ليلى خالد.. موقع درج
ترى آية منير، مؤسسة مبادرة “سوبر وومن”، أن التغطية الإعلامية لجرائم قتل النساء في مصر باتت، في بعض الأحيان، أسيرة لمنطق “الترند” وجذب المشاهدات والتفاعل، على حساب المعايير المهنية والأخلاقية، التي يفترض أن تحكم التعامل مع هذا النوع من القضايا.
استيقظت مصر أخيراً على خبر قتل زوج زوجَته وشابين آخرين تحت ذريعة “الشرف”، إذ زعم القاتل أن زوجته خانته أثناء سفره الى ليبيا، وبعد ساعات من الحادث اشتغلت المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعية بالرواية الأولى للحادث، وهي ضبط الزوج زوجته مع اثنين من الشباب في وضع مخلّ، وسط دعم مجتمعي للقاتل.
الرواية الأولى لم تصمد طويلاً، فتعددت الروايات لاحقاً بين نشر فيديوهات العلاقة بين الضحايا على الإنترنت، وابتزاز الضحيتين الذكرين الزوجة الضحية، وإرسال الفيديوهات إلى الزوج المخدوع، ثم رواية إرسال صور مخلّة بالآداب إلى الضحايا من حسابات وهمية للزوج، وهي الرواية التي لم تثبت. أما الرواية الأخيرة، فجاءت على لسان المحامي، الذي قال إن الضحية اعترف له بها، وإنه سامحها على فعلتها، لكن مشادةً مع والدها حول الطلاق فجّرت الأزمة.
الروايات الثلاث نشرتها وسائل إعلام مصرية واسعة الانتشار، ووجدت صدى واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتُبر القاتل بطلًا، وألحقت بتدوينات حول كونه سيعدم كـ “رجل” وسط لعنات على الزوجة باعتبارها السبب في هلاك 3 رجال.
واقعة “الشوش” هي واحدة من عشرات حوادث العنف والقتل التي تتعرض له النساء، وتساهم التغطية الإعلامية المنحازة في تشويه صورة الضحية ومحاكمتها قبل الجاني، ما قد يؤثر على حكم القضاء الذي يتيح له القانون المصري تخفيض العقوبة درجة أو درجتين حسب رؤية القاضي.
في مثل هذه الحالات لا ينتهي العنف عند وقوع الجريمة، فحين تُنشر الحياة الخاصة للضحية، وتُفتّش علاقاتها ورسائلها وملابسها بحثاً عما “يفسر” قتلها ويبرره، تنتقل من موقع المجني عليها إلى موقع من يتعين عليها إثبات براءتها. وفي حالات القتل، حيث لم تعد الضحية موجودة لترد على ما ينسب إليها، تصبح رواية الجاني أو محاميه أو مصادر مجهولة… الأكثر قدرة على الانتشار. هنا لا تنقل الصحافة الجريمة فقط، بل قد تنتج شكلاً من الإيذاء أو الوصم اللاحق للضحية، يمتد أحياناً إلى أسرتها وأبنائها.
“الترند” عوضاً عن المحاكمة
المشكلة المهنية لا تكمن في منع الصحافة من ذكر دوافع الجاني أو ادعاءاته، بل في ترتيب المسؤولية داخل الخبر. ثمة فارق بين أن تقول الصحافة إن “متهماً بالقتل ادعى أن زوجته خانته”، وبين أن تقدم الجريمة منذ العنوان باعتبارها “زوجاً قتل زوجته الخائنة”. الصياغة الثانية تنقل مركز التحقيق من فعل القتل إلى سلوك المرأة، وتجعل صدقية الضحية وأخلاقها موضوع المحاكمة الأساسية. وحتى إذا ثبتت الخيانة أو وقع خلاف عاطفي بالفعل، فإنها تظل سياقاً للجريمة وليست مبرراً لها.
في تموز/ يوليو 2025، تتبع قاضٍ مصري سابق طليقته وأرداها بطلقات عدة في مدينة السادس من أكتوبر، وفي أيار/ مايو الماضي بدأت جلسات محاكمة المتهم الذي اعترف بتتبّع طليقته وترصّدها لقتلها، وهو ما يعني في القانون المصري توافر القصد الجنائي والإصرار والترصد، الأمر الذي يرفع عقوبة القتل الى الإعدام.
خلال اعترافات القاضي السابق في محاكمته، ادعى زواج طليقته من أشخاص آخرين عرفيًا وهي على ذمته، وأنها تسببت في فصله من عمله بسبب الشكاوى التي قدمتها ضده، وأنها حرمته من أولاده، واستولت على أمواله، مؤكداً أنه لا يخشى الإعدام، ولكنه يريد أن يموت رجلًا، وهي الاعترافات التي تناقلتها الصحف المصرية من دون التنبيه على أنها أقوال المتهم ولا توجد أدلة تؤكدها، كما نُشر الفيديو الخاص بالاعترافات في عدد من المواقع الإخبارية.
على إثر نشر هذه الاعترافات، عُقدت محاكمة على وسائل التواصل الاجتماعي للضحية، وتم تداول تدوينات تنال منها ومن سمعتها، وتبرئ المتهم بتقديم مبرر له، وهو أنه تعرض لقهر الرجال، بالإضافة إلى ممارسة كراهية النساء عبر وسمهن بأنهن قادرات على تحويل الرجل من قاضٍ الى متّهم، وسط تأييد لفعل المتهم.
الحملة التي دُشِّنت على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي أتت بثمارها، إذ استغلها دفاع المتهم بالتركيز على حالته النفسية بحسب تصريحات المحامي، ما أسفر عن الحكم على القاضي بالسجن المؤبد بدلاً من الاعدام بحسب قانون العقوبات المصري، الذي ينص في مادته 230 على أن كل من قتل نفساً عمداً مع سبق الإصرار على ذلك أو الترصد يعاقَب بالإعدام.
ترى آية منير، مؤسسة مبادرة “سوبر وومن”، أن التغطية الإعلامية لجرائم قتل النساء في مصر باتت، في بعض الأحيان، أسيرة لمنطق “الترند” وجذب المشاهدات والتفاعل، على حساب المعايير المهنية والأخلاقية، التي يفترض أن تحكم التعامل مع هذا النوع من القضايا.
وتوضح منير أن بعض وسائل الإعلام يتعامل مع هذه الجرائم باعتبارها مواد قادرة على تحقيق نسب مرتفعة من المشاهدة والتفاعل، ما يدفعها إلى البحث عن تفاصيل شخصية ومثيرة حول الضحية والجريمة، حتى عندما لا تضيف هذه التفاصيل قيمة حقيقية الى فهم ملابساتها.
وتشير الى أن المشكلة لا تقتصر على كثافة التغطية، وإنما تمتد إلى تحويل الجريمة إلى مادة للاستثمار التجاري، من خلال صياغة عناوين تستهدف جذب الجمهور، وأحيانًا تجاوز حدود الخصوصية وتقديم تفاصيل حساسة عن حياة الضحية وعلاقاتها الشخصية.
كما تنتقد منير السباق بين المواقع الإخبارية لنشر الخبر أولًا، معتبرة أنه يزيد احتمالات تداول الشائعات والمعلومات غير المكتملة أو غير المؤكدة، فضلًا عن تقديم رواية المتهم باعتبارها حقيقة ثابتة، من دون الإشارة بوضوح إلى أنها مجرد رواية لأحد أطراف القضية.
وتحذر من خطورة تقديم هذه الرواية تحت عناوين من قبيل “كشفت تحقيقات النيابة”، بينما تكون المعلومات المنشورة في الأساس جزءًا من أقوال المتهم، لأن ذلك قد يرسخ رواية أحادية للجريمة ويؤثر في صورة الضحية قبل اكتمال التحقيقات أو صدور حكم قضائي.
وتؤكد منير أن هذه الممارسات تُبعد التغطية عن دور الصحافة في تقديم معلومات دقيقة ومسؤولة، ومناقشة أسباب العنف ضد النساء، وتحولها إلى سباق لجذب الجمهور وتحقيق أعلى معدلات التفاعل.
وتدعو إلى حماية بيانات التحقيقات وأقوال المتهمين من التسريب، وتشديد الرقابة المهنية على التغطية، مشددةً على أن مسؤولية وسائل الإعلام تبدأ من التحقق من أساس الخبر، ومصدره، وطريقة صياغته، والعنوان الذي يقدم به إلى الجمهور.
