رسّام الكاريكاتير السوري سعد حاجو (1968) في معرضه بعنوان “رئيس من دون سبب… قلّة أدب” المُقام في متحف دمشق الوطني بالتعاون مع منظمة “ذاكرة إبداعية للثورة السورية”، والذي يضم حوالي ستين لوحة ومجموعة من الرسومات المتحركة، لا يروي ولا يرسم نكتًا؛ هو يرسم فِعلًا ساخرًا يشتبك معنا، يرسم فِعلًا في صورة تُحرّك مشاعرنا، كائنًا اسمه “بشار الأسد” أدمى أرواح السوريين قتلًا وتهجيرًا؛ بل حوّل سورية إلى مسلخ بشري. صور ترتبط الأفعال/المواقف الساخرة فيها بعلاقات سببية، رسومات كأنّها شريط تتعاقب فيه الأفعال البصرية المأساوية والغاضبة لحياة السوريين مع هذا السفّاح.
الفنّان سعد حاجو في هذا المعرض يرسم الفعل الهازئ؛ يهزأ من الرئيس ليس انتقامًا ولا تشفّيًا – إذ كان يرسم بشار الأسد بشكل شبه يومي منذ انطلاق الثورة السورية؛ يرسم شرهه وجبنه وقسوته وبلاهته وتهوّره وسفهه وبلادته، وكيف يهيج ويغضب لأقل سبب- لا روية ولا فكر. وهذا هو موقف المثقّف من كائن صار رئيسًا عام 2000 بالقفز على الدستور، وعلى مشاعر السوريين، وكأنّ سعد حاجو يسأل: كم كان حجم ووزن الخوف من الأسد الأب مرعبًا للسوريين فلا اعترضوا على تنصيب هذا الأبله رئيسًا عليهم؟ حاجو قدّم جزءًا من الجواب في أعماله. المذبحة قائمة… فثوروا. مع أنّ الثورة تأخّرت حتى عام 2011، والتي لم تدم أكثر من ثلاثة أشهر، ومن ثم تمّت سرقتها. إنّه موقف شفّاف لسعد حاجو، فنرى في معرضه الكسور والثّلوم التي أصابت روحه/ روحنا.
الفنّان سعد حاجو في لوحاته/ رسوماته يحرّر الفكر من القيود، يجرّد العنيف من سياقاته التأويلية كونه ما هو عليه، فيضعنا في لوحاته التي هي “نصوص” إنّما محرّرة من هيمنة أيديولوجيا السمع والطاعة في قلب المعرفة، وقد فكّ قيود الخوف، فنغوص في التفاصيل، ونتعمّق في الاستكناه، مع رسومات تصوغ وجداننا ووعينا، فتعلّي وترفع من إحساسنا العصبي بالحرية.
عندما يرسم سعد حاجو فإنه يرسم بطاقة إدهاشية للارتقاء بقارئ “نصّه” نحو الأثيرية والارتعاش، وقد انفلت من تسلّط الإرهابي الذي يقيّد عقله؛ لأنّ رسوماته تحرّك الفكر، وتبعث الطاقة في الروح. فهو فنّان يبحث عن تجريد الشهوة والرعب، الجد واللعب، الجاذبية والنبذ. وبخطوط تعبيرية موضوعها هو أقنوم الشكل، فيستثير عقلنا: المدني، الحقوقي، والفلسفي. وكل شكل يرسمه هو شكل مستلب حتى لو كان غريب الشكل، وذلك للوصول إلى أعمق إحساس إنساني للإنسان بحقّه في الحياة. إنّ ما يرسمه سعد حاجو، سواء في هذا المعرض أو في الصحافة وبشكل يومي، وهو الحاصل على جائزة “غابروفو” لفن الكرتون من بلغاريا، وعلى جائزة EWK -إيفيكو للكاريكاتور، وهي أرفع جائزة للفن الساخر في السويد، هو صورة متحرّكة؛ صورة محسوسة حدسيًا بقوة – يذكّرنا برسومات ناجي العلي- إذ يضعنا في فعل سحري لصورة وكلمة تنوس ضراوتها ما بين الكينونة والعدم، وما بين المادي والمجرّد أنّى نظرنا من حولنا، صورة وكلمة مدركة حسيًا. وهو يذهب بنا من فكرة إلى فكرة، فيستثير عواطفنا، فننفعِل. وكأنّ صورته ذات أشكال وسلوك وتصرفات لها فاعلية جمالية، فنحن في حالة تأمّل شعري/ ملحمي في الموت؛ هذه التراجيديا السورية التي ينشرها العنيف في حياتنا التي صارت ملكه وحده. سعد حاجو برسمة واحدة أو أكثر يعمل على تحقيق ذروة، فيجعل من الظاهر العنيف يتلاشى، وهو يلقي أفكاره، يسلّط ضوءها على الواقع المستتر، وكأنّه يلعب لعبة وجودية فلسفية حين يختفي العنيف عند ظهوره، ويظهر عند اختفائه.
كيف نعيد هذا العنيف إلى البراءة العظمى؟ كيف سيواجه الدماء التي سفكها، وهي لم ترتكب جرمًا حتى ولا إثمًا؟ سعد حاجو عوّدنا في أشكاله التي يخترعها أن يبسط عقلانيته، وهو يذهب إلى المحسوس ليمسك بنوى المرئي واللامرئي من ممارسات العنيف، كان موقعه في أعلى السلطة أو في أسفلها. فالرسم و(الساخر) يُولد من الفكر الذي يسأل متألمًا: لماذا كل هذا الضغط الاقتصادي والاجتماعي على الإنسان؟ لماذا كل هذا التدمير الذاتي للحقيقة والعدالة والقانون والثقافة؟ أو: من رخّص لهذه المخلوقات قليلة الأدب أن تبتلع وتسحق الفاعلية الخلّاقة للإنسان؟
حاجو في رسوماته/ لوحاته الكاريكاتيرية يرسم حقيقة واقعية تمثّل رأينا؛ موقفنا الذي تمّت مصادرته، فيقولها حين لم نكن نتجرّأ على قولها، وهو بذلك يعمل كمثقّف على رسم صورة تقدّم كما تفضح واقعًا الإنسان فيه هو الضحية، ولكن بغاية السخرية، فتجبر الفكر على التفكير، إذ لا بد من الاصطدام، لا الاعتراض على تغابي ودناءة ووحشية من قلّلوا أدبهم معنا، فلا نموت في الواقع الذي يحلّ في الخيال، بل نبقى نعيش ونعيش.