..عائشة بلحاج رئيسة قسم الثقافة في “العربي الجديد”،
..لم يكن لأحد أن يتوقّع هذا الاندفاع المفاجئ لعشرات آلاف من المهاجرين إلى سبتة الخاضعة للسيادة الإسبانية، سباحةً أو عبر معبر تاراخال، وهو البوابة الحدودية الوحيدة في المدينة، ممّا يستلزم، بالنظر إلى “خطر” المهاجرين غير النظاميين، حراسةً مشدّدةً، توسّعت لتشمل المنطقة المحيطة بالمدينة بجدار حديدي، وقلّما تمكّن مهاجرون من التسلّل عبر الغابات أو سباحةً. لكن فجأة، أتيح المستحيل، ووُجِّهت دعوات مجهولة، بعضها باللغة الإسبانية، لدخول المدينة، إمّا لأنّ المعبر مفتوح أو لأنّ الحراسة غير مشدّدة، مع وعد بعدم إعادتهم إذا دخلوا.
حدثت الموجة الأكثف من الهجرة ابتداءً من يوم الخميس 30 يوليو/ تموز 2026، يوم الاحتفال بعيد العرش في المغرب، لكنّ مهاجرين صرّحوا أنّهم وصلوا يوم الثلاثاء، وذهبت تصريحات أخرى إلى تاريخ أسبق، إلى بداية شهر يوليو الماضي… ماذا حدث؟
على عكس المرّة الماضية، التي تراجعت فيها الرقابة الحدودية المغربية في المعبر، عام 2021، ودخل سبتة ما يفوق ثمانية آلاف شخص. كان الحشد قادماً من بعيد، من مختلف مدن المغرب، وكان من الطبيعي أن يصل أبناء المنطقة أوّلاً. لذا، لم يكن الاندفاع تلقائياً أو لأنّ الأبواب فتُحت فجأةً، فأجوبة كثير من العائدين تقول إنّهم تلقّوا رسائل ومنشورات تدعوهم إلى الهجرة، ومعلومات عن مسارات الوصول، وحالة الطقس، ووسائل النقل، والمسارات الموصى بها. إضافةً إلى تلقّيهم تحديثات مستمرّة حول الوضع في محيط الحدود، فسمح هذا التدفّق المتواصل للمعلومات بتحشيد هذا العدد من المهاجرين في محاولة الدخول الجماعي.
هذا ما نسبه الجانب الإسباني إلى حملات “مافيا تهريب البشر”، في تصريح رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ووصفه الجانب المغربي بـ”الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلِّلة، ودور عصابات الاتّجار بالبشر”، بحسب الناطق باسم وزارة الداخلية. لكنّ مافيات تهريب البشر منظّمات إجرامية تسعى إلى الربح، لا منظّمات “خيرية” تساعد الناس بلا مقابل. فمن يقف خلف هذه الموجة من الهجرة؟
هناك شهادات موثّقة تقول بانخفاض مستوى المراقبة في المعبر، إذ تقول مهاجرةٌ عائدةٌ ساخطةٌ لموقع إلكتروني: “لماذا تركونا نذهب، طالما يعرفون أنّنا سنُعاد؟”.
أسباب محتملة
من يريد من داخل المغرب هذا التوتّر في وقت حرج جدّاً لا يتحمّل مثل هذه المغامرة؟ وهي مغامرة تتزامن مع الاحتفال بمرور 27 سنة على حكم الملك محمّد السادس الذي بنى شرعيته في سنوات حكمه الأولى على خطاب القرب من الفئات الأكثر فقراً في البلاد، حتّى لُقّب إعلامياً بـ”ملك الفقراء”، لأنّه كان يقضي أوقاتاً طويلة في الطرقات زائراً مناطق مهمَّشة نائية، مع تقديم مساعدات ووعود بتحسين الأوضاع. هل يؤشّر توقيت الحدث ومكانه على وجود صراع داخل الأجهزة في مكوّنات السلطة، مع اقتراب الانتخابات، يذهب فيه الطرف المتورّط إلى إحراج خصومه للتراجع؟ خاصّةً أنّ الصراع الانتخابي سيكون محتدماً بين حزبَين من الأحزاب “الرسمية”: الأصالة والمعاصرة، والتجمّع الوطني للأحرار. تبقى هذه فرضية ترجّحها آراء بعض المحلّلين.
