لكل قضية جمهورها وحراسها، وفي الحالة السورية اليوم، يظهر هؤلاء الحراس بأشكال مختلفة؛ إذ ينصّب أشخاص أنفسهم للدفاع عن قضية أو رواية، ثم يتحولون مع الوقت إلى أصحاب سلطة على جمهورهم: يحددون ما يجب أن نصدقه، ومن يستحق أن نقف إلى جانبه، ومن يصبح في الجهة الأخرى.
لم يعد الإعلام وحده مَن يملك الجمهور. فقد صار الفرد قادراً على بناء جمهوره الخاص، والتحدث إليه مباشرة، وصناعة روايته بعيداً عن المؤسسة وقواعدها. ومع اتساع هذا الجمهور، قد ينتقل المؤثر من صاحب رأي إلى مرجع، ومن شخص يدافع عن رواية إلى شخص يريد من الآخرين أن يروها كما يراها هو.
لكن هذا التحول لا يحدث فجأة. فكيف يصل شخص لديه رأي إلى هذه المكانة؟ ومتى يتحول الجمهور الذي يتابعه إلى قوة تمنحه سلطة تتجاوز مجرد التأثير؟
تحدثت فاطمة رومية، أخصائية الأفراد والثقافة المجتمعية والحاصلة على إجازة في الإعلام، إلى موقع تلفزيون سوريا عن شخصية المؤثر وكيف تتشكل علاقته بجمهوره، قائلة:
إن شخصية المؤثر لا تتشكل بصورة فجائية، وليس من المؤكد أن يدخل هذا المجال منذ البداية بهدف معلن. فأحياناً يبدو، في البداية، شخصاً لديه رأي أو تجربة أو رواية، ثم يكتشف أن هناك أشخاصاً يرون أنفسهم في آرائه. وليس بالضرورة أن يكون هو مَن خلق لديهم الفكرة أو الشعور، لكنه يصبح، مع الوقت، مصدر ثقة بالنسبة إلى الجمهور، فيعودون إليه لتحليل حدث ما أو متابعة موقفه منه.
توضح فاطمة رومية أن التحول من “أنا لدي رأي” إلى “أنا حارس للحقيقة” لا يحدث دفعة واحدة. فقد يبدأ الشخص من إيمان حقيقي بقضية ما، ومن شعور بالمظلومية، فيجد نفسه في موقع الدفاع عنها. لكن هناك فرقاً، بحسب رومية، بين أن يقول الشخص: “أنا أدافع عن قضية”، وأن يقول: “أنا أعرف ما هو الصواب فيها”.
في الحالة الأولى، يبقى هناك احتمال أن يكون مخطئاً، أو أن يرى شخص آخر القضية من زاوية مختلفة. أما في الحالة الثانية، فيضع الشخص نفسه في موقع المرجع للحقيقة، ولا يعود المختلف معه شخصاً لديه قراءة أخرى، وإنما شخصاً مداناً أو واقعاً تحت تأثير مصالح أخرى.
ما تفعله الحكاية بالذاكرة
هذه العلاقة ليست جديدة، وإن تغيرت الأدوات. فقد كان المؤثر موجوداً بأشكال مختلفة، من الخطيب والزعيم إلى الكاتب في الجريدة والمذيع في الراديو والتلفزيون، وصولاً إلى المؤثر على منصات التواصل. أما الجديد فهو سرعة الوصول وحجم الجمهور الذي يستطيع الفرد بناءه من حوله.
لكن الانتشار لا يعني بالضرورة أن صاحبه أكثر معرفة، أو أن ما يقوله أكثر صحة.
يقول سعيد خليفة، خبير التسويق الرقمي والباحث في سلوك الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن الجمهور اليوم يخلط فعلياً بين الانتشار والصحة؛ فكثرة المتابعين تُقرأ، لا شعورياً، بوصفها دليلاً على المصداقية، رغم أن الرقم لا يقيس سوى القدرة على الانتشار، لا دقة المحتوى.
ومع الوقت، يمنح الجمهور المؤثر مكانة أكبر؛ فلا يعود شخصاً يملك رأياً يتابعه الناس، وإنما شخصاً يعودون إليه لفهم ما يحدث وتكوين موقف منه.
حين يصبح للحقيقة جمهور
وتقول رومية إنه، مع الوقت، قد يتبنى الجمهور قراءة الحارس نفسها، خصوصاً عندما تتحول الثقة به إلى انصياع لمواقفه، فينتظر منه تحديد الموقف، أو يطالبه بمهاجمة مَن يختلف معه. عندها تتسع سلطة الحارس ومكانته، وقد تأتي معها مكافآت أخرى، مثل النفوذ والشهرة أو الدعم من جهات تستفيد من خطابه.
