ملخص
تدخل الحروب عصراً جديداً يتراجع فيه وزن التفوق العسكري التقليدي أمام المسيرات الرخيصة والذكاء الاصطناعي، وبينما تتقلص الفجوة التكنولوجية مع الخصوم، تواجه الولايات المتحدة تحدياً أكبر: ليس ابتكار الأسلحة الجديدة فحسب، بل إنتاجها على نطاق واسع وتبنيها بسرعة وإعادة تشكيل مؤسساتها العسكرية بما يلائم حرب المستقبل.
في حملتها العسكرية الأخيرة ضد إيران، فرضت الولايات المتحدة سيطرتها على الأجواء باستخدام قوتها الجوية التقليدية. وشن الجيش الأميركي أكثر من 13 ألف غارة على أهداف إيرانية، لكن تلك القدرات والقوة النارية المدمرة لم تمنعا إيران من الرد. وخلال الصراع الذي استمر 39 يوماً، من الـ28 من فبراير (شباط) إلى الثامن من أبريل (نيسان) 2026، أطلقت إيران أكثر من 2200 صاروخ و4400 مسيرة على دول في المنطقة. ودمرت أو أصيبت ثماني طائرات أميركية في الأقل بهجمات إيرانية، كما أصيبت رادارات أميركية عدة، وقتل سبعة من أفراد الجيش الأميركي. وعند كتابة هذه المقالة، لم تحقق الولايات المتحدة أهدافها في الحرب، على رغم أنها تتفوق على إيران بفارق شاسع وفق كل مقاييس القوة.
والحق إن الهيمنة التكنولوجية التي كثيراً ما اعتمد عليها الجيش الأميركي لمنحه أفضلية على منافسيه آخذة في التراجع، وعلى خلاف حقب سابقة كانت الولايات المتحدة تتمتع فيها بتفوق كبير في تقنيات التخفي والأسلحة الدقيقة التوجيه، لن تضمن الحقبة الحالية لواشنطن أفضلية في التكنولوجيات التي تعيد الآن تشكيل الحرب: المسيرات والذكاء الاصطناعي.
كان الصراع مع إيران أول اختبار أميركي لعصر جديد من الحرب، وتعمل التكنولوجيات الناشئة على تسوية ميزان القوى بين واشنطن وخصومها، ويتيح انتشار تقنيات المسيرات والذكاء الاصطناعي منخفضة الكلفة للدول الصغيرة والجماعات المسلحة فرصة لتوجيه ضربات تتجاوز حجمها الحقيقي. وبات بإمكان هؤلاء الخصوم استهداف القواعد الأميركية الخلفية، وإيقاع خسائر وإلحاق أضرار بطائرات أميركية باهظة الثمن. ودمرت هجمات صاروخية إيرانية على قواعد أميركية في الخليج طائرة إنذار مبكر من طراز “إي-3 سينتري” E-3 Sentry (المعروفة بـ “أواكس”). وتتجاوز خسارة هذه الطائرة بكثير كلفتها البالغة 300 مليون دولار، إذ لم يعد لدى الأسطول الأميركي سوى 15 طائرة من الطراز ذاته، فيما لا يزال برنامج استبدالها يحتاج إلى سنوات. كما أصابت الصواريخ الإيرانية خمس طائرات لإعادة التزود بالوقود جواً من طراز “كي سي-135 ستراتوتانكر” KC-135 Stratotanker، إلى جانب رادارات أميركية أرضية عدة.
لم تغير المسيرات ديناميكيات الحرب فحسب، بل غيرت بعدها الاقتصادي أيضاً. ففي الخليج وأماكن أخرى، تستطيع المسيرات الجوية والبحرية والصواريخ منخفضة الكلفة تدمير أصول أكثر كلفة بكثير. واستخدمت أوكرانيا زوارق مسيرة انتحارية وصواريخ مضادة للسفن لتقويض أسطول البحر الأسود الروسي، فأغرقت 13 سفينة خلال عامين من الحرب وألحقت أضراراً بعشرات أخرى. ويمكن لقارب مسير تبلغ كلفته 300 ألف دولار، أن يعطل سفينة حربية تكلف مئات الملايين من الدولارات.
لا يزال الجيش الأميركي الأقوى في العالم، لكنه لم يستعد بعد للعصر الجديد من الحرب المعاصرة. وهو بحاجة إلى إنتاج مزيد من المسيرات والصواريخ الاعتراضية منخفضة الكلفة، وإلى التكيف بصورة أفضل مع متطلبات المنافسة في الذكاء الاصطناعي. وكما لا يستطيع الجيش حشد قوة جوية من دون بناء طائرات، ولا الهيمنة على البحار من دون سفن، فإنه لن ينتصر في عصر الذكاء الاصطناعي من دون تسخير البيانات، وشراء القدرة الحوسبية، وتعلم أفضل السبل لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي. وللحفاظ على التفوق في ساحة المعركة، يتعين على الجيش الأميركي إيجاد طرق لدمج هذه التكنولوجيات الجديدة بكفاءة. وسيستلزم ذلك التغلب على الحواجز الثقافية والبيروقراطية داخل القوات المسلحة، وبناء علاقات أوثق مع القطاع الخاص، وابتكار طرق جديدة لتقييم القوة العسكرية. وإذا لم يتكيف الجيش الأميركي على هذا النحو، فسيجد نفسه على نحو متزايد في مواجهة خصوم يضاهونه في ساحة المعركة. وبعد عقود من الهيمنة التي ضمنها تفوقه التكنولوجي، ستتراجع الولايات المتحدة، لأنها سمحت لتفوقها بأن يتآكل بصورة خطرة.
صراع المسيرات
كثيراً ما اعتمدت الولايات المتحدة على الابتكار التكنولوجي لتحقيق التفوق على خصومها، ففي بدايات الحرب الباردة عول المخططون الدفاعيون الأميركيون على الأسلحة النووية لتعويض التفوق العددي للجيش السوفياتي في أوروبا. وفي سبعينيات القرن الـ20، أدخلت الولايات المتحدة ثورة المعلومات إلى تخطيطها العسكري، ومنحتها التطورات في أشباه الموصلات وشبكات الحاسوب والأقمار الاصطناعية تفوقاً في أنظمة التخفي والأسلحة الدقيقة التوجيه ونظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس” (GPS). وأثبتت هذه التكنولوجيات قيمتها الهائلة في حرب الخليج 1990-1991، حين فككت الولايات المتحدة الجيش العراقي بصورة منهجية. وكان أثرها أكثر إثارة للإعجاب خلال غزو العراق عام 2003، عندما استولت القوات الأميركية على بغداد في ثلاثة أسابيع فقط. وفي عام 2014، أطلق البنتاغون استراتيجية “الموازنة الثالثة” التي سعت إلى استخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي لتعويض التفوق العددي للقوات الصينية والروسية. ودفعت هذه الاستراتيجية الجيش الأميركي إلى الاستفادة من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الناشئة في القطاع التجاري، وأقنعت المسؤولين الأميركيين بأن بإمكانهم ترسيخ تفوق تكنولوجي مستدام على الخصوم.
لكن هذه المرة، لن تنجح مثل هذه الاستراتيجية. فلم تعد الولايات المتحدة تتمتع بتفوق واضح في التكنولوجيات الناشئة، ولن تتمكن من اكتساب مثل هذا التفوق.
خذ مثلاً المركبات غير المأهولة، فالمسيرات الرخيصة متاحة على نطاق واسع في أنحاء العالم، ولن تتمكن الولايات المتحدة من منع منافسيها من نشرها بأعداد كبيرة. وقد برزت إيران خلال السنوات الأخيرة منتجاً رئيساً للمسيرات الرخيصة، وزودت روسيا بآلاف المسيرات لاستخدامها في حربها بأوكرانيا. وبالاستناد إلى تصميمات إيرانية، أنتجت روسيا عشرات الآلاف من المسيرات الإضافية.
نظرياً، يفترض أن تكون الولايات المتحدة قادرة على إنتاج أعداد هائلة من هذه الأسلحة، فالمسيرات منخفضة الكلفة لا تعتمد على تكنولوجيا خاصة. لكن الجيش الأميركي واجه عملياً صعوبة في نشر مسيرات رخيصة بأعداد تذكر. فأوكرانيا تنتج 4 ملايين مسيرة سنوياً، بينما يقتني الجيش الأميركي 50 ألفاً فقط.
جعل قادة البنتاغون في إدارتي بايدن وترمب إنتاج المسيرات منخفضة الكلفة أولوية، لكن مشكلات هيكلية حالت دون ذلك. وتعتمد المسيرات العسكرية الصغيرة على تكنولوجيا طورت أصلاً لسوق الهواة التجارية التي تهيمن عليها شركة “دي جاي آي” DJI الصينية، وبطبيعة الحال لا يريد الجيش الأميركي الاعتماد على معدات عسكرية من منافسه الرئيس، ولذلك ينتهي به الأمر إلى شراء مسيرات أميركية الصنع أعلى كلفة بكثير، مع أنها لا تزال تستخدم في كثير من الأحيان مكونات صينية.
والأسوأ أن الولايات المتحدة ببساطة ليست بارعة في بناء الأشياء بكلفة منخفضة، أو الاستجابة بسرعة، أو توسيع الإنتاج بوتيرة سريعة. على مدى عقود، اتجه الإنتاج الدفاعي الأميركي نحو منصات أكثر تطوراً وأعلى كلفة. أما المسيرات، فعلى النقيض، دفعت المشهد العسكري نحو أسلحة منخفضة الكلفة يمكن التضحية بها، وإنتاجها بأعداد كبيرة.
كانت الولايات المتحدة بطيئة في التكيف، فقد هدفت مبادرة “ريبليكاتور” التي أطلقتها وزارة الدفاع عام 2023 إلى نشر آلاف الأنظمة الذاتية منخفضة الكلفة بسرعة، لكنها لم تنتج سوى مئات منها. وأعلنت قيادة البنتاغون الحالية خططاً لتوسيع إنتاج المسيرات منخفضة الكلفة، متعهدة بأكثر من مليار دولار لإنتاج 340 ألف مسيرة بحلول عام 2027، ووضع الجيش هدفاً أكثر طموحاً يتمثل في إنتاج ما لا يقل عن مليون مسيرة بحلول عام 2028. ولتحقيق هذه الأهداف، سيحتاج الجيش إلى تمويل مستمر وكبير لبناء قاعدة صناعية للمسيرات الصغيرة لا تزال غير موجودة على نطاق واسع.
لكن تكنولوجيا المسيرات لا تتوقف عند هذا الحد، فسرعان ما ستتمكن هذه المركبات من العمل بقدر أكبر من الاستقلالية وبالتنسيق الوثيق مع آلات أخرى. ومعظم المسيرات اليوم تقاد عن بعد أو تستخدم أتمتة بسيطة، مثل اتباع نقاط مسار محددة أو العودة للقاعدة إذا انقطع الاتصال بالطيار البشري، وأصبحت أوكرانيا ساحة اختبار لخصائص ذاتية أكثر تطوراً. فعلى سبيل المثال، تمتلك مسيرات أوكرانية كثيرة توجيهاً ذاتياً في المرحلة النهائية، يتيح للطائرة غير المأهولة قطع مئات الأمتار نحو الهدف بمفردها إذا أدى التشويش المعادي إلى قطع الاتصال بين الآلة والطيار البشري. وتنتج أوكرانيا أيضاً مسيرات هجومية بعيدة المدى يمكنها قطع مسافة تصل إلى 600 ميل (نحو 965 كيلومتراً)، والملاحة ذاتياً من دون نظام “جي بي إس”، عبر مطابقة الصور التي تلتقطها الكاميرات على متنها مع صور أقمار اصطناعية محملة مسبقاً، وستنتشر هذه الابتكارات إلى ما هو أبعد من أوكرانيا. وسرعان ما ستمتلك الدول والجماعات المسلحة مسيرات مماثلة قادرة على إصابة الأهداف حتى عندما يعمد الخصوم إلى قطع الاتصالات ومنع المسيرة من الوصول إلى “جي بي إس”، وستجهز المسيرات بأنظمة توجيه ذاتي أكثر تطوراً تتيح لها البحث في مساحات واسعة وتحديد الأهداف ومهاجمتها من تلقاء نفسها.
ستغير هذه التطورات الحرب بطرق عميقة، فما هو اليوم مسيرات بسيطة سيصبح غداً أسراباً ذكية: آلاف المسيرات التي تتفاعل في الوقت الفعلي مع الظروف المتغيرة في ساحة المعركة. وستستخدم الأسراب لتعقب الأهداف المتحركة، وتنفيذ هجمات متزامنة لإغراق الدفاعات، وبناء شبكات اتصالات وإمداد قادرة على الصمود أمام التشويش المعادي والتعطيل والهجمات، وستتمكن أسراب الروبوتات الذاتية من العمل بسرعة وتنسيق وديناميكية لا يستطيع الطيارون البشر مضاهاتها.
وسيتطلب الاستفادة الكاملة من أسراب المسيرات إعادة التفكير جذرياً في القيادة والسيطرة العسكريتين، والهياكل التنظيمية، وطريقة توجيه القادة البشر للقوات في ساحة المعركة. ولن يقود المشغلون العسكريون المسيرات مباشرة، بل سيتولون قيادة أسراب كاملة تضم مئات أو آلاف المسيرات، بينما تنسق المسيرات نفسها سلوكها بصورة ذاتية. وسيتعين على الجيوش تحديد أنواع الأوامر التي ينبغي إعطاؤها للأسراب وكيف ينبغي للمسيرات الذاتية التنسيق في ما بينها. وسيستلزم ذلك تغييراً كبيراً عن نماذج القيادة العسكرية التقليدية، واستبدال الهياكل الهرمية بأخرى أكثر لامركزية.
تغير المسيرات بالفعل ديناميكيات القتال في ساحة المعركة، بطرق لم تتعامل معها الولايات المتحدة بعد. ففي حرب أوكرانيا، على سبيل المثال، جعل وجود المسيرات المستمر في السماء من الصعب على أي من الطرفين حشد قواته. وأصبحت المسيرات مسؤولة الآن عن غالبية الخسائر الروسية، لتحل محل المدفعية في هذا الدور. وأظهرت الحرب في إيران كيف جعلت المسيرات القواعد البعيدة من خطوط الجبهة عرضة للخطر، وسيتعين على الجيش الأميركي التكيف مع هذا الواقع الجديد، عبر زيادة الاستثمار في التمويه والخداع ووسائل أخرى للاختباء من الرصد، وفي تشتيت القوات للحد من الأخطار.
وتحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى وسائل أكثر كفاءة من حيث الكلفة، للدفاع ضد الأعداد الهائلة من الصواريخ والمسيرات الرخيصة التي يستطيع الخصوم إطلاقها. وقد قطعت الدفاعات الصاروخية شوطاً طويلاً خلال الأعوام الـ35 منذ حرب الخليج، عندما كانت بطاريات “باتريوت” الأميركية تكاد تكون عاجزة عن إسقاط صواريخ “سكود” العراقية التي استهدفت إسرائيل. لكن تكنولوجيا الصواريخ الهجومية تطورت أيضاً، وتضخم خطر المسيرات، وكانت النتيجة النهائية أن الولايات المتحدة خسرت مواقعها على رغم تفوقها. والدفاعات الصاروخية اليوم فعالة، لكنها مكلفة. وقد أسقطت الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج 1700 صاروخ باليستي ومسيرة إيرانية منذ نهاية فبراير الماضي، لكن ميزان الكلفة في مقابل النتيجة يميل بشدة لمصلحة إيران. واعتراض مسيرة من طراز شاهد تبلغ كلفتها 35 ألف دولار، أو 7 آلاف دولار وفق بعض التقديرات الحديثة، بصاروخ “باتريوت” تبلغ كلفته 4 ملايين دولار لن يكون سوى انتصار نظري ومكلف للغاية.
ولا يملك الجيش الأميركي ما يكفي من الصواريخ الاعتراضية، وقد استنزفت الحرب مع إيران مخزوناته بشدة. فمنذ بدء الحرب، استخدمت الولايات المتحدة نحو نصف صواريخ “باتريوت” التي تملكها، وما بين 50 و80 في المئة من صواريخ “ثاد” الاعتراضية. وتتخذ إدارة ترمب خطوات لتوسيع القدرة الإنتاجية، لكن تعويض الخسائر سيستغرق سنوات. وسيترك استنزاف هذه المخزونات القوات الأميركية عرضة للخطر ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في آسيا وأوروبا أيضاً.
كما هي الحال مع المسيرات منخفضة الكلفة، يتخذ البنتاغون خطوات لتطوير الصواريخ الاعتراضية منخفضة الكلفة وتوسيع إنتاجها. وتبلغ كلفة صاروخ “كويوت” Coyote الاعتراضي للمسيرات نحو 125 ألف دولار، فيما تبلغ كلفة صاروخ “ميروبس” Merops نحو 15 ألف دولار، وهو تحسن كبير مقارنة بصواريخ تبلغ كلفتها ملايين الدولارات. وستحتاج واشنطن إلى زيادة إنتاج هذه الصواريخ الاعتراضية الأرخص، لمجرد مواكبة التهديد المتنامي.
النموذج القادم
سيحدث الذكاء الاصطناعي تغييرات أوسع نطاقاً في الحرب، وعلى رغم أن الولايات المتحدة موطن الشركات الرائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي، فإن التقدم في هذا المجال سيسرع مزيداً من تآكل التفوق التكنولوجي العسكري الأميركي. وتعيش واشنطن تحت وطأة ما يسمى “سباق الذكاء الاصطناعي” بين الولايات المتحدة والصين، لكن الواقع اليوم هو وجود تكافؤ تكنولوجي إلى حد كبير.
تتخلف نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية عن النماذج الأميركية الرائدة بفارق بضعة أشهر فقط، وتعتمد شركات صينية مثل “ديب سيك” DeepSeek و”مون شوت” Moonshot و”ميني ماكس” MiniMax فعلياً على النماذج الأميركية، وتستخدمها لتدريب نماذجها بكلفة لا تتجاوز جزءاً بسيطاً من الكلفة الأميركية. وقد رصدت “أنثروبيك” و”أوبن إي آي” و”غوغل” وأبلغت عن منافسين أجانب ينفذون جهوداً واسعة النطاق، لاستخراج معلومات من النماذج الأميركية في انتهاك لشروط استخدامها. وتعوض الشركات الصينية محدودية وصولها إلى رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، التي تقيدها ضوابط التصدير الأميركية، عبر تقليد المكاسب التي حققتها الشركات الأميركية التي تمتلك أقوى الرقائق وأكثرها تقدماً. وتعرف هذه التقنية باسم “التقطير العدائي” [أسلوب يدرب فيه نموذج ذكاء اصطناعي أصغر أو أقل كلفة على تقليد قدرات نموذج أكبر وأقوى بدلاً من تطوير القدرات نفسها من الصفر]، وهي تلغي عملياً التفوق الأميركي في أكثر قدرات الذكاء الاصطناعي تطوراً.
ومن المجالات الأخرى التي تمتعت فيها الولايات المتحدة حتى وقت قريب بتفوق استخدام الذكاء الاصطناعي لتحويل التحليل الاستخباري والتخطيط العملياتي، وتدمج نماذج لغوية كبيرة في نظام “مايفن سمارت” Maven Smart System التابع لشركة “بالانتير” Palantir، الذي يجمع المعلومات الاستخبارية من مصادر متعددة في واجهة واحدة تتيح للمحللين تقييم ساحة المعركة، ويتيح الذكاء الاصطناعي لمحللي الاستخبارات والمخططين تركيب كميات هائلة من البيانات ووضع خطط للضربات. وأفادت تقارير بأن الجيش الإسرائيلي استخدم أنظمة تعلم آلي لمعالجة البيانات والتوصية بأهداف للضربات في غزة، لكن عمليات الجيش الأميركي ضد إيران يرجح أنها أول استخدام كبير لنماذج لغوية كبيرة في ساحة المعركة. وفي إيران، حيث أعيد توجيه الطائرات الأميركية مراراً إلى أهداف جديدة أثناء الطيران، استخدم الجيش الأميركي الذكاء الاصطناعي لترتيب أولويات الأهداف وبناء حزم الضربات في ساحة معركة متغيرة وديناميكية.
لكن خلال بضعة أشهر، سيتمكن الجيش الصيني من الوصول إلى نماذج ذكاء اصطناعي بالقدرات نفسها. وفي الواقع، ستتمكن كل الجيوش والجماعات المسلحة في العالم من الوصول إلى هذه الأدوات، فالذكاء الاصطناعي ليس سراً تحرسه حكومات بعينها، بل نتاج للقطاع التجاري، والابتكارات التجارية تنتشر في أنحاء العالم بسرعة نسبية. وعلى رغم استعداد الشركات الأميركية الرائدة للعمل مع الجيش الأميركي، فإن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تنتشر بوتيرة أسرع مما يستطيع الجيش أن يدمجها ويتبناها بصورة معقولة، ناهيك باستخدامها لتحويل عملياته. وفي نهاية المطاف، ما يهم الجيوش ليس أية دولة تطور أداة أو قدرة جديدة أولاً، بل أي جيش يستطيع تبنيها أولاً.
خلال فترات التغيير التكنولوجي المزعزع، يتحدد النجاح النسبي للجيش بمدى جودة توظيفه للتكنولوجيا الجديدة. ففي مطلع القرن الـ20، كانت جميع القوى العسكرية الكبرى في ذلك العصر تمتلك أسلحة جديدة مثل الدبابات والغواصات والطائرات، وكان التحدي هو معرفة أفضل السبل لاستخدامها.
وشهدت الفترة بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية تجريب الجيوش للتكنولوجيات الجديدة، وابتكار هياكل تنظيمية وعقائد وأساليب تدريب جديدة لتسخير هذه الأسلحة. وكانت المملكة المتحدة أول من ابتكر حاملات الطائرات، لكنها تخلفت عن اليابان والولايات المتحدة في الطريق إلى الحرب العالمية الثانية. وكانت تكنولوجيا الطائرات البريطانية من بين الأكثر تقدماً، لكن عقبات ثقافية وبيروقراطية داخل الجيش البريطاني، مثل قراره الخاطئ بإسناد مسؤولية الطيران البحري إلى سلاح الجو الملكي بدلاً من البحرية، أبطأت تبني التكنولوجيا.
هذا الأمر بالغ الأهمية لأن الأساليب، أكثر من المعدات والأنظمة المتطورة، هي التي تحدث الفرق في ساحة المعركة. ففي نهاية المطاف، تدور معظم الحروب بين خصوم متقاربين في مستوى التكنولوجيا. وفي دراسة أجراها الباحث ستيفن بيدل حول الحروب البرية بين عامي 1956 و1992، وجد أن الفارق الزمني بين الخصوم في التكنولوجيا العسكرية كان في المتوسط أقل من ثلاث سنوات.
الأساليب تصنع الفارق
إن تقييد القدرة الحوسبية للصين ضروري للتفوق على بكين في تبني الذكاء الاصطناعي، ولتمكين الجيش الأميركي من استخدامه بفاعلية أكبر حتى إذا حصلت الصين على نماذج بالقدرات نفسها. فالقدرة الحوسبية أساسية لنشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. ويتطلب استخدام أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً قدراً هائلاً من الطاقة والقدرة الحوسبية، وتضخ شركات التكنولوجيا مئات مليارات الدولارات في بناء مراكز بيانات ضخمة لتلبية الطلب على الذكاء الاصطناعي. واليوم، تشبه القدرة الحوسبية إلى حد كبير الطاقة التصنيعية في العصر الصناعي. وكما كانت القدرة التصنيعية للدولة تحدد نموها الاقتصادي وقوتها العسكرية، ستحدد القدرة الحوسبية الإجمالية قوتها في الذكاء الاصطناعي، وبالتالي قوتها الشاملة.
وأقوى أداة تملكها الولايات المتحدة لإبطاء تقدم الصين في الذكاء الاصطناعي هي ضوابط التصدير التي تمنع الشركات الصينية من شراء الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات، فالرقائق أساسية لتدريب أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً واستخدامها، وتحتل الشركات الأميركية نقاط اختناق رئيسة في سلسلة إمداد إنتاج الرقائق.
وخلال إدارة ترمب الأولى وإدارة بايدن، شددت الحكومة الأميركية تدريجاً ضوابط التصدير على رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة ومعدات تصنيع الرقائق إلى الصين. لكن في يناير (كانون الثاني) 2026، تراجعت إدارة ترمب عن هذا المسار ووافقت على بيع رقاقة “إتش 200” H200 من “إنفيديا” إلى الصين. وحتى أبريل (نيسان) 2026، لم تكن الرقائق قد نقلت إلى الصين، على رغم أن وزارة التجارة أصدرت تراخيص لكميات محدودة وأن “إنفيديا” تلقت طلبات من عملاء صينيين. ومع القيود العامة على إمدادات الرقائق اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي وارتفاع الطلب في الولايات المتحدة، تمثل كل رقاقة تباع للصين خسارة لواشنطن ومكسباً لبكين. وينبغي لإدارة ترمب إعادة فرض الحظر على رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين، بدلاً من التخلي عن التفوق الأميركي لمنافس استراتيجي.
وينبغي لإدارة ترمب أيضاً العمل مع اليابان وهولندا لتشديد ضوابط تصدير معدات تصنيع الرقائق إلى الصين، وتعتمد مصانع تصنيع الرقائق المتقدمة على تكنولوجيات من اليابان وهولندا والولايات المتحدة. وتسعى الصين بشدة إلى زيادة قدرتها المحلية على تصنيع أشباه الموصلات، للحد من اعتمادها على الرقائق الأجنبية. لكن من دون الوصول إلى معدات تصنيع الرقائق الحيوية، لن تتمكن الصين من إنتاج الرقائق المتطورة الرائدة. وقد مارست إدارة ترمب الأولى ضغوطاً كبيرة على هولندا لوقف بيع معدات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى إلى الصين، وهي آلات ضرورية لصنع أكثر الرقائق تقدماً. ومع ذلك، واصلت الصين إحراز تقدم باستخدام تكنولوجيا الطباعة الحجرية بالغمر بالأشعة فوق البنفسجية العميقة الأقدم، التي لا تخضع للقيود.
وبالطبع، لن تفعل محاولة تقييد وصول الصين إلى المعدات، مثل الرقائق ومعدات تصنيعها، كثيراً للحد من مكاسبها من عمليات “التقطير العدائية”. وينبغي للحكومة الأميركية أيضاً العمل مع شركات الذكاء الاصطناعي للتصدي للمنافسين الأجانب، الذين يستخرجون قدرات النماذج الأميركية. وعلى الكونغرس إقرار تشريع يحمي الشركات الأميركية من المسؤولية بموجب قوانين مكافحة الاحتكار عندما تتبادل المعلومات عن عمليات التقطير، على غرار التشريعات القائمة لمعالجة التهديدات السيبرانية. ومن شأن تعاون أفضل بين شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية تحسين الدفاعات ضد عمليات التقطير، من خلال تبادل أفضل الممارسات ومعلومات التهديدات. وينبغي لواشنطن أيضاً فرض عقوبات على الكيانات الصينية، الضالعة في الاستخراج غير المشروع لقدرات نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة للشركات الأميركية. ومن شأن فرض عقوبات على شركات صينية محددة منع الشركات الأميركية من التعامل معها، وفي الحالات القصوى قطع تلك الشركات المخالفة عن النظام المالي العالمي.
وفي بعض الحالات، قد ترغب مختبرات الذكاء الاصطناعي نفسها في إبقاء بعض أكثر قدرات الذكاء الاصطناعي تقدماً بعيداً من الإطلاق العام، بما قد يبطئ انتشارها. وقد اتبعت “أوبن أي آي” و”أنثروبيك” هذا النهج عندما أخرتا إطلاق أحدث نماذجهما، مثل “ميثوس” Mythos الخاص بـ”أنثروبيك”، خشية أن تستخدمها جهات سيئة لتنفيذ هجمات إلكترونية هجومية. وقد تعاونت الأخيرة أيضاً مع عدد من شركات التكنولوجيا الرائدة في “مشروع غلاسوينغ” Project Glasswing لاستخدام نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بها لاكتشاف الثغرات الأمنية الإلكترونية ومعالجتها قبل انتشار قدرات أكثر خطورة. وقد أنشأت “أوبن إي آي” برنامج “الوصول الموثوق”، الذي يتيح لآلاف خبراء الأمن السيبراني المعتمدين الوصول إلى أدواتها الخاصة بالدفاع السيبراني.
يمكن لهذه المقاربات أن تمنح خبراء الأمن السيبراني أفضلية زمنية في التصدي لقدرات الذكاء الاصطناعي الخطرة القادمة، لكن الوقت يداهم الجميع. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قدرت مجموعة أبحاث الذكاء الاصطناعي “إيبوك إي آي” Epoch AI أن أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة الأوزان قدرة، أي النماذج المتاحة لأي شخص للتنزيل، لم تكن متأخرة عن نماذج أحدث ما توصل إليه المجال إلا بثلاثة أشهر. وسيؤدي تقييد إطلاق هذه النماذج إلى إبطاء انتشارها، لكنه لن يكون حلاً دائماً لعمليات التقطير العدائي. وقدر جاك كلارك، الشريك المؤسس لشركة “أنثروبيك”، في أبريل (نيسان) 2026 أن قدرات الذكاء الاصطناعي السيبراني التي تمثل أحدث ما توصل إليه المجال اليوم ستكون متاحة على نطاق واسع ومفتوحة المصدر خلال 12 إلى 18 شهراً.
لا تستطيع واشنطن وقف انتشار قدرات الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تزال قادرة على تحقيق أفضلية صغيرة. فتمديد فترة التفوق من ثلاثة أشهر إلى 18 شهراً يمنح خبراء الأمن السيبراني والجيش الأميركي وقتاً أطول لتبني أحدث تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي. ومن هذا المنظور، لن يمنح النهج الصحيح في التعامل مع التكنولوجيا الولايات المتحدة تفوقاً دائماً، لكنه سيمنح واشنطن تقدماً صغيراً في سباق مستمر.
وعلى الولايات المتحدة استخدام ذلك الوقت للابتكار والتجريب بالذكاء الاصطناعي وتكييف مؤسساتها وعقيدتها، لتحقيق أقصى استفادة من أحدث التكنولوجيا. وسيتطلب ذلك تغييراً في طريقة التفكير، والابتعاد من النهج البطيء والمتأني الذي يتبعه الجيش الأميركي عادة في زمن السلم، والانتقال إلى نهج حربي يقوم على التكرار السريع والتكيف. فقد عدل الجيش الأميركي ممارساته بسرعة خلال حربي العراق وأفغانستان، ونشر المعدات سريعاً وغير تكتيكاته لمواجهة خطر العبوات الناسفة المرتجلة، واستخدم المسيرات لمراقبة المتمردين. ولن تتمكن الإجراءات البيروقراطية التقليدية في البنتاغون لتحديد متطلبات الأنظمة العسكرية وإعداد الموازنات وشراء التكنولوجيا من مواكبة الذكاء الاصطناعي، والحفاظ على التفوق على الخصوم.
وبدافع شعور وجودي بالحاجة الملحة، رفعت أوكرانيا إنتاجها إلى 4 ملايين مسيرة سنوياً. ومع ناتج محلي إجمالي يعادل 140 ضعف الناتج الأوكراني، يفترض أن تكون الولايات المتحدة قادرة على الاقتراب من هذا الرقم. وعلى رغم أن البنتاغون استغرق سنوات للاستثمار بما يكفي في المركبات المدرعة لمواجهة خطر القنابل على جوانب الطرق في العراق وأفغانستان بجدية، لكن بعدما جعل وزير الدفاع روبرت غيتس ذلك أولوية عام 2007، فقد قام الجيش بنشر 10 آلاف مركبة مدرعة خلال نحو عام ونصف عام.
لحسن الحظ، فإن القيادة الحالية للبنتاغون مستعدة لكسر القالب. فقد وضعت وزارة الدفاع نماذج لغوية كبيرة على شبكاتها السرية وغير السرية، وأتاحت لـ3 ملايين مستخدم عسكري ومدني في المؤسسة الدفاعية الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي. كما توسع قيادة البنتاغون عدد النماذج المتاحة عبر الشبكات، بما يمنح الموظفين مجموعة متنوعة من منصات الذكاء الاصطناعي. والمؤشرات الأولية إيجابية، فقد أعلنت وزارة الدفاع أن أكثر من مليون مستخدم استخدموا نماذج الذكاء الاصطناعي. لكن الوزارة ستحتاج إلى فعل مزيد لخلق الحوافز البيروقراطية والثقافية المناسبة لتبنيها، بما في ذلك منح الموظفين حرية التجريب بالذكاء الاصطناعي وقبول الفشل والأخطاء.
وأكدت استراتيجية الوزارة للذكاء الاصطناعي، التي صدرت في يناير (كانون الثاني) الماضي، أهمية السرعة. ولتقليص المعاملات البيروقراطية، أنشأت الاستراتيجية “مجلس إزالة العوائق” يفعل شهرياً لتخطي القيود غير التشريعية التي قد تعرقل التبني العملي للذكاء الاصطناعي. ولإتاحة وصول أكبر إلى البيانات، وجهت الاستراتيجية إلى مشاركة البيانات مع المستخدمين المصرح لهم، وأن يكون رفض أي طلب للحصول على بيانات مبرراً خلال سبعة أيام. وهذه خطوات مرحب بها لتسريع عمل البنتاغون، لكن السرعة وحدها لن تكون كافية.
أزمة الهوية
تنبع بعض أكبر العقبات أمام الاستفادة الكاملة من مزايا التكنولوجيا الجديدة من الثقافة المؤسسية، فالتقدم التكنولوجي يتطلب طرقاً جديدة لشن الحرب، وقد تتحدى هذه الطرق أحياناً العادات الراسخة والهويات المتجذرة داخل أفرع القوات المسلحة. قاومت البحرية الأميركية الانتقال من الشراع إلى البخار في القرن الـ19، بل تراجعت عن تبني الدفع البخاري بعد الحرب الأهلية. واستمرت النقاشات حول أفضل طريقة لاستخدام الدبابات في الجيش الأميركي، طوال الحرب العالمية الثانية. وحتى عام 1943، كتب الفريق ليزلي ماكنير، قائد القوات البرية، مذكرة إلى رئيس أركان الجيش الجنرال جورج مارشال، جادل فيها بأن اجتياح ألمانيا لفرنسا قبل ثلاثة أعوام باستخدام تكتيكات الحرب الخاطفة كان حالة استثنائية، وأن الدور الصحيح للدبابات هو دعم المشاة لا قيادة هجوم مدرع بمفردها.
ولا تقل مؤسسات القوات المسلحة اليوم تمسكاً بالقوالب القديمة، فثقافة كل فرع عسكري وتصوره للقوة الجوية يؤثران في طريقة تبنيه المسيرات. وكان الجيش أول من تبنى ضوابط طيران أكثر أتمتة، بما في ذلك الإقلاع والهبوط، واستخدام الأفراد المجندين للتحكم في المسيرات. وقاومت القوات الجوية هذه الابتكارات لأنها تتحدى تصورها لمشغلي المسيرات باعتبارهم “طيارين”، لكنها كانت مبتكرة في تشغيل المسيرات من قواعد داخل الولايات المتحدة، بينما اختار الجيش نشر مشغلي المسيرات في العراق وأفغانستان، وهو استخدام أقل كفاءة بكثير للأفراد. ويتيح تركيز مشغلي المسيرات في قواعد داخل الولايات المتحدة تشغيلها بصورة متواصلة، في حين أن سياسة الجيش القاضية بنشر مشغلي المسيرات في الخطوط الأمامية خلال حربي العراق وأفغانستان كانت تعني أن نحو ثلثي مشغلي المسيرات في الجيش كانوا موجودين داخل الولايات المتحدة بين فترات الانتشار، وبالتالي لم يكونوا يشغلون المسيرات. لكن من وجهة نظر الجيش، لا ينبغي للجنود أن يخوضوا الحرب عن بعد من منازلهم.
تفاوت الحماسة للأنظمة غير المأهولة والروبوتية على نطاق واسع داخل البحرية الأميركية، فقد تبنت قوة الغواصات إلى حد كبير المركبات الروبوتية تحت البحر، التي تكمل عمل الغواصات ولا تحل محلها. أما في الطيران البحري، فمساحة سطح حاملة الطائرات محدودة. وكل مسيرة تضاف إلى سطح الحاملة، تحل محل طائرة مقاتلة مأهولة تقليدية. وعلى رغم أن مسيرة قتالية شبحية يمكن أن توسع مدى الحاملة بصورة كبيرة، خفضت البحرية تصنيف مسيرات حاملات الطائرات إلى طائرات للتزود بالوقود، تنقل الوقود لدعم الطائرات المقاتلة المأهولة بدلاً من أن تحل محلها. وبذلك، ومن أجل الحفاظ على وظائف الطيارين، اختارت البحرية التضحية بمدى حاملات الطائرات وقدرتها الضاربة.
يمثل الذكاء الاصطناعي تحدياً أكبر للصورة الذاتية لأفرع القوات المسلحة من المسيرات، فهو يثير أسئلة أساسية حول أدوار البشر والآلات. وستتكرر في الجيش المخاوف نفسها التي يثيرها الذكاء الاصطناعي في المجتمع في شأن الاستيلاء على الوظائف، إذ ترتبط هويات أفراد القوات المسلحة بقوة بالمهمات التي يؤدونها، إلى حد أنها تستمر أحياناً حتى بعد أن تجعل التكنولوجيا المهمة بالية منذ زمن. ولا يزال أفراد البحرية يسمون “بحارة”، على رغم أنهم لم يعودوا يتسلقون الصواري أو يرفعون الأشرعة ويخفضونها أو يتعاملون مع الحبال. ولا يزال في الجيش جنود يعرفون بأنهم “فرسان”، على رغم أنهم لم يعودوا يمتطون الخيل. وتستمر هذه الهويات بوصفها آثاراً تاريخية حتى مع تغير وظائف أفراد القوات المسلحة، وقد يحدث الشيء نفسه مع تحول الذكاء الاصطناعي للقوات المسلحة. لكن تاريخ تبني التكنولوجيا العسكرية، من السفن البخارية إلى الدبابات والمسيرات، يشير إلى أن الهوية والثقافة يمكن أن تكونا قوتين قادرتين على منع الجيوش من تحقيق الفوائد الحقيقية للتكنولوجيات الجديدة.
التفوق العددي والتفوق التقني
وثمة قوة أخرى في الولايات المتحدة أساسية لضمان التفوق التكنولوجي العسكري للبلاد: القطاع الخاص. وسيتطلب تبني ذكاء اصطناعي فعال شراكة عميقة مع القطاع الصناعي الأوسع، والشركات التي تطور الذكاء الاصطناعي، وخبراء مستقلين متخصصين في تقييم قدراته وحدوده. ولتحقيق ذلك، سيتعين على قيادة البنتاغون إصلاح علاقاتها مع وادي السيليكون، التي توترت خلال الأشهر الأخيرة بسبب الخلاف مع “أنثروبيك” حول شروط عقدها مع وزارة الدفاع. فقد أصر البنتاغون على أنه يريد وصولاً غير مقيد إلى تكنولوجيا “أنثروبيك” من أجل “أي استخدام قانوني”، بينما أرادت “أنثروبيك” وضع ضوابط حول إمكان استخدام تقنيتها للمراقبة الجماعية داخل الولايات المتحدة ولتشغيل أسلحة ذاتية بالكامل.
وما هو على المحك يتجاوز بكثير علاقة الجيش بشركة واحدة، فقد غذى الخلاف العلني رد فعل متزايداً بين مهندسي الذكاء الاصطناعي، الذين باتوا يعارضون العمل مع الجيش بصورة متزايدة. ووقع أكثر من ألف موظف في “غوغل” و”أوبن أي آي” رسالة مفتوحة تحث الشركتين على الوقوف معاً لمواصلة رفض المطالب الحالية لوزارة الحرب”. وفي أبريل (نيسان) 2026، وقع أكثر من 600 موظف في شركة “غوغل” رسالة مفتوحة تطالب الشركة بعدم السماح باستخدام نماذجها للذكاء الاصطناعي في أي عمل سري على الإطلاق. وقد أساء كبار مسؤولي الدفاع إدارة هذه الأزمة، فأعادوا إشعال توترات قديمة بين الجيش وصناعة الذكاء الاصطناعي.
لا تستطيع وزارة الدفاع تحمل كلفة إبعاد المهندسين، الذين يبنون أقوى تكنولوجيا ستشكل مستقبل الحرب. ويجب أن يتمتع الجيش بإمكان الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتطور، لكن إكراه الشركات الأميركية، كما حاول البنتاغون عندما صنف “أنثروبيك” “خطراً على سلسلة الإمداد”، لن يشجع التعاون. وبعد أن أوقفت “غوغل” عام 2018 العمل مع مبادرة وزارة الدفاع المبكرة للتعلم الآلي ودمج البيانات المعروفة باسم “مشروع مايفن”، شن البنتاغون حملة لاستمالة القطاع. وأصدر “المبادئ الأخلاقية للذكاء الاصطناعي”، وهي إرشادات الوزارة لتبني الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، ولم تساعد هذه المبادئ في معالجة مخاوف كثير من باحثي الذكاء الاصطناعي في شأن الاستخدامات العسكرية لأعمالهم فحسب، بل حسنت أيضاً عمليات الجيش في استخدام الذكاء الاصطناعي. ويتعين على قيادة البنتاغون اليوم تغيير المسار بصورة عاجلة لتهدئة التوترات وبناء الجسور، لا حرقها.
الذكاء الاصطناعي أداة قوية، لكنه يعاني عيوباً كثيرة. فالنماذج اللغوية الكبيرة اليوم تنطوي على تحيزات دقيقة، وتميل إلى اختلاق المعلومات، كما تنخرط في ما يعرف بـ”التملق”، أي إخبار المستخدم بما يعتقد الذكاء الاصطناعي أنه يريد سماعه، ويتطلب الاستخدام الفعال للذكاء الاصطناعي التعامل بجدية مع هذه الجوانب السلبية. وسيؤدي وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين يستطيعون تنفيذ إجراءات مستقلة على الحواسيب والشبكات، إلى زيادة الإنتاجية، لكنهم قد يتسببون أيضاً في فوضى عارمة. ففي أبريل (نيسان) 2026، حذف وكيل للذكاء الاصطناعي قاعدة بيانات شركة بأكملها خلال تسع ثوان، (وتمتع الوكيل يتمتع بما يكفي من اللباقة ليعتذر بعد ذلك). وستحتاج القوات المسلحة إلى وضع ضوابط لأنظمة ووكلاء الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تدريب المستخدمين البشر لضمان ألا يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى أخطاء جسيمة. ولا يحتاج الجيش إلى كسب باحثي الذكاء الاصطناعي إلى جانبه فحسب، بل إلى الاستماع إليهم فعلاً لفهم حدود التكنولوجيا بصورة أفضل. والشراكة مع القطاع الصناعي ضرورية لوضع مقاييس الأداء والمعايير وعمليات الاختبار اللازمة، لإنجاح استخدام الجيش للذكاء الاصطناعي.
وأخيراً، يجب على القوات المسلحة تحديث مقاييسها لقياس القوة العسكرية في هذه الحقبة الجديدة. فالأسطول يحصي عدد السفن، والقوات الجوية عدد الطائرات. وهذه مقاييس تعود للعصر الصناعي، (أما الجيش فيحصي عدد الجنود، وهو مقياس يعود لما قبل العصر الصناعي). وينبغي للمخططين، أولاً، تحسين طريقة إدخال المسيرات منخفضة الكلفة في هذه الحسابات. فكثيراً ما لا تعتبر هذه المركبات قوية بما يكفي لتصنف طائرات، لكن استبعادها قد يؤدي إلى التقليل من حجم القدرة العسكرية وتوجيه التخطيط نحو الأنظمة القديمة.
لكن الأهم بكثير من هذه الأرقام الآن هو قياس المكونات الرقمية التي تمنح المنصات العسكرية قدراتها وتربط بينها: أجهزة الاستشعار والرادارات والحواسيب والشبكات والخوارزميات، وينبغي لوزارة الدفاع أن تبدأ في تتبع مؤشرات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وقد تشمل هذه المؤشرات مقدار القدرة الحوسبية المتاحة في أي وقت على الشبكات السرية وغير السرية، ومقدار استخدامها. ويمكنها أيضاً تتبع عدد المستخدمين النشطين شهرياً، واستخدام الرموز المميزة في نماذج الذكاء الاصطناعي لإظهار مدى انتشار الاستخدام وتواتره، وحجم البيانات المتاحة عبر وزارة الدفاع وكيفية استخدامها. وستمنح هذه الأرقام المخططين فهماً أكثر تفصيلاً لمدى استخدام الموظفين العسكريين والمدنيين للذكاء الاصطناعي، وللمجالات التي تحتاج إلى استثمارات أو مبادرات إضافية لتسريع التبني.
وكما يشكل عدد السفن وحاملات الطائرات والطائرات وأفراد القوات المسلحة محاور أساسية للنقاش عند إعداد موازنة وزارة الدفاع، ينبغي أن يحظى عدد وحدات معالجة الرسومات (GPUs) المكافئة لرقاقات “إتش 100” H100 التي تستطيع الوزارة الوصول إليها بالاهتمام نفسه. ولكي يتصدر الجيش مجال الذكاء الاصطناعي، سيتعين عليه الاستثمار في القدرة الحوسبية المخصصة للذكاء الاصطناعي. وينبغي للجيش أيضاً إجراء تقييمات مفصلة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لقياس ما إذا كانت التكنولوجيا قد زادت الكفاءة والدقة، وخفضت التكاليف، وسرعت سير العمل، وكذلك لتحديد الدروس التي يمكن تطبيقها في استخدامات أخرى.
يزخر التاريخ بحكايات تحذيرية عن جيوش عانت صعوبة في التحول والإصلاح بعد ظهور تكنولوجيات مزلزلة، فعندما اشتبك الأسطولان الإنجليزي والإسباني عام 1588، كانت إسبانيا في ذروة قوتها. لكن البحرية الإنجليزية استفادت بصورة أفضل من تكنولوجيا ذلك العصر الجديدة: المدافع. أما الأسطول الإسباني، فظل مصمماً حول ضرورة الاقتراب من سفن العدو والصعود إليها، وكانت أسطح سفنه مكتظة بالمشاة. ونتيجة لذلك، كان الأسطول الإسباني الهائل أقل تسليحاً بصورة مذهلة وهزم. واستمرت الحرب بين إنجلترا وإسبانيا 16 عاماً أخرى بعد هزيمة الأرمادا الإسبانية، لكن ذروة القوة البحرية الإسبانية كانت قد مضت، وكذلك ذروة قوة إسبانيا بوصفها إمبراطورية عالمية.
يمكن للولايات المتحدة أن تبقى صاحبة أقوى جيش في العالم، إذا تحركت الآن للتكيف مع التغيرات في ملامح الحرب الحديثة. لكن إذا فشل البنتاغون في دفع عملياته في الاتجاهات اللازمة، فسيتفوق عليها منافسون أكثر إصراراً وجرأة في التكيف مع حقائق العصر الجديد.
بول شار هو نائب الرئيس التنفيذي في “مركز الأمن الأميركي الجديد”، وعمل في وزارة الدفاع الأميركية خلال إدارتي جورج دبليو بوش وباراك أوباما، وفي الجيش الأميركي، إذ خدم في مهمات عدة في العراق وأفغانستان، وهو مؤلف كتاب “أربع ساحات للمعركة: القوة في عصر الذكاء الاصطناعي”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، يوليو (تموز) / أغسطس (آب) 2026