على مستوى أوسع، هناك مستفيدون كثر من فكرة المؤامرة، قد يكون أحدهم خلفها وقد يكون مستفيداً فحسب منها. خارجياً، تستفيد إسرائيل من مضايقة إسبانيا، لكنّها ليست أولويةً استراتيجيةً. ففي النهاية هي موقف سياسي لا يؤثّر مباشرةً وسط محيط من الدعم الغربي. تستفيد أميركا من التجربة لتبرير السياسات المضادّة للهجرة. وقد يرى بعضهم أنّ الجزائر تستفيد من أيّ ارتباك في العلاقات الإسبانية المغربية، فهي خسرت كثيراً في موقفها الداعم لجبهة بوليساريو، كما أنّ الحدث جاء في سياق يعرف تقارباً إسبانياً جزائرياً تُوِّج بزيارة سانشيز الجزائر، أيّاماً قبل الأحداث.
هناك من يعيد الموجة إلى حكم المحكمة العليا الإسبانية، في 29 يونيو/ حزيران الماضي (نُشر الحكم في 8 يوليو)، القاضي بأنّ آلية “الإعادة الفورية” لكلّ مهاجر حال وصوله إلى الحدود الإسبانية حصرية فقط في الحالات التي تشهد تجاوز حواجز حدودية مادّية كالأسوار، ولا تنطبق على القادمين سباحةً إلى سبتة أو مليلية. لأنّ البحر لا يتضمّن “عناصر احتواء حدودية”، ممّا أسهم في تعزيز الاعتقاد بنجاح محاولات المهاجرين في أحداث سبتة العبور سباحة.
وبالفعل، يعود تاريخ بعض هذه المنشورات التي تؤرّخ لبداية توجيه الرسائل المحرّضة على الهجرة إلى هذا التاريخ، لكنّها تكثّفت منذ المصادقة الرسمية للجنة العدل بالكونغرس الإسباني يوم 23 يوليو 2026 على قانون يُتيح تجنيس المنحدرين من الصحراء الغربية، والمستفيد الأكبر هم الصحراويون الموجودون في تندوف الذين وُلدوا في الصحراء قبل سنة 1975، وهو القانون الذي يسمح لأبناء هؤلاء وأحفادهم بالحصول على الجنسية الإسبانية والإقامة الشرعية في أيّ منطقة من مناطق إسبانيا، والتنقّل إلى المغرب بحرّية، على خلاف ما لو كانوا يحملون هُويّة جزائرية.
الصيغة النهائية لقانون التجنيس ستُعرض على الجلسة العامّة لمجلس النوّاب الإسباني للتصويت عليها والمصادقة عليها في قراءتها الأولى في أكتوبر/تشرين الأوّل المقبل، إذا لم يواجه أيّ اعتراض. في الحالتَين، لم يصدرا الحكم والقانون بين ليلة وضحاها، وإذا كانت هناك ردّات فعل، فإنّها ستكون مُعدَّةً سلفاً. لكن ما يطرح الأسئلة هو توقيتها ومكانها على بُعد كيلومترات من القصر الملكي، حيث يُحتفل بعيد الجلوس.
استراتيجية تحريك الحشود
استعملت الجهات التي تقف خلف الأحداث سرعة التّجييش والحشد ولعبت على وتر كان دائماً متحفّزاً لدى المغاربة، وهم شعب يعيش على حافَة قارّة أخرى، ورغم تراجع محاولات الهجرة عبر قوارب الهجرة السرّية بعد العدد الهائل من القتلى، ظلّ المغاربة على تماسٍّ معها. خاصّةً مع توافد آلاف الأفارقة من جنوب الصحراء، فأصبح بلد عبور بعد أن كان مصدر هجرة. دليل فعّالية التحشيد أنّ بين المهاجرين يوم أحداث سبتة أُسراً جاءت إلى المنطقة في عطلة، وفجأة تركت مظلّاتها، وهرعت من دون تفكير نحو المعبر المفتوح.