ويحدد خليفة اللحظة التي يتحول فيها المؤثر من شخص لديه جمهور إلى سلطة على جمهوره حين يتوقف الناس عن سؤاله: “ما رأيك؟”، وينتقلون إلى انتظار إجابته عن سؤال: “ماذا يجب أن يكون رأينا؟”. ويظهر ذلك عندما يعتمد الجمهور عليه في تحديد موقفه، أو يهاجم مَن يختلف معه دفاعاً عنه، ويتحول أي نقد للمؤثر إلى “خيانة” للجماعة التي يمثلها.
عندها لا تعود القضية مجرد شخص لديه متابعون، وإنما تصبح متعلقة بشخص يملك القدرة على تحديد الموقف ورسم الحدود بين “نحن” و”هم”.
وترى رومية أن النقلة الأخطر تحدث عندما تصبح القضية جزءاً من هوية الشخص ومكانته؛ فلا يعود موقفه: “أنا مع هذه القضية”، وإنما: “أنا أعرف ما هو الموقف الصحيح منها، ومَن يخدمها فعلاً”.
ومن هنا، بحسب رومية، تنطلق فكرة “نحن” و”هم”. وقد يكون وجود الآخر المختلف عاملاً في جمع الأشخاص حول خصم مشترك، وأحياناً أكثر مما تجمعهم التفاصيل المشتركة بينهم. ولا تكمن المشكلة في وجود خصم حقيقي أو اختلاف حقيقي، وإنما في أن يصبح الاختلاف نفسه دليلاً على الانتماء إلى الجهة الأخرى؛ فإذا كنت معنا في القضية، فلماذا تنتقد؟ ولماذا لا تتبنى رأينا بالكامل؟.
خلال السنوات الأخيرة، تحولت صفحات وحسابات شخصية سورية إلى مساحات مؤثرة في نقاشات عامة تتصل بالعدالة الانتقالية والسلم الأهلي وشكل الدولة وقضايا الانتماء والهوية. وفي بعض هذه النقاشات، لم يعد صاحب الصفحة يكتفي بعرض موقفه، بل صار طرفاً فاعلاً في تحديد اتجاه النقاش، وفي رسم صورة المتهم والضحية، والصواب والخطأ.
وهنا تدخل الخوارزميات على الخط، يقول خليفة إن الخوارزمية لا تخلق قابلية التأثير من فراغ، لكنها تضخمها؛ إذ تأخذ أي إشارة أولية إلى هذه القابلية، مثل الطلاقة أو الجرأة أو وضوح الموقف، وتعيد توزيعها على نطاق واسع وبسرعة لم تكن ممكنة في الوسائط الإعلامية السابقة.
وبذلك، يمكن لميزة صغيرة لدى شخص ما أن تتحول، خلال وقت قصير، إلى ظاهرة كبيرة.
عندما يصبح الراوي أسيراً لمن يسمعه
لكن الجمهور لا يتأثر بالمؤثر فقط؛ فأحياناً يبدأ المؤثر نفسه بالتأثر بجمهوره.
يتحدث خليفة عن مفهوم “أسر الجمهور”؛ فعندما يكتشف المؤثر أن موقفاً معيناً يزيد التفاعل، قد يتعلم تكراره وتصعيده، حتى لو ابتعد تدريجياً عن قناعته الأصلية. ومع كل تفاعل جديد، يصبح من الصعب عليه التراجع أو تقديم موقف مختلف، لأن الجمهور الذي بناه بدأ يتوقع منه نوعًا محددًا من الخطاب.
وهكذا، قد يصبح المؤثر أسيراً للصورة التي صنعها جمهوره عنه، أو للصورة التي اكتشف أنها تمنحه أكبر قدر من التفاعل.
ولا ترى رومية أن المؤثرين جميعاً ينتمون إلى النوع نفسه؛ فهناك مؤثر إيجابي وآخر سلبي، وهناك مَن ظهر بصورة عفوية، ومَن هو مدعوم أو موجّه، كما يمكن أن تجتمع هذه العوامل كلها لدى الشخص نفسه.
وفي هذه البيئة، لا تكون الخطابات الغاضبة أو المثيرة مجرد مواقف عابرة. فالمحتوى الذي يدفع الجمهور إلى اتخاذ موقف من شخص أو جماعة قد يكون أكثر قابلية للانتشار من المحتوى الذي يفتح نقاشاً حول فكرة، لأن استهداف “الخصم” يحوّل القضية إلى مواجهة بين طرفين.
وهنا يصبح الفرق واضحاً بين مؤثر يدفع الناس إلى التفكير في قضية، وآخر يدفعهم إلى اتخاذ موقف من أشخاص.
الأول يترك للجمهور مساحة للتفكير المستقل، أما الثاني فيختصر القضية في “نحن” و”هم”، ويجعل الخلاف مع الآخر جزءاً من الدفاع عن القضية نفسها.
الطرف الثالث وصناعة الرموز
يشير خليفة إلى أن قوة العلاقة بين المؤثر وجمهوره قد تستقطب أطرافاً أخرى تحاول الاستفادة منها لتحقيق مصالح معينة؛ بدءاً من المؤسسات أو الجهات التي لديها رسالة تريد إيصالها، ووصولاً إلى جهات التمويل ووسائل الإعلام والخوارزميات.