إحدى مشكلات صحافة الحوادث أنها تقدم كل جريمة باعتبارها قصة استثنائية: زوج غاضب، امرأة “خائنة”، طلاق مرير، خلاف على النفقة، أو قصة حب انتهت بشكل مأساوي. لكن وضع الوقائع داخل سياق العنف القائم على النوع الاجتماعي يغير السؤال من “ماذا حدث بين هذين الشخصين؟” إلى “ما النمط الذي تتكرر داخله هذه الجرائم؟”. الدراسات الإعلامية تميز هنا بين التغطية الحدثية التي تعزل الجريمة في تفاصيلها الشخصية، والتغطية السياقية التي تربطها بأنماط العنف والسيطرة والتهديد والملاحقة وعدم المساواة. والتغطية الحدثية، بحسب أبحاث حول قتل النساء، أكثر ميلاً إلى إسناد جزء من المسؤولية إلى الضحية.
غياب المهنية
قبل أيام بسيطة من جريمة الشوش، أقدم مهندس على قتل أربعة أشخاص خلال جلسة صلح مع طليقته بعد عدد من القضايا بينهما، لامتناعه عن الإنفاق على أولاده قبل 3 سنوات، وأثناء الجلسة أقدم على إطلاق النار فقتل اثنين من أشقاء طليقته وابنته وأحد أقارب طليقته، وابنه الذي أصيب في ساقه، واستطاع الهرب.
مع الإعلان عن الحادث، انتشرت رواية القاتل عنه، ومفادها أن طليقته استولت على مدخراته التي كان يرسلها أثناء عمله في إحدى الدول العربية، وأنها أقامت ضده دعوى نفقة أسفرت عن متجمد نفقة يبلغ نحو 480 ألف جنيه، وأنها حرمته من رؤية أولاده، ما دفعه إلى شراء سلاح من “الدارك ويب” ومحاولة قتلها هي وأولادها وأسرتها. وهو ما نفته طليقته في تصريحات لاحقة، موضحةً أن أبناءها يعملون أثناء الدراسة للإنفاق عليها وعلى أنفسهم.
أقوال المتهم انتشرت بعد نشرها في عدد من المواقع الإخبارية، مع حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تهاجم طليقته التي خرجت للميديا بعد مقتل ابنتها لتدافع عن نفسها، واتهامات لطليقته بأنها السبب في ما حدث، وهلاك أخوتها وبنتها بسبب نشوزها وطمعها.
يقول أشرف عباس، مدير المرصد المصري للصحافة والإعلام، إن التغطية المهنية لجرائم القتل تبدأ بالتمييز بين كل واقعة وأخرى، وعدم وضع جميع الجرائم تحت توصيف واحد، موضحًا أن “ليس كل جريمة قتل يكون أطرافها على معرفة أو كانت بينهم علاقة يمكن وصفها بأنها عنف أسري”، وأن دقة التوصيف تصبح أكثر أهمية في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق أو القضاء.
وينتقد عباس تركيز بعض التغطيات على حياة الضحية بدلًا من الجريمة وملابساتها، من خلال نشر صورها ومحادثاتها وعلاقاتها وتفاصيل شخصية لا تضيف قيمة حقيقية لفهم ما حدث. ويقول: “الصحافة ليست مطالبة بإجراء محاكمات للقتلى لتحقيق المشاهدات، وليس كل تفصيل في حياة الضحية يصلح عنوانًا أو مادة للترند”.
ويؤكد أن السؤال قبل نشر أي معلومة يجب أن يكون “هل هي ضرورية لفهم القضية؟ وهل تحقق مصلحة عامة، أم ننشرها لأنها مثيرة وتحقق مشاهدات؟”، مشددًا على أن حق الجمهور في المعرفة لا يجعل الحياة الخاصة للضحية مباحة.
ويحذر عباس من تقديم رواية المتهم باعتبارها حقيقة، مؤكدًا أن من حقه عرض روايته، لكن يجب توضيح أنها أقواله وليست وقائع ثابتة. كما يحذر من تحويل الحديث عن الغيرة أو الخيانة أو الخلافات العاطفية إلى مبررات للجريمة، مؤكداً أن الحب ليس مبررًا للقتل، والخلاف العاطفي ليس مبررًا للعنف”.
ويرى أن التغطية غير المنضبطة قد تحول السؤال من “لماذا قُتلت؟ ومن المسؤول؟” إلى “ماذا فعلت حتى تُقتل؟”، بما يساهم في لوم الضحية، مؤكدًا أن المسؤولية تشمل الصحافي والمؤسسة ورئيس التحرير، وأن المطلوب ليس تقليل تغطية جرائم القتل، بل تقديم صحافة أعمق تبحث في أسباب الجريمة، والوقائع السابقة عليها، وإمكان منعها، ومساءلة المسؤولين عنها.
ويختتم عباس حديثه قائلاً: “السؤال الصحافي الحقيقي هو لماذا وقعت الجريمة، ومن المسؤول عنها، وهل كان من الممكن منعها، وليس ماذا فعلت الضحية حتى تستحق ما حدث لها؟
أزمة “الصحافة الفضائحية”
في آب/ أغسطس 2025، وعلى أحد الطرق السريعة في محافظة الجيزة، طارد أربعة شباب بسياراتهم سيارةً تقلّ ثلاث فتيات، بعد تحرّشهم اللفظي بهن في أحد المقاهي على الطريق، ما تسبب في اصطدام سيارة الفتيات وإصابتهن. وقد صُوّرت المطاردة، وعقب انتشار الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، أُلقي القبض على المتهمين الأربعة.
وخلال التحقيقات، بدأت حملة تشويه للفتيات، تحت دعوى التساؤل عن سبب وجودهن في المقهى في هذا الوقت المبكر من اليوم، إذ وقع الحادث قبل الساعة السابعة صباحاً. بل وصل الأمر إلى وصمهن بأنهن من استدرجن الجناة.
حتى المفردات ليست محايدة. فوصف القتل بأنه “جريمة شرف” يضع في العبارة نفسها قيمة إيجابية – الشرف – إلى جوار فعل القتل، ويستبطن وجود شيء في سلوك المرأة يمكن أن يمس “شرف” الرجل أو الأسرة.
ترى إيمان عوف، عضو مجلس نقابة الصحافيين، أن التغطية الإعلامية لما يُوصف بـ”جرائم الشرف” تشهد انتهاكات وفوضى كبيرة، مؤكدةً رفضها هذا المصطلح من الأساس، لما يحمله من وصم للضحايا وتبرير ضمني للعنف الواقع عليهن.
وتقول عوف إن بعض القضايا شهدت نشر روايات ومعلومات غير دقيقة على نطاق واسع، قبل أن تكشف التحقيقات لاحقاً عدم صحتها. وتشير إلى أن نشر ادعاءات عن وجود مقاطع أو أدلة تدين الضحية، كما حدث في قضية “الشوش”، أدى إلى تشويه صورتها أمام مئات الآلاف، وربما الملايين، بينما تظل آثار هذا الوصم قائمة على أسرتها وأبنائها حتى بعد ظهور الحقيقة.
وترى أن المشكلة ترتبط بانتشار ما تصفه بـ”الصحافة الفضائحية”، التي تبحث عن العناوين المثيرة والتفاصيل الجاذبة للمشاهدات، مثل وصف الضحية بأنها “الخائنة”، بينما قد لا يجد القارئ داخل الخبر ما يثبت هذا الوصف.
وتنتقد كذلك الاعتماد على روايات مجهولة المصدر، مثل الاستناد إلى “شاهد عيان” من دون توضيح هويته أو صفته أو مدى قربه من الواقعة، ما يفتح الباب أمام تداول روايات غير موثوقة.
وتشير عوف إلى أزمة أخرى تتعلق بتغطية القضايا أمام النيابة والمحاكم، مؤكدةً أن قاعدة “المتهم بريء حتى تثبت إدانته” تُنتهك في كثير من التغطيات، إذ تتم إدانة الأشخاص وتشويه سمعتهم ووصم عائلاتهم قبل انتهاء التحقيقات أو صدور الأحكام.
وتستشهد بقضية مقتل نيرة أشرف، وما رافقها من محاولات لتحويل الضحية إلى متهمة عبر الحديث عن ملابسها وسلوكها، قبل أن يتبين عدم صحة كثير من هذه الادعاءات.
وتؤكد عوف أن هذه الممارسات تمثل مخالفات لمبادئ ميثاق الشرف الصحافي وقواعد المهنة، فضلاً عن غياب الالتزام المهني والضميري، وهو ما يشكل، بحسب قولها، خطراً على الصحافة والمجتمع معاً.