الإسبان من جهتهم، وعلى عكس تجربة 2021، ليسوا متأكّدين من أنّ هناك أياديَ مغربية خطّطت لفتح المعبر، لذا هم حريصون في تصريحاتهم على عدم توجيه الاتهام إلى المغرب، على عكس موجة عام 2021، التي اتهمت إسبانيا خلالها المغرب. لكنّنا رأينا كيف أنّ تعاملهم كان يُثير الأسئلة، فقد كان سلساً وممنهجاً، لأنّ مقاطع بعض الفيديوهات أظهرت أنّ الحرس الإسباني لم يتدخّل في مرّات عديدة لإيقاف الداخلين إلى سبتة.
من الصعب تفسير التهاون الإسباني على المعبر إلّا بوجود دوافع غير مُعلَنة أو استراتيجية لتجنّب المواجهة المباشرة التي ستضرّ بصورتها أمام الكاميرات. لكنّ الغريب هو أنّه على الرغم من تقاطر المهاجرين عليها على مدار أيّام، لم تأت التحرّكات الرسمية من الحكومة الإسبانية إلّا يوم الجمعة.
صحيح أن تجربة 2021 دفعت الإسبان إلى أن يُعدّوا أنفسهم للسيناريو، ولعلّ تجارب عديدة جعلت الخيار الأسلم هو عدم خوض مواجهات دامية على الحواجز، وتركت الردع للمغاربة، لكن تبقى أسئلةٌ مفتوحةٌ حول الموضوع، تجعل الحسم فيها صعباً.
لا يمكن للجانب المغربي تبديد شبهة المشاركة في العملية. إذ يثير توقيت تخفيف الحراسة تساؤلات عن كيفية إدارة السلطات للموجة، لكنّه لا يكفي وحده لإثبات وجود مشاركة مسبقة في التخطيط، طالما أنّ الحراسة لم تُشدّد إلّا عندما تجاوز عدد المهاجرين أربعين ألفاً. لكن كيف يكون المغرب خارج التخطيط ويساهم في التنفيذ؟ لعلّ بعضهم يفسّره بالتفاعل مع السياق وإرخاء الحبل أكثر للموجة، من باب المجاراة من أجل مصالحه.
لهذا سيبقى سؤال: مَن المُخطِّط؟ ومَن المسؤول عن العملية؟ مخابرات أجنبية (جزائرية أو أميركية أو إسرائيلية)؟ المخابرات المغربية؟ هذا السؤال الذي يظلّ مفتوحاً، في وقت يصعب فيه تتبّع أدوات التنفيذ عبر حسابات رقمية واسعة النطاق.
العوامل التحفيزية
عاش أهل سبتة وأهل المدن المجاورة عقوداً على التبادل التجاري، وأهمّ أشكاله هو “التهريب المعيشي”، حيث كانت المنتجات الإسبانية الاستهلاكية، مثل الأطعمة والألبسة، تُهرَّب الى داخل المغرب لأنّها أرخص سعراً نظراً إلى خصوصية النظام الضريبي في سبتة وإعفائها من ضريبة القيمة المضافة الإسبانية، إضافةً إلى فروق الرسوم الجمركية. إلى أن أغلقت السلطات المغربية الباب أمام التهريب، ابتداءً من عام 2019، فتراجعت مصادر الدخل لأهل المدينتَين، وتضرّر الجانب المغربي بصورة أساسية، ودفعت نسب البطالة في المنطقة إلى أن تصبح أعلى من المعدّل الوطني.
من جهة أخرى، تتوافر فرص العمل بشكل متزايد في القطاعات غير المهيكلة، مثل البناء والخياطة التقليدية، لكنّها تقوم على العمل بأجر يومي، ولا حقوقَ فيها، ولا تغطيةَ صحّيةً، ولا راتب منتظماً، أو في المصانع التي يقدّم بعضها رواتب زهيدة في ظروف عمل شاقّة. في أيّام الأحداث ترك الآلاف أماكن عملهم في ورش البناء والصناعة التقليدية، ومعهم باعة متجوّلون، واتّجهوا إلى المعبر.
بعض ردّات الفعل الأوروبية كانت حانقةً على إسبانيا، على الرغم من أنّ عدد الذين نجحوا بالفعل في الدخول منها أقلّ ممَّن دخل عبر دول أخرى تلعب دور حارس القارّة الأوروبية مثل إيطاليا واليونان، بفضل التنسيق مع الجانب المغربي الذي صار حازماً في حراسة الأحزمة الحدودية التي يحتمل أن تخرج منها قوارب المهاجرين. وظلّت المحاولات الناجحة قليلة. والدليل: تحوُّل بعض من محاولات هجرة مغاربة إلى أوروبا إلى مسارات أخرى مستجِدَّةٍ مثل تركيا، وهي بوابة مكلفة ونسب نجاحها قليلة. وتوجّهت نسبة مهمة من الهجرة الأفريقية إلى تونس بوصفها معبراً أكثر فعّالية للهجرة إلى السواحل الإيطالية.
