها، ودفعها إلى أبعد الحدود. ومتى تحقق ذلك، يمكن لنجاح واحد أن يجعل النجاح الذي يليه أسهل، فتنخفض الكلف، وتنمو الثقة، وتنتشر الحلول. وهكذا، يبدأ التقدم في تعزيز مزيد من التقدم.
في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تستضيف مدينة مومباي جائزة “إيرث شوت”، في وقت تقدم فيه الهند نموذجاً عملياً لما يمكن أن يحققه التغيير عندما يحدث على نطاق واسع. ولدى الهند عدد من المتأهلين إلى نهائيات الجائزة والفائزين بها يفوق ما لدى أي دولة أخرى، كذلك تجمع هذه البلاد بين إبداع استثنائي، ومواهب علمية، وقدرة لافتة على إحداث تغيير واسع النطاق.
وتقدم تجارب المتأهلين الهنود السابقين إلى نهائيات “إيرث شوت” أمثلة عملية على ذلك. فالدفيئات الزراعية المنخفضة الكلفة التي طورتها “خيتي” Kheyti [مؤسسة اجتماعية هندية] تساعد صغار المزارعين، الذين يشكلون ركيزة أساسية لنظام الغذاء في الهند، على حماية محاصيلهم الزراعية ومداخيلهم من أنماط الطقس التي تزداد تطرفاً. وتحظى “خيتي” الآن بدعم ست حكومات إقليمية في الهند. كذلك تستخدم “أس 4 أس” S4S [شركة هندية للتكنولوجيا الزراعية] معدات تعمل بالطاقة الشمسية للحد من هدر الغذاء، بالتعاون مع 10 آلاف رائدة أعمال. وعلى الساحل الغربي للهند، العمل جار الآن على تطبيق السوق الرائدة التي أنشأتها ولاية غوجارات للحد من تلوث الهواء الضار في منطقتين كبيرتين أخريين، هما راجستان وماهاراشترا، وقريباً في مدن أخرى من دول الجنوب العالمي.
وتلك استجابات لتحديات تتجاوز تداعياتها حدود الهند بأشواط.
نعلن هذا الأسبوع أسماء 15 متأهلاً جديداً إلى نهائيات “إيرث شوت”. وهؤلاء جميعاً نماذج تحتذى في مجالاتهم، إذ تتصدى أعمالهم لبعض الضغوط التي طغت على المشهد هذا الصيف، إلى جانب ضغوط أخرى كثيرة لا تزال بعيدة من الأنظار.
لقد استحوذت حرائق الغابات على اهتمام العالم، بيد أن الجهود الرامية إلى الحد من أخطارها وتقليص تداعياتها جارية بالفعل، شأنها شأن الحلول الهادفة إلى تحسين جودة هوائنا، وإصلاح مناخنا، وإنعاش محيطاتنا، والقضاء على الهدر، واستعادة الطبيعة عافيتها.
رأيت حلولاً أثبتت نجاحها بالفعل، ولمست الأثر الذي تستطيع تحقيقه، ما يبعث في نفسي التفاؤل. ولكن إدراكي أننا لم نعد نملك ترف الوقت لإنجاز تحسينات طفيفة، خطوة تلو خطوة، وأن التغيير لا بد من أن يشمل مختلف جوانب النظام وأن يكون واسع النطاق، يفرض علي إحساساً بالإلحاح.
إنه التفاؤل المقرون بالعمل: الثقة التي تدفعنا إلى التحرك لأننا نرى بالفعل الحلول التي تثبت نجاحها، والعزم على توسيع نطاق تلك الحلول إلى المستوى الذي تقتضيه هذه اللحظة. أما حرائق الغابات التي شهدناها هذا الصيف، فتذكرنا بأهمية التفاؤل الفاعل. وفي مقدورنا، بل يتعين علينا، أن نجعل الأعوام المتبقية من هذا العقد ذات جدوى حقيقية.
© The Independent
