في حياة تُدار بالتروس والبيروقراطية الصارمة، تتقلَّص تدريجيًّا قيمةُ الإنسان وتضيق مساحات حريته، ويصبح مجرَّد برغيٍّ صغير ضمن آلة، قابلٍ للتلف والاستبدال والتخطي. وتأتي رواية “حكاية السيِّد البرغي” (الآداب، 2026) للكاتب السوري سومر شحادة من هذه النافذة، لتضعنا أمام مرآة وجودية كاشفة حول مصير الإنسان وقيمته.
يتَّخذ العمل مفهوم “الإنسان الوظيفي” الذي يتخلَّى عن ملامحه الشخصية ليصبح جزءًا من ماكينة كبرى. بأسلوب يتَّسم بالبساطة والعمق في آنٍ واحد، يصحبنا شحادة إلى أروقة متداخلة يُرتَّب خلالها المصائر ويُحسَم أمرها بقرار بيروقراطي داخل النظام الرقابي.
في الرواية تعميقٌ لقيمة الإنسان من خلال نفي الشرط الإنساني أو تجريده، وعبر أسئلة حول قيمة الوجود البشري في ظل انتشار مفهوم التنميط والتجانس. ولربَّما تعكس الرواية أيضًا شاشةً مؤثِّرة تحفِّز الإنسانَ للبحث عن الجديد داخله وفي العالم، حتى لا يتحوَّل بدوره إلى “برغيٍّ”.
تتدرَّج الحبكة في الرواية من منطلق بحرٍ ساكن: رتابةٌ يومية يعيشها السيِّد البرغي في مكتبه بقسم الوثائق. عشرون عامًا من القراءة والتقييم، ثم إرسال الكتب لتلقى مصيرها إمَّا بالنشر أو بالمنع. هذه الحبكة الدائرية انبنت على تراكم الخدر داخل الإنسان، واقتصار صوته على الأداء لا الإبداع. فالبطل يعيش في توهُّم الاستقرار، معتقدًا أن الآلة هي التي تُملي عليه أفعاله، مما يعفيه من مسؤولية الأخلاق.
من الرواية: “أراد الموظف رفضَ الاستعارة، قد يكون برغيًا، هذا لا يُشعره بالسوء. لكنَّ الصيغة التي تنطوي على احتقارٍ وتفوُّق جعلته يفكِّر بأنه ليس أمام مجرَّد كاتب، وإنما هو أمام سياسي يجعل من فنِّ الرواية مجرَّد أداةٍ لنظرياته”.
صدمة…
تتصاعد الأحداث ببطءٍ شديد بنمطٍ سيكولوجي. تلك الحيلة تحفِّز على التحليل والخروج عن النص لتخيُّل البطل بطريقة أخرى. الذروة في العمل هي لحظة هدمٍ وبناء من خلال صدمة شعورية تأتي صارخةً خلال يوم عملٍ اعتيادي، ما إن يُخبر الكاتبُ الموظفَ بأنه “مجرَّد برغيٍّ في آلة تسحق وعي الناس”. بعد الصدمة يدرك السيِّد البرغي أن العالم الخارجي يراه، وأنه ليس مجرَّد موظَّف مجهول، بل هو أداةٌ فاعلة في عملية القمع، وهو ما فجَّر الصراع الداخلي الذي يمثِّل بؤرة العمل.
اعتمد الكاتب على شبكة من الرموز تُعمِّق دلالة النص. “السيِّد البرغي” هو الإنسان الذي فقد اسمه وهويته ليصبح قطعةً قابلة للاستبدال، لا قيمة له إلا بقدر ما يربط بين أجزاء الماكينة. وقد تكون القهوة الرمزَ الأكثر إنسانيةً في الرواية؛ فهي الطقس اليومي الذي يحاول من خلاله البطل استعادة ذاته قبل أن تبتلعه الوظيفة، إنها لحظة الحرية الوحيدة التي يمتلكها، لكنها حرية وهمية لأنها تجري في قفص الآلة. ونجد أيضًا “الكتب” التي تتحوَّل من أوعية للمعرفة إلى أجسام مشبوهة يجب فحصها وتفكيكها، مما يرمز إلى اغتراب المثقَّف عن مجتمعه واغتراب الموظَّف عن الحقيقة في خضمِّ عمله بآلة تسحق النصوص، والآلةُ هي السلطة المطلقة.
يتمحور العمل حول شخصيتين تشكِّلان طرفَي نقيض في الوعي؛ السيِّد البرغي هو الشخصية السكونية التي تحاول تجنُّب المواجهة، الموظَّف المثالي في نظر النظام، لكنه الإنسان المشوَّه في نظر نفسه. يعتمد الكاتب في تقديمه على فلسفة الظل: هو طائرٌ يحلِّق في عالم الثقافة لكن داخل قفصٍ محدَّد محكومٍ بمعايير النظام. فهو يرى نفسه مثقَّفًا يقرأ الكتب بعناية، لكنه في الحقيقة يقرأها ليقتلها، وفي المحصِّلة تحوَّل صراعه الحقيقي إلى صراعٍ مع صورته في المرآة.
الشخصية الثانية، الكاتب صاحب المقال، مختزَلٌ في لغته، وكأن شحادة أراد أن يقول: اللغة قادرة على تغيير وجهة الإنسان. فرغم غياب كاتب المقال جسديًا، إلا أن حضوره عبر الكلمات كان المحرِّكَ الذي أزال سكونَ البرغي. إنه يمثِّل الآخرَ الغريب الذي يمتلك القدرة على التسمية الصحيحة لمأساتنا، يقول كلمته ويرحل، ومن بعده نجد صيغةً أخرى لأنفسنا. فهو من أطلق على الموظَّف لقبَ البرغي، وهو من كشف عورته الوظيفية.