لذلك، عندما ينتشر خطاب ما بسرعة، لا تكفي معرفة أن الجمهور يثق بالمؤثر؛ بل يصبح من الضروري النظر في سبب وصول هذا الصوت تحديداً، وكيف انتشر، ومَن يمكن أن يستفيد من انتشاره.
وهنا لا يتعلق الأمر دائماً بوجود جهة تقف خلف المؤثر بصورة مباشرة، فقد تكون العلاقة أكثر تعقيدا: جمهور يكافئ خطاباً معيناً، وخوارزمية تدفعه إلى مزيد من الناس، ومؤثر يكتشف أن هذا الخطاب يمنحه حضورا أكبر، فتبدأ الدائرة بالدوران.
وفي هذه النقطة تحديدا، يختلف المؤثر الفرد عن المؤسسة الإعلامية. فالمؤسسات تملك قواعد مهنية وآليات للمراجعة والتصحيح والمساءلة، في حين قد يمارس المؤثر وظائف كانت مرتبطة بالمؤسسات، مثل تفسير الأحداث وتوجيه الرأي العام وتحديد مَن يُدان ومَن يُبرَّأ، من دون أن يخضع بالضرورة للضوابط نفسها.
وهنا تظهر خطورة أخرى: فالمؤسسة، مهما كانت حدودها وأخطاؤها، تعمل ضمن قواعد يمكن مساءلتها وفقاً لها، في حين لا تحكم الفردَ بالضرورة القواعدُ نفسها، رغم أن حجم تأثيره قد يقترب أحياناً من تأثير مؤسسة كاملة.
وعندها لا يعود الأمر متعلقاً فقط بمَن يملك الجمهور، وإنما بما يفعله بهذا الجمهور.
وهنا تبدأ مسؤولية الجمهور في علاقته بالمؤثر: أن نأخذ منه ما يناسبنا، من دون أن نعطيه عقولنا كاملة، وحين يكون الموضوع مهماً وجوهرياً، أن نبحث ونعود إلى المصدر، ونتأكد من صحة الحدث ومن طريقة معالجته، بدلاً من أن نكتفي بما يقوله شخص نثق به.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية في الحالة السورية، التي تمر بتحولات كبيرة وتحتاج إلى جهد طويل وإعادة بناء على مستويات كثيرة. فهناك فرق بين خطاب مؤثر يقوم على النقد وفتح النقاش، وخطاب يقوم على التخوين والتحريض. وما يقوله شخص يمتلك جمهوراً لا يتوقف أثره عنده؛ فالمعالجة الخاطئة قد تزيد الانقسام والخوف، وتعمّق انهيار الثقة بين أطراف المجتمع الواحد.
لهذا، لا تتعلق المسألة فقط بمَن يملك الجمهور، وإنما بكيفية استخدام هذا الجمهور، وبقدرة الناس على الاحتفاظ بمساحتهم الخاصة في التفكير، حتى وهم يستمعون إلى مَن يثقون به.
فالمؤثر يستطيع أن يفتح باباً للنقاش، كما يستطيع أن يحوّل الخلاف إلى خصومة، والنقد إلى تخوين، والاختلاف إلى انقسام. وفي بلد ما زال يحاول إعادة بناء ثقته بنفسه وبأفراده، تصبح هذه المساحة الصغيرة من الوعي مسؤولية لا يمكن تركها للحارس وحده.
أخطر ما في حارس الحقيقة أنه لا يكتفي برواية القصة، بل يسعى أحيانا إلى احتكار حق روايتها.
وفي سوريا، حيث ما تزال الذاكرة جزءا من الخلاف، وحيث تتشكل روايات جديدة عن سنوات الصراع وما خلّفته، تصبح سلطة مَن يروي أكثر حساسية. فالرواية التي يكررها صاحب الجمهور لا تبقى محصورة في صفحته؛ إذ يمكن أن تتحول إلى موقف جماعي، وإلى حكم على أشخاص، وإلى طريقة للنظر إلى ما حدث ومَن كان على حق.
لهذا، لا تكمن المشكلة في أن يكون للمؤثر جمهور، ولا في أن يكون للناس أشخاص يثقون بهم. وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول الثقة إلى تفويض كامل، وعندما يصبح اختلافك مع صاحب الرواية دليلًا على أنك تقف في الجهة الأخرى.
أن نسمع المؤثر لا يعني أن نمنحه حق التفكير نيابة عنا، وأن نثق بروايته لا يعني أنها الرواية الوحيدة الممكنة.
فالحقيقة لا تحتاج إلى حارس واحد. وحين يصبح شخص واحد قادرًا على أن يقرر للآخرين ماذا يرون وماذا يصدقون، لا يعود الخطر في كونه مؤثرًا، بل في أننا توقفنا عن التفكير خارج إطار رؤيته.
