ملخص
رسالة المرشد الجديد، الذي لم يظهر حتى الآن، في خصوص مذكرة التفاهم، أظهرت ميلاً واضحاً لمواصلة الصدام، ورغبة مشروطة في السلام، أما رسالته الثانية في مناسبة التشييع فكانت رسالة ثأر ووعد بالانتقام. ولا يقود كل ذلك سوى إلى الحرب.
كان صعباً توقع أن يسود الهدوء ويسلك السلام دروبه بعد حرب إيران ومذكرة التفاهم المتفق عليها في الـ18 من يونيو (حزيران) الماضي. فهذه المذكرة حملت أوهاماً في مستوى الأحلام، ولم تقدم حلولاً مباشرة بقدر ما جعلت المعنيين بها يأملون. لم يكن فيها من إشارة إلى أسباب الحرب بقدر ما حمل نصها من إشارات إلى نتائجها. ففي الملف النووي الذي رُفع دوماً عنواناً للمشكلة، تراجع هذا “السلاح” من كونه منتهياً في حرب يونيو إلى وضعه بنداً في جدول أعمال لمفاوضات يمكن أن تكون مفتوحة. وتقدمت إلى الأمام في المقابل عناوين فرضتها إيران، في مقدمها مستقبل مضيق هرمز والتفاوض على لبنان وكأنه جزء من جزر الخليج التي تحتلها إيران وتتمسك بها.
صمت كثر على طبيعة مذكرة التفاهم الملتبسة. ماذا عن دول الخليج العربية التي تتعرض لعدوان مفتوح من جانب إيران؟ وماذا عن حرية الملاحة في خليج العرب وبحره؟ وما قيمة أن تشارك دولتان عربيتان في أعمال الوساطة ثم تتعرضان لعدوان مستدام؟
لم تغيّر مذكرة التفاهم في سلوك إيران. هي نصت على حرية الملاحة في مضيق هرمز المفتوح، لكن طهران سعت إلى العكس: تقييد الحركة وفرض رسوم، ثم معاقبة المعترضين بقصفهم.
كان ضرب الناقلتين السعودية والقطرية ذروة في التحدي في لحظة الهياج الشعبي المنظم في مناسبة تشييع المرشد علي خامنئي، وعشية الاجتماع المهم الذي سيعقده حلف “الناتو” في تركيا بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب. بدت القيادة الإيرانية الأمنية واثقة من قدرتها ليس على فرض شروطها في المضيق، وتحضير “حزب الله” في لبنان إلى حرب إسناد ثالثة، بل من قدرتها على تهديد حياة ترمب والمسؤولين الأميركيين أنفسهم. ففيما كان يجري حشد جمهور المشيعين من إيران إلى العراق تحت شعارات الانتقام، كتبت صحيفة “كيهان”، التي يشرف عليها ممثل المرشد الإيراني، في صدر صفحتها الأولى الأربعاء الثامن من يوليو (تموز)، “نريد رأس ترمب”. وكتب حسين شريعتمداري، ممثل المرشد في الصحيفة: ينبغي الإعلان رسمياً أن إيران ترى أن ترمب والطيارين الذين شاركوا في مقتل علي خامنئي، “مهدورو الدم”، وأنها ستقوم “بقتلهم” أينما عثرت عليهم.
وجاء التشدد الإيراني في لبنان تتمة طبيعية في سياق تشديد المواجهة مع الإقليم والولايات المتحدة الأميركية. بعد الإصرار على الإمساك بالمضيق، ومن ثم الخليج العربي وبحر عُمان، كانت النقطة الثانية في جدول أعمال التصعيد الإيراني رفض أي محاولة من جانب الدولة اللبنانية للتفاوض في شأن إزالة الاحتلال الإسرائيلي واستعادة سيادة المؤسسات الشرعية اللبنانية على أرضها.
رفضت إيران، قبل “حزب الله” الذي التحق بها، أي تفاوض لبناني – إسرائيلي بوساطة أميركية، بل هاجمت رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين واتهمتهما بالخيانة.
وانتقدت صحيفة “سياست روز” المقربة من التيار المتشدد والحرس الثوري، الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي، لأنه، بنظرها، “يمنح إسرائيل مكاسب أمنية وسياسية على حساب السيادة اللبنانية، ويكرّس الاحتلال، ويفتح باب التطبيع التدرجي من دون ضمان انسحاب كامل”.
وشنت صحيفة “كيهان” المتشددة هجوماً حاداً على الرئيس اللبناني، ووصفته بعميل “الموساد”، ورأت أن الاتفاق يخدم إسرائيل على حساب السيادة اللبنانية وأن بنوده أحادية الجانب.
بين المضيق ولبنان، إذاً، اكتملت عناصر الحرب الإيرانية، تكريساً “للسيادة” الفارسية في هرمز، ومحاربة للاستسلام و”الخيانة” على الضفة اللبنانية.
ولبنان، بعد خسارة إيران لمواقعها في سوريا، هو الاختبار الأخير، في نظر خبراء، لصدقية إيران الإقليمية لدى جماعات أخرى، خصوصاً في اليمن والعراق. فصمت آيات الله ونظامهم المطبق حول غزة ومستقبلها، والقدس وفلسطين، في كل عمليات التفاوض الجارية، كشف حجم عمليات التضليل التي تمارسها سلطات النظام بهدف بسط هيمنة لا أخلاقية في المشرق العربي. لقد نجح هؤلاء في توطيد بيئة موالية ضمن جزء من طائفة الشيعة اللبنانية، وعلى هذه البيئة المطيعة، يعتمدون في تكريس موقع لن يتخلوا عنه بسهولة. لقد أسفر تراجع موقع إيران في سوريا، وخسارة جزء من البنية التحتية لإيران، عن زيادة أهمية لبنان أكثر من السابق، يقول تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية، وفي مثل هذه الظروف “يرى بعض المراقبين أن إيران لا تريد خسارة آخر حلقة مهمة من نفوذها في شرق المتوسط”.
لقد قررت القيادة الإيرانية مواصلة المعركة كما يبدو، وسلاحها فيها، المضيق ولبنان، حيث لا سلاح غيرها. وليس في الأمر ما يثير الاستغراب. رسالة المرشد الجديد، الذي لم يظهر حتى الآن، في خصوص مذكرة التفاهم، أظهرت ميلاً واضحاً لمواصلة الصدام، ورغبة مشروطة في السلام، أما رسالته الثانية في مناسبة التشييع فكانت رسالة ثأر ووعد بالانتقام. ولا يقود كل ذلك سوى إلى الحرب.
وربما تكون حرباً واسعة، أو تصعيداً محسوباً، بحسب “فاينانشال تايمز” وذلك “في الأقل حتى الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر وانتخابات التصفية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني)” نهاية هذا العام.