يكتب شحادة: “وكانت المعركة الذهنية التي خضتها مع نظام الآلة معركةً تخطف المصير. هذا ما كنتُ أعتقده على الأقل. لكنِّي أدركتُ متأخِّرًا ألا عملًا نبيلًا يضاهي أن يعيش الإنسان لأجل العائلة”.
بؤرة الصراع التي اعتمد عليها الكاتب هي المواجهة بين الوعي واللاوعي. البرغي يفضِّل أن يبقى في منطقة اللاوعي، حيث الأوامر واضحة والمسؤولية غائبة، بينما يدفعه الكاتبُ والمقالُ نحو الوعي المرِّ، حيث الندم والاعتراف بالضآلة.
النخزات
يتحقَّق الصراع في إضاءات الكاتب على الواقع الإنساني؛ فحين يكتشف الإنسانُ أن هناك من يراقبه ويسخر من مهمَّته الوظيفية، تتحرَّك دفقةٌ جديدة داخله كفيلةٌ بإعادة تقييم الذات. هذه النخزات، وفق رؤية الكاتب، قد تُعيد الإنسان إلى ذاته. وهي تعبيرٌ دقيق عن واقع الإنسان المُغيَّب في المجتمعات العربية، ذاك الذي يجد عزاءه الوحيد في سلطة وهمية يمارسها خلف مكتبه، لكن حين يكتشف أن هذه السلطة هي محلُّ تندُّرٍ ينهار بناؤه النفسي بالكامل.
يطرح شحادة النظرةَ القمعية عبر حوار داخلي طويل يحاول فيه البطل إقناع نفسه بأن الكتب هي من تصنع مصيرها، بالمنع والسحق. هذا يربطنا بواقعنا العربي حيث يُلام الضحيةَ بشكلٍ يدعو للسخرية؛ فالمثقَّف هو المخطئ لأنه كتب جملةً خارج السرب، والمقموع هو المخطئ لأنه اشتكى. إنها آلية دفاعية يستخدمها الإنسان المقهور ليبرِّر قهرَ الآخرين له. لكن عندما يبحث السيِّد البرغي عن استعادة هيبته، يتحوَّل القمعُ من حالة وظيفية إلى رغبة. تلك السلطة المجنونة التي تحملها يدٌ باردة تتحوَّل إلى سلاح قاتل. هذا الربط مع الواقع الإنساني يكشف كيف تتحوَّل المؤسسات القمعية إلى ساحاتٍ لتصفية الحسابات الشخصية، وكيف يصبح “البرغيُّ” الصغير دكتاتورًا في مساحته الضيقة، وتكون قدرات الانتقام أوسع كلَّما زادت مساحة السلطة.
تُفنِّد الروايةُ أيضًا اللحظاتِ التي يحاول فيها البطل استعادة هدوئه عبر رسم خطٍّ عريض تحت قراراته؛ إذ يبرز وهمُ السيطرة، فيطرح المسار السردي الإنسانَ/الموظَّف/البرغيَّ وهو يشعر بالضياع متشبِّثًا بالقواعد الصارمة ليوهم نفسه بأنه ما زال يمسك بزمام الأمور، وهو ما يفعله كثيرون في واقعنا المعاصر هربًا من الانهيارات الكبرى حولهم.
مما كتبه شحادة أيضًا: “أنا إنسانٌ بريء. بدأتُ أردِّد: يجب أن أتخلَّص من أفكاري. جاء للسيِّد البرغي شعورٌ بأن خصمه هُزم باكرًا، بتفكيره في التخلِّي عمَّا كان يجعله مميَّزًا، كما أنه يعرف أن ما يهزم المرء ليست الأفكارَ التي بوسعها أن تتمدَّد أو تنقلب أو تتغيَّر، وإنما الوقائع: الزواج، والعائلة، والأبناء. معركة الحياة أكثر ضراوةً من معركة الأفكار مهما بدت معركة الأفكار جذَّابةً لا تُضاهى”.
اللغة ومشهد النهاية
لغة سومر شحادة في الرواية تعمل مثل مشرط جرَّاح، ولا يستخدم البلاغة لتشريح القبح والوقوف على تفاصيله. الجمل متنوِّعة بين القِصَر والطول، وبين الكثافة والبساطة، ولا تخلو من التلاعب وتصدير العصف الذهني، بهدف وضع القارئ في موجةٍ عالية داخل بحرٍ عاصف خلال 144 صفحة.
تنتهي الرواية بمشهدٍ محيِّر يجمع بين الهزيمة والاعتراف. السيِّد البرغي الذي حاول أن يسحق صورة الكاتب يجد نفسه في النهاية هو المسحوقَ نفسيًا. النهاية لا تمنحنا خلاصًا، فهي تتركنا أمام حقيقة أن الوعي لعنةٌ لا يمكن الشفاء منها؛ لقد انكسر الترس، ولم تعد الماكينة قادرةً على منحه الأمانَ القديم.
النهاية تُنصف اللغةَ والكلمةَ المتفرِّدة عن السياق القمعي، تُزيل بناءً قديمًا في منتصف شارع، وتفتح طريقًا نحو حرية أكثر واقعية.
تتركنا “حكاية السيِّد البرغي” أمام صراعات فكرية تفصم الهدوءَ الزائف، وتُعيد التركيز نحو الإنسان، لا بشكله، لكن بهويته وكينونته. فهل نحن حقًا أحرار في اختيار أماكننا، أم أن العالم قد وُزِّع بالفعل إلى آلاتٍ وبراغيَ ومسحوقين؟ وإذا كان السيِّد البرغي قد أدرك مأساته في النهاية، فهل هذا الإدراك هو بداية التحرُّر أم هو مجرَّد تعميق للألم؟…