.
سمير سعيفان. كاتب. سوري
السقيلبية بلدة مسيحية من الروم الأرثوذوكس، وهي البلدة المسيحية الوحيدة في المنطقة، وتبعد عن محرده 25 كم، وهي مركز منطقة الغاب، ويتشكل سكان سهل الغاب من خليط من المذاهب والأديان، إذ يقطنه سنة غابيون في الجزء الشمالي الشرقي من سهل الغاب، بينما يقطن العلويون في الجزء الجنوبي الغربي، وأما سكان “الطار” أي الهضاب الممتدة شرق سهل الغاب من جبل شحشبوا شمالًا الى قرية العشارنة في الجنوب وبلدة تلملح في لحنوب الشرقي، فهم عشائر في الجزء الشمالي وعلوية في الجزء الجنوبي. بينما يوجد في مناطق الغاب الشمالي الغربي على سفوح الجبال الغربية المرشديون، وهم فئة لها تعليم خاصة. ورغم أن منطقة الغاب لا يوجد بها اسماعيليون ولكن الاسماعيليين ليسوا ببعيدين، فهم في مصياف التي تبعد عن السقيلبية جنوبًا أقل من 40 كم. ومع هذا التنوع كانت تشكل مثالا للعيش المشترك.
بقي سكان السقيلبية مسيحيون، عدا بضع عائلات علوية جاؤوا منذ القديم للعمل في الأراضي الواسعة واستقروا بها، ولكن منذ 1964 وبعد أن أصبحت منطقة الغاب منطقة إدارية وأصبحت السقيلبية مركزها، بدأت أعداد أكبر من سنة وعلويين يستقرون بها، ثم أثناء سنوات الحرب ال 14 لجأ إليها بضعة آلاف من قرى السنة الذين هربوا من قصف النظام واستقبلتهم السقيلبية بترحاب.
أنا ولدت في السقيلبية في شباط 1951، أي أعرف تاريخ المدينة جيدًا، وتعود ذكرياتي لأيام الوحدة السورية المصرية شباط 1958 – أيلول 1961، وقد اعتدت أن أرى تلاميذ من القرى المجاورة سنة وعلويون ومرشديون في صفوفنا، ولم تنشأ في أي يوم أي مشادة على خلفية دينية أو مذهبية. كما كان لوالدي محل تجاري في السوق، والسوق مسرح المدينة، ترى كل شيء فيه، حيث كان يلتقي رجال ونساء من مختلف أنحاء المنطقة، يشترون ويبيعون، وكنت أعيشها مع ضيوف يأتون الى بيتنا من مختلف مناطق الغاب من مختلف المذاهب، وأعيشها في الدوائر الرسمية، فالسقيلبية المركز الإداري والتجاري والحرفي لمنطقة الغاب ومنها كان أو أطباء وأول مهندسون وأول معلمات ثم تبعتها بقية المناطق بتطور جيد للجميع. وضمن هذه المناخات اعتدت أن أشاهد القرآن في يد والدي، يحفظه في مكان آمن، وكان يحفظ بعض آيات القرآن ويستشهد بها.