هناك سبب آخر لسخط اليمين الأوروبي، وهو أنّ إسبانيا سوّت منذ أشهر أوضاع عشرات آلاف المهاجرين السرّيين، وهذا ما جعل اليمينيين الأوروبيين يلومون الحكومة الإسبانية لأنّها تجذب المهاجرين بهذه الطريقة، لكنّ الإسبان دافعوا بأنّ تصاريح الإقامة والعمل التي حصل عليها هؤلاء لا تمنحهم حقّ العمل في بقية دول الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لن تغرق أوروبا بمهاجريها.
في إسبانيا إغراءات كثيرة للهجرة إليها، فلم تعد مجرّد دولة عبور إلى دول أوروبية أخرى، بفضل نظامها الاجتماعي الشامل، والأرقام الإيجابية التي حقّقها النمو الاقتصادي الذي وفّر فرص عمل كثيرة، خاصّة في الأعمال الأقلّ أجراً. فيحصل المهاجرون عند تسوية أوضاعهم القانونية على: التغطية الصحّية، والحقّ في التقاعد، والمساعدات الاجتماعية.
إذ لا تحدث الهجرة بسبب الجوع والفقر فقط، فهذا نصف المعادلة. الفقر لا يقف عند الحاجة إلى الأكل، بل يتّسع ليشمل من “لا حماية اجتماعية” له. وهناك مستوى آخر من الحاجة تتجاوز مستوى الفقر، هي الحاجة إلى تحسين الأوضاع، وهي سبب هجرة أشخاص ذوي وظائف مستقرّة يُقبلون على الهجرة إذا توافرت الظروف وأهمها التأشيرة السياحية.
ما دام أنّ هناك فئة عريضة تؤمن بأنّ الهجرة “حلّ سحري”، سيبقى الحلم هو الحلّ الشامل. على الرغم من أنّ نسبة مهمّة من المغاربة حين تهاجر تعمل في البناء، وهو العمل الذي ترفضه وهي في المغرب. لكنّ العمل في قطاع البناء في إسبانيا راتبه أعلى من أجور مهن أخرى لا تتطلّب مؤهلات علمية. يعمل العامل هناك لأنّه يعرف أنّه سيُسوّي وضعيته لاحقاً، وسيحصل على مساعدة حكومية عن كلّ طفل يُنجبه، وله تغطية صحّية مجّانية شاملة، وله الحقّ في التقاعد. بينما يعرف المغرب تطوّر جانب من البنية التحتية وارتفاع مستوى الرفاهية لأصحاب الدخل المرتفع، مقابل استقرار أو تراجع وضع ذوي الرواتب المحدودة. والفقر أو العيش في حافَته ليس الوحيد الذي يقود هؤلاء إلى اليأس، بل بقاؤهم خارج دائرة التطوّر والنمو الاقتصادي، فيما الآخرون يزدادون غنىً هو ما يدفعهم إلى الحنق واليأس.
ردّة الفعل الإسبانية
عُمّمت توجيهات في وسائل التواصل، فأُغلق عدد كبير من المحلّات أمام كثرة أعداد المهاجرين، وحينها فقط انتشرت وحدات من الجيش في سبتة بعد تصاعد الأزمة، وظهرت آليات عسكرية في الشوارع، فيما كان هناك بعض الشباب غير الواضحة هُويّاتهم أو مهامّهم، غير أنّهم كانوا، بحسب شهادات العائدين وما وثقته بعض المقاطع المصوَّرة، من مغاربة سبتة، وهم يحملون أسلحة بيضاء وأخرى نارية في وجه عدد من المهاجرين، ممّا اضطرهم إلى الرجوع. يبدو السيناريو كلّه مُحكَماً، وكأنّه حدث عشرات المرّات، في محاكاة أو تدريبات استباقية.
هي ورقة كانت هاجساً مؤرّقاً للإسبان، لكنّها مرّت بلا أضرار كبