ملخص
بين انطلاق إبن بطوطة في سفره وعودته منه مرّت تسعة وعشرون عاماً، لكن رحلة إبن بطوطة لم تكن رحلة واحدة متصلة، بل كانت عبارة عن تسع رحلات، يشكل تفصيلها متن هذا الكتاب المدهش الذي يحمل في الأصل عنوان “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، واختصر اسمه دائماً إلى “رحلة إبن بطوطة”
لعل أول ما يثير الدهشة لدى قراءة سيرة الرحالة المسلم المغربي الطنجي الشهير، إبن بطوطة هو ذلك التشابه بين بعض سمات تلك السيرة، وبعض سمات سيرة رحالة آخر ينتمي إلى العصر نفسه تقريباً هو الإيطالي ماركو بولو. وقد يمكن أن نكتفي هنا بسمتين أساسيتين هما طول غياب كل منهما عن وطنه خلال الرحلة التي قام بها، – أكثر من خمسة وعشرين عاماً تقريباً لكل منهما -، من ناحية، والكيفية التي دُوّنت بها رحلة كل منهما: بعد انقضاء الرحلة الطويلة كان نصيب ماركو بولو ان أودع السجن فنصّ من ذاكرته على مسجون مثله حكاية رحلته، متحججاً بأن كل ما دوّن من يوميات خلال رحلاته كان سرق منه وضاع. أما إبن بطوطة فكان حظه أفضل، فهو لم يسجن، لكنه انضم إلى حاشية السلطان أبي عنان وراح يحكي ما حصل له خلال تجواله، من الذاكرة أيضاً، لأن الهنود كانوا سلبوه خلال رحلاته أيضاً، وبحسب حكايته أيضا، أوراقه ومدوناته هو الآخر.
إذاً هنا أيضاً أملى إبن بطوطة حكايته على كاتب السلطان، محمد بن جزي الكلبي “وهذا، في رأي كرم البستاني مقدم إحدى طبعات رحلة إبن بطوطة، ما يفسّر لنا ما يُرى في سياق رحلته من بعض هفوات جغرافية ومبالغات”. وهو نفس ما يتّسم به نص ماركو بولو.
والحال أن هذا التشابه وغيره دفع عدداً من الكتاب العرب إلى “الاستنتاج” بأن ماركو بولو قد يكون نقل عن إبن بطوطة، غافلين – كما ينبه باحث لبناني آخر هو الدكتور غسان غصن – عن حقيقة مسلية وهي أن ماركو بولو عاش ورحل وكتب، قبل ان يفعل إبن بطوطة ذلك!!
الغاية الحج كالعادة
يبدأ إبن بطوطة نص رحلته كما يأتي: “كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفرد، عام خمسة وعشرين وسبعمئة (1324م). معتمداً حجّ بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول”. وينهيها هكذا: “… ثم خرجت فوصلت إلى حضرة فاس، حاضرة مولانا أمير المؤمنين أيّده الله، فقبّلت يده الكريمة، وتيمنت بمشاهدة وجهه المبارك، وأقمت في كنف إحسانه بعد طول الرحلة”.
إذاً، بين انطلاق إبن بطوطة في سفره وعودته منه مرّت تسعة وعشرون عاماً، لكن رحلة إبن بطوطة لم تكن رحلة واحدة متصلة، بل كانت عبارة عن تسع رحلات، يشكل تفصيلها متن هذا الكتاب المدهش الذي يحمل في الأصل عنوان “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، واختصر اسمه دائماً إلى “رحلة إبن بطوطة”.
والرحلات المعنيّة كانت على الشكل التالي: الأولى كانت تهدف إلى الوصول إلى مكة المكرمة للحج، لكنها عادت وتفرّعت إلى ثلاث رحلات وذلك عبر المرور بشمال أفريقيا ومصر وأعالي النيل وسورية. وفيها إذ بقي إبن بطوطة في الديار المقدسة شهرين انطلق بعد ذلك إلى بغداد ثم إلى انحاء ايران فبغداد من جديد ومنها هذه المرة، إلى الموصل ثم عودة ثانية إلى بغداد فالجزيرة العربية حيث بقي هذه المرة ثلاثة أعوام.
بين أفريقيا ومكة
بعدها انطلق ابن بطوطة إلى البحر الأحمر فاليمن فمقدايشو وأفريقيا الشرقية عائداً من هناك إلى عُمان فمكة. وفي الرحلة الرابعة زار إبن بطوطة مصر فسورية فآسيا الصغرى فبلاد المغول وجنوب روسيا، منطلقاً من هناك إلى القسطنطينية فوسط آسيا وأفغانستان فوادي الهندوس، وصولاً إلى دلهي التي أقام فيها تسعة أعوام عيّن خلالها قاضياً على المذهب المالكي.
بعد ذلك نراه يتوجه إلى جزر المالديف حيث بقي عاماً ونصف العام في رحلة خامسة شملت سيلان فآسام فسومطرة والصين في رحلة سادسة تلتها رحلة سابعة إلى بغداد وسورية ومصر والحج حرة اخرى إلى بيت الله الحرام. وهو لدى عودته من هناك إلى الاسكندرية توجه بحراً إلى سردينيا ومنها أبحر على متن سفينة إلى الجزائر ففاس ثم مملكة غرناطة، قبل أن يعود إلى المغرب ثانية ومن ثم ينطلق في رحلته الأخيرة إلى وسط أفريقيا، حيث بدأ بزيارة متعبة وطويلة إلى الصحراء أوصلته إلى ما كان يُعرف في ذلك الحين ببلاد النيجر، وهي حيز جغرافي تختلف إلى حدّ ما عن دولة النيجر المعروفة حالياً.
ديار الاسلام
وبهذا التجوال الطويل والمتشعّب في مناطق عدة من حوض البحر الأبيض المتوسط وآسيا وإفريقيا، يكون إبن بطوطة قد تجول طوال سنوات عدة في كامل تلك الرقعة الجغرافية التي كانت تمثل، في ذلك الحين ديار الإسلام.
وهو في معرض وصفه لعادات وأحوال الشعوب التي زارها، حرص دائماً على أن يقارن بين ما أتى به الإسلام إليها، وبين ما كان من “وحشية وضراوة فيها قبل وصول الإسلام”. وهو حرص دائماً، ولا سيما عند الحديث عن مناطق الأطراف، ان يصف كيف يتجاور الإسلام بانسجام تام غالبا، مع ما قبله، ولا سيما في أفريقيا.
وبالنسبة اليه كان كل ما يراه من عجائب وغرائب هو ما يبدو خارجاً وغير مألوف للعالم الإسلامي الذي ينتمي هو اليه. ترى، أفلا يمكننا تشبيهه، في ذلك، بأولئك العلماء الانثروبولوجيين الذين طفقوا، بعد إبن بطوطة بقرون عدة، يزورون العالم الخارج عن المركزية الأوروبية (أو مركزية الرجل الأبيض هنا، إذا صح التعبير) ليصفوا كل ما هو غير مألوف لديهم، في شكل مدهش ومستنكر أحياناً؟
من الواضح في نص إبن بطوطة أن المسكوت عنه، إنما هو اعتبار ما هو حاصل في مركزية عالم الإسلام (المغرب العربي في زمنه) القاعدة العقلانية الحضارية، وكل ما هو خارج عنها، ضرب من التوحش والنزعة الغرائبية. إننا إزاء العالم الذي يصفه إبن بطوطة، نجد أنفسنا متسائلين، ولا سيما أمام ما يدهشه في شكل قاطع، عما إذا كان حقاً شاهد الأمور كما يصفها أم أنه انطلق دائماً من تفسير ذاتي لأحوال شعوب كل ما في الأمر أنها ترى الوجود والكون وأحوالها رؤية لا تتجانس مع رؤيته؟
مقارنة مع ابن جبير
لقد جرت العادة ان تقارن رحلة ابن بطوطة، برحلة إبن جبير الذي سبقه زمنياً، لكن رحلة إبن جبير لم تتعد نطاق المركزية العربية الإسلامية، ولا نجدها في سرد صاحبها لها جملة وتفصيلاً، تحفل بعنصر الإدهاش الذي يقول كل ما يمكن أن يكون مسكوتاً عنه.
من هنا، فإن ثمة من الدارسين من يرى أن من الأفضل المقاربة بين رحلة إبن بطوطة ومقدمة إبن خلدون، إذ يبدو النصان متكاملين، يغوص أولهما جغرافياً في المكان، فيما الثاني يدور تاريخياً في الزمان. ولعل التكامل بين النصّين يشي أصلاً بما كانت عليه حال العالم العربي في عهدي الرجلين المتقاربين زمنياً. إذ أن عصرهما كان عصر اضمحلال الدولة الإسلامية، أي العصر الذي وجدت فيه تلك الحضارة نفسها في حاجة إلى أن تؤرخ ذاتها، من طريق المقارنة إما بالأمكنة الأخرى وإما بالأزمنة الأخرى. وكل من “الرحلة” و”المقدمة” يفعل هذا بالتأكيد.
سيرة تاجر متأدب
ولد إبن بطوطة، واسمه الكامل عبدالله اللواتي الطنجي، في طنجة العام 1304، وفيها سيموت في العام 1368، وهو في الأصل لم يكن عالماً أو كاتباً، بالأحرى كان تاجراً، تخلى بالتدريج عن تجارته وجعل من نفسه رحّالة، ومكنته علوم نالها باكراً من أن يستخدم انتماءه إلى المذهب المالكي ليعمل قاضياً أو فقيهاً في الهند والصين.
وثمة من الدراسات ما يرى اليوم، أنه أصلاً كان يعمل في خدمة السلطان (جاسوساً له مثلاً) وأن رحلاته إنما كانت لجمع المعلومات عن ديار الإسلام في وقت كان فيه السلطان أبو عنان يرى من حقه أو من واجبه توحيد ديار الإسلام بعد انهيار الخلافة العباسية وتدهور أوضاع الأندلس، ولكن من المؤكد أن مثل هذا المشروع كان يفوق طاقات إبن بطوطة، وبالكاد يشي به نص كتابه.