وعلى مدى سنوات كثيرة منذ الستينيات وحتى اليوم، لم تحدث أي حادثة في السقيلبية بين اثنين على خلفية دينية أو مذهبية، وواجه القادمون من القرى المجاورة كل ترحاب، وقامت صداقات وشراكات وعمل كثير من الحرفيين في قرى المنطقة وبلداتها ومازالوا. وحتى اليوم يأتي الى السقيلبية المئات من أرياف المنطقة لمراجعة دوائر الحكومة أو للطبابة أو للحصول على خدمات أو لشراء بعض حاجاتهم، ولم يحدث طيلة سنوات قبل الحرب، وخلال سنوات الحرب وما بعد سقوط النظام حوادث تذكر. وأبين كل هذا لأقول أن المسألة محصورة بموضوع ضيق هو “تلطيش البنات” من قبل بعض الشباب “الطائشين” أو الزعران، ولن أقول أكثر، ورد فعل شباب السقيلبية بدمهم الحار على هؤلاء. ففي السقيلبية، كما في المدن والبلدات المسيحية، شارع بطول عدة مئات من الأمتار فيه العديد من المقاهي التي يرتادها الشباب والصبايا يشربون المتة والأراكيل ويطلق عليه عادة “المشوار”، ويبدو أن هذا الشارع يجتذب أؤلئك “الطائشين” أو الزعران كما يسمونهم، وبسبب ذلك طلب مدير المنطقة منذ العام الماضي ان تقف دورية في بداية المشوار وأخرى في نهايته لتمنع مثل هؤلاء “الزعران” ولكن تم التراخي في تجد الدوريتين في الشهور الأخيرة.
وأود التأكيد هنا أن مجتمعات القرى والبلدات حول السقيلبية يستنكرون أعمال هؤلاء الطائشين الزعران. ولكن للأسف أن هذه الحوادث باتت تتكرر منذ سقوط النظام. ولكن أود أن أذكر أنه نهاية سبعينيات القرن العشرين وحتى بدايات ثمانينياته نشأت مثل هذه الظاهرة، وقام بعض “الزعران/الطائشين ” من قرى الجوار بتلطيش البنات في المشوار، وقد تصدى لهم الشباب آنذاك بدمهم الحار، ثم توقفت الظاهرة. وأود أن أشير إلى أن رجال السقيلبية سعوا لتهدئة الشباب وطلبوا منهم أن يقبضوا على من “يلطش” ويسلموه للأمن العام ليقتص منه، وألاّ يقوموا بضربه بأنفسهم، ولكن يبدو تنفيذ ذلك بدا غير ممكن، فمن يقبضون عليه يقاوم، كما أن دم الشباب الحار لا يستسيغ هذه العقلانية، وربما تستفزه، إذ يرى في سلوك هؤلاء “الطائشين” اعتداء على بيوتهم وكرامتهم، ويرون أن التساهل سيجعل هؤلاء يتمادون أكثر فأكثر.
حول ما ينسبه البعض إلى السقيلبية أيام النظام من أنهم جميعًا شبيحة وأنهم تسببوا باعتقال البعض من أبناء المنطقة وأن السقيلبية كانت تقصف القلعة وقرى المنطقة الأخرى، وأن شبيحة السقيلبية قد نهبوا القرى المجاورة الخ، إنما في هذه المزاعم الكثير من المبالغة. وبما يشبه مبالغة البعض من الطرف الآخر حين اتهام القرى المجاورة بأنهم داعشيون. فالمشكلة في التعميم والمبالغة.
إن هذا الزعم خال من الحقيقة، وفيه مبالغة وتضخيم، فالسقيلبية كبقية المناطق التي بقيت تحت سلطة النظام، ولم تكن بقادرة على أي موقف معاد للسلطة، وهي بذلك، أسوة بمدن حماه و حمص ومناطق دمشق وحلب وغيرها من المناطق التي بقيت تحت سيطرة النظام فالقبضة الأمنية كانت قوية ومجرمة، ولم يكن أحد ليظهر بطولات. وككل المناطق أنشأ الأمن دفاع وطني بها لخدمة النظام، وفي السقيلبية وقع اختيار الأمن على شخص فاشل في دراسته وحياته، وهو نابل العبدالله، وهو مجرم هرب الى روسيا، ويستحق المحاكمة وإيقاع القصاص العادل به، وقد تطوع معه بعض شباب السقيلبية هربًا من العسكرية وطمعًا بالراتب، وهذا ما فعله عشرات آلاف المتطوعين في الدفاع المدني من السنة في بقية المدن والبلدات السورية، وقد أعطى الأمن نابل العبدالله مدفع قديم ودبابة قديمة، وكانوا يطلبون منه أن يقصف على القلعة وعلى قرى الجوار قصفًا عشوائيًا، ولكن بقي نشاطهم في السقيلبية، ولم يشاركوا لا بنهب القلعة ولا بهدم بيوتها، وأهل القلعة يعلمون ذلك. ومرة دفع الأمن مجموعة منهم للمشاركة في معاركه في الشمال فذهبوا وما عاد منهم أحد، وقد خلق هذا رعبًا بين شباب السقيلبية، فلم يلبوا دعوات المشاركة في المعارك بعد ذلك، واكتفوا بالبقاء في السقيلبية.
لم يكن لقصف نابل العبدالله من أثر يذكر، ولكنه كان يؤجج الصراع والكراهية، ولكن لم يكن بمقدور أحد من السقيلبية أن يمنع نابل، فكان لديه كل الدعم من الأمن العسكري ومن الروس. وقد ذهب مع الروس يوم سقوط النظام. وبالمناسبة فجميع مناطق سيطرة النظام شهدت تشكيل دفاع وطني، وبالتالي كانت أعداد السنة المشاركين في الدفاع الوطني أكبر بكثير ممن شاركوا من المسيحيين وغير المسيحيين. ولكن القصف الفعلي على القلعة والمناطق الأخرى، كان يأتي من مركز النحل العسكري الذي يقع غرب السقيلبية، فهو مركز عسكري مزود بالمدفعية الثقيلة بعيدة المدى وبالصواريخ. ولم يكن للسقيلبية أي تأثير عليه.
بالمقابل كانت فصائل المعارضة المتمركزة في القرى المجاورة تقصف السقيلبية بصواريخ غراد، بينما كانت عاجزة عن قصف مركز النحل العسكري، وقتلت تلك الصواريخ العديد من أهالي السقيلبية وسكانها وأحدثت حرائق وتهديم. ومن جهة أخرى كان عسكر النظام يقصف السقيلبية بين الفينة والأخرى حين تتأخر فصائل المعارضة عن قصفها لإبقاء التوتر متأججًا. أيضًا ومنذ انطلاق الحراك في سورية في آذار 2011، وقبل تشكيل أي دفاع وطني، بدأت بعض العصابات المتسترة بالثورة بخطف بعض شخصيات من السقيلبية ولم يطلقوا سراحهم بدون فدية مادية كبيرة، مما خلق خوفًا كبيرًا بين أهالي السقيلبية وبعض الجوار.
لم يكن لمعظم أهل السقيلبية موقفًا مواليًا أو معارضًا للنظام أو للمعارضة، وهو موقف معظم المسيحيين في سورية، عدا قلة من المسيحيين انحازوا بقوة للنظام، بينما انحازت قلة أخرى للمعارضة بقوة، ابرزهم ميشيل كيلو، وكنت أحد هؤلاء المعارضين، وقد عملت بفعالية على مدى 14 سنة ضد النظام، بدءً من مشاركتي بتنظيم مؤتمر سميراميس المعارض في 27 حزيران 2011، وانتهاءً بتسلمي إدارة مركز حرمون ومنتدييه الثقافيين في كل من الدوحة وإسطنبول، وكنت مطلوب للأمن ولمحكمة الإرهاب وحجزوا املاكي وأملاك عائلتي، وبعد سقوط النظام عدت الى سوريا، بشكل دائم لأسهم بما أستطيع مع بقية السوريين في إعادة بناء سورية. وأعمل الان على تأسيس مؤسسة غير ربحية باسم “مؤسسة دينار للتنمية البشرية” تهتم بشؤون منطقة الغاب من جانبي التنمية البشرية والاقتصادية وجانب السلم المجتمعي، وآفاق تطوير منطقة الغاب .
وهنا أبرز على نحو خاص، أنه ورغم كل ما حدث وخلال فترات الصعود والهبوط لم يحدث أن قامت قرية علوية في الغاب أو المنطقة بالهجوم على قرية سنية مجاورة، ولم تقم أي قرية سنية بالهجوم على قرية علوية مجاورة، حتى بعد سقوط النظام، رغم الآلام الهائلة التي سببها النظام، فمجتمع المنطقة يتطلع للأمام. وفي أيام عيد الفطر قمت مع أصدقاء من السقيلبية بزيارة العديد من الأصدقاء لمعايدتهم بعيد الفطر المبارك في خان شيخون والقلعة وكرناز وكفرنبودة والجرنية والعوينة وفي السقيلبية أيضًا واستقبلونا بالترحاب.
أبين كل ذك لأوكد أنه لا يوجد ثمة مشكلة بين الأهالي، وإن كان ثمة قلة من المتشددين الذين يصورون الأمر وكأنها حرب أهلية جديدة..
حول ما حدث البارحة الجمعة 27 آذار 2026:
ذات التحرش بالبنات جرى نحو الثامنة مساءً، جاء شابان من قلعة المضيق المجاورة وتحرشا بالبنات، (الشابان يقولان أنهما لم يتحرشا بأحد وكانا متواجدين في المساء في شارع المقاهي “المشوار” لغاية أخرى) فتصدى لهم شباب السقيلبية كالمعتاد، وأحد الشابين سحب قنبلة يهدد بها، ولكن شباب السقلبية ضربوه وأذوه، وتم إسعافه الى المشفى كما علمت، وتدخل الأمن العام كالمعتاد، وقد اعتقل الأمن أربعة من شباب السقيلبية …وقد اطلق سراحهم بعد منتصف الليل.
عادة كان مثل هذا الحدث يحل وديًا كما ذكرت. ولكن هذه المرة اختلف الأمر، فنحو العاشرة مساءً، أي بعد ساعتين، جاء نحو مائة شاب من شباب قلعة المضيق على موتوسيكلات، وبدؤوا يسيرون في شوارع السقيلبية مخربين محلات وسيارات مهددين أهاليها الذين التزموا بيوتهم ولم يواجهونهم، ولكن شباب القلعة استمروا بأفعالهم إلى ما بعد الساعة الثانية عشر ليلًا، وسمعت أنهم أطلقوا نار في الهواء وأطلقوا نارًا على تمثال للعذراء، وأطلقوا قنبلة نحو الساعة 12 على مبنى يعود للبلدية كانت إدارة المنطقة تريد منحه لمستأجر ليقيم فيه روضة لتعليم القرآن، وقد اعترض أهالي السقيلبية على ذلك، وخلق هذا بعض التوتر. وهنا الأمن العام لم يتدخل، ربما بسبب الأعداد الكبيرة من شباب القلعة، ولكن طلب مؤازرة من حماه، وجاءت المؤازرة وأصبح الوضع تحت السيطرة كما علمت، ولكن لم يكن للأمن العام دور فاعل في ايقافهم وردعهم، وهذا مدعاة للتساؤل، ولكن أخذ مواقع لحماية الكنيستين. وكان من نتيجة هذه “الفزعة” تخريب نحو 5 كافتيريات ونهب بعض الموجودات وتحطيم نحو 15 سيارات وأكثر من مطعم، ولكن لا يوجد أي إصابة بين السكان. ويتهم شباب السقيلبية بعض عناصر الأمن بالمشاركة مع الزعران المهاجمين. ولأن عناصر الأمن لم يوقفوا أولئك الزعران ولم يردعوهم عادوا اليوم في نحو السادسة من مساء اليوم السبت 28 آذار على موتوسيكلاتهم، وارادوا مهاجمة السقيلبية ثانية، ولكن سيارات الأمن وقفت في طريقهم في مدخل السقيلبية من جهة قلعة المضيق واكتفت بمنعهم بدلًا من اعتقالهم.
يفسر البعض تقاعس الأمن عن ردعهم وإيقافهم بأن عناصر الأمن العام شباب صغار بدون تأهيل ولا تدريب كاف، وأنهم من أبناء المنطقة، ومن لون واحد، وبالتالي هم يعرفون المهاجمين وبعضهم أقرباء بعض. بينما رجل الأمن يجب أن يكون مؤهل بدورة فعلية، وأن يكون الضباط خريجي حقوق إضافة لكلية شرطة وله عدة سنوات في الخدمة، فيكون قائد المنطقة برتبة عميد عادة، له تجارب تزيد عن ربع قرن وقائد الشرطة عقيد وبقية الضباط بشهادات حقوق ودورات وخبرات تصل لسنوات تتناسب مع الرتبة العسكرية.
اختلف الأمر هذه المرة بسبب المناخ الذي تم خلقه في سورية بسبب عدة عوامل ومظاهر وتحريضات صغيرة ثم منذ شهر رمضان، وبخاصة منذ قرار محافظ دمشق بتقييد تقديم الخمور في المطاعم والكافتيريات وحصر بيعها بالمختوم في ثلاثة أحياء ذات غالبية مسيحية. ثم الاعتصام الذي نظم الأحد الماضي في ساحة باب توما ردًا على القرار، كونه اعتداء على الحريات الشخصية، ثم التحريض الجماعي من قبل متشددين لترتيب اعتصامات في عشر مدن سورية رفعت فيها شعارات متطرفة ذهبت بعيدًا، وغلب عليها أعلام غير اعلام الدولة، وكان من اللافت قلة أعداد المشاركين في هذه الاعتصامات مما يشير لوعي سوري مرتفع تجاه التجييش الطائفي والمذهبي، ولكنها هذه اعتصامات أججت الجو العام للمتطرفين والغوغائيين وشجعتهم. وكان في السقيلبية بخاصة قد حدث عدة حوادث “تلطيش” مماثلة خلال الشهور السابقة، ولكنها بقيت قليلة، ولكن كان آخرها قبل أسبوعين، وجرى ذات الأمر واستدعى “الملطشون” ثمانية من أصدقائهم من قرية العوينة، وجاؤوا الى السقيلبية وجرى اشتباك مع شباب السقيلبية، كما ذكرت، وتم حلها عشائريًا “بتبويس الشوارب” وكالعادة لم يُعاقَبْ الزعران “الملطشون”، وبقيت الدولة شبه غائبة. والأمر الآخر الذي عبأ الجو هو ما ذكرته من أن مدير المنطقة أراد تأجير مبنى يعود للبلدية لشخص كي يحوله إلى مركز أطفال لتعليم القرآن، وقد احتج أهالي السقيلبية، وقبلها وافق مدير المنطقة مع المحافظ على بناء مسجد في السقيلبية بالاستيلاء على أرض النادي الرياضي وبدون رخصة، فاحتج الأهالي وتم أيقاف الموضوع بقرار سياسي، ولكن كل هذه الأحداث خلقت توتر في المنطقة.
الملاحظة هنا، حتى لو رأت السلطة انه من المنطقي بناء مسجد في السقيلبية، ولكن التوقيت والاستعجال والطريقة جاءت غير مناسبة وفي غير وقتها.
ضمن هذه الأجواء جاء هذا التحريض الجماعي ضد السقيلبية هذه المرة، وأن يأتي نحو مائة راكب موتوسيكل، من بلدة قريبة يفلصها عن السقيلبية 5 كم فقط، ويكرروا عدوانهم لمرتين خلال خمس ساعات، رغم تاريخ من العلاقات الحسنة والصداقات والشراكات بين القلعة والسقيلبية، وأن يقوموا بمثل هذا العمل، فهذا أمر يدعوا للتساؤل: هل جاء الشابان “بقصد” خلق مشكلة وهما يعلمان أن التحرش ببنات السقيلبية سيخلق مشكلة، وهل كان ثمة تحضير لهذه “الفزعة” أم أن الجو المشحون هو السبب؟ أم أنهما لم يقوما “بتلطيش” أحد، ولكنهما تواجدا فقط هناك.
أعتقد أن ما جرى في السقيلبية مؤشر يطلق صافرة إنذار جديدة حول التحشيد والتعبئة والتصعيد الذي يجري في سوريا، وكان من اللافت عدم قيام الأمن العام بالتدخل بفاعلية، خاصة وأن التحضير لهذه ا”لفزعة” على مرتين لا يتم سرًا، وكان ينتظر من الأمن العام التدخل بفاعلية لإيقافه، سوء في القلعة قبل انطاقه أو في السقيلبية بعد وصوله، لأن دلالاته سيئة جدًا. فغياب السلطة/الدولة والسكوت وفتح الطريق امام المجتمعات المحلية لتحصّل بأيديها ما تعتقده أنه “حقها” هو مؤشر خطير رأينا نتائجه في الساحل والسويداء، فغياب السلطة/الدولة يحول سورية إلى غابة مما يلحق أكبر الضرر بالدولة والمجتمع. وبالتالي من الضروري أن تسرع السلطة/ الدولة إلى وضع حد لظاهرة أخذ الثأر العشائرية التي تتمظهر بأكثر من شكل ومنها ما جرى في السقيلبية. إن الشباب الذين شاركوا بهذه “الفزعة”، هم ليسوا طرفًا في الموضوع، وهو محصور بالشابين وبالشباب الأربعة الذين ضربوهما، وقد اعتقلهم الأمن العام ثم اطلق سراحهم بعد منتصف الليل ضمن مصالحات “تبويس الشوارب” بما يعني ان الأمر يتكرر. وقد كان على السلطة أن تثبت حضورها وتعالج الموضوع ضمن القضاء، لتضع حد “للفزعات”. وأن تبحث على من حرض وتعاقبه عقاب يستحقه لتثبت حضورها، فبدون سلطة الدولة نتحول الى شريعة غاب وهذا لا يخدم أحد. وأن تعاقب شباب السقيلبية إن كان الحق عليهما.
أردت من خلال كل هذا الشرح الطويل ان أقول:
• أن ما حدث له دلالة خطيرة ولا يصح السكوت عنه كما الماضي لوضع حد لظاهرة “الفزعات”، وايضًا حصر السلاح بيد الدولة فعلًا.
• إن ما حدث وانعكاسه في وسائل التواصل يعطي صورة غير واقعية عن مجتمع منطقة الغاب، فمن ينظر من بعيد سيظن أنها حرب أهلية، وقد ذكرت سابقًا العلاقات الجيدة على مدى العقود السابقة بين جميع البلدات والقرى حتى اليوم، رغم كل ما جرى، يأتي يوميًا مئات الى السقيلبية من القرى المجاورة ويتم التعامل مع الجميع بكل ود. كما أن بضعة آلاف من المسلمين يقيمون في السقيلبية ويأتي بعضهم مع نسائهم للجلوس في الكافتيريات والمطاعم ويستقبلون كسكان مقيمين لهم ذات الحقوق. لذا أرى أن تضخيم الحدث يخدم المتطرفين،
• لدى سوريا وشعبها ما يكفي من المشكلات الجسام التي تشكل تحديات كبيرة وتحتاج الكثير الكثير، وأول شرط للقيام بمعالجة هذه المشكلات والمهام هو خلق استقرار اجتماعي على أسس قيم المواطنة المتساوية.
• الوطنيون الذين يريدون الخير لسوريا كلها ولكل السوريين معا على قدم المساواة، لهم مصلحة. ويتمنون في أن تتمكن هذه السلطة من الخروج بسوريا مما هي فيه من أوضاع صعبة لتكون بلدا منفتحا للجميع بنوعية حياة عصرية من كافة جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
• ننتظر السلطة ونتوقع أن تعالج الموضوع هذه المرة بمسؤولية.