الدكتور الياس ب. باسيل…المصدر: النهار
تُشكّل سياسة دونالد ترامب الخارجية امتداداً لإدارة الأعمال الخاصة، فهي بذلك لا تعبّر عن استراتيجية وطنية مؤسسية قائمة على الحوكمة السليمة (Sound Public Governance) . وتفتقر هذه السياسة إلى العقيدة الديبلوماسية التقليدية المستندة إلى شبكة التحالفات الثابتة والمؤسسات العريقة، إذ تُدار بمنطق “الصفقات الديبلوماسية (Transactional Diplomacy)، حيث يُنظر إلى الحلفاء على أنهم مدينون أو عملاء لقاء المظلة الأمنية الأميركية، وإلى الخصوم بوصفهم شركاء تجاريين محتملين يمكن الضغط عليهم بالتعرفات الجمركية والعقوبات الانفرادية، من دون إعطاء الاعتبارات الإستراتيجية وزنها الكافي.
ويتجلى ذلك في تجاوز الأطر المؤسسية لوزارة الخارجية والبنتاغون، واعتماد ترامب على مبعوثين من الدائرة الضيقة، جلّهم من أقربائه وشركائه التجاريين قبل الرئاسة، فضلاً عن الضغط المستمر على الحلفاء لدفع تكاليف الوجود العسكري، وهو ما وصفه معهد بروكينغز بأنه “تحويل الأمن إلى سلعة قابلة للمساومة”. وهذا المنطق يُفرِّغ مفهوم التحالفات من مضامينه الأخلاقية والأمنية التي بُني عليها النظام العالمي بعد عام 1945.
إن هذا النهج يُضعف الولايات المتحدة عبر تآكل “قوتها الناعمة” وصدقيتها الدولية. فقد استغلت قوى منافسة كالصين انسحاب واشنطن من اتفاقيات التجارة الكبرى لملء الفراغ الاقتصادي عبر مبادرة “الحزام والطريق” وتوسيع نفوذها في آسيا وأفريقيا وأميركا الوسطى والجنوبية، فضلاً عن التوسع العسكري تسليحاً وانتشاراً، براً وبحراً. وبالمثل، استفادت روسيا من التصدع داخل حلف الناتو والتشكيك العلني في المادة الخامسة (الدفاع الجماعي) لإعادة رسم خرائط النفوذ في أوروبا الشرقية، وزيادة تدخلاتها في سوريا وليبيا، ولاحقاً في مناطق النفوذ الفرنسي التقليدي كما في النيجر وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى وغيرها.
أمّا إيران، فقد وجدت مساحة لتعزيز تحالفاتها الإقليمية عبر “محور المقاومة”، وسط الارتباك الإستراتيجي الأميركي الناتج من الانسحاب من الاتفاق النووي، ثم العودة إلى سياسة “الضغط الأقصى” من دون خطة ديبلوماسية موازية فعّالة.
وعلى صعيد الحلفاء، أدّى التلويح الدائم بوقف المساعدات إلى إضعاف موقف أوكرانيا قبل الغزو الروسي وبعده، وهزّ ثقة الأوروبيين بالضمانات الأميركية. كذلك دفعت تصريحات ترامب حول “المتخلفين عن الدفع” دول الخليج نحو خيارات تنويع التحالفات وشراء السلاح من الصين وروسيا لمواجهة احتمال تذبذب الالتزام الأمني لواشنطن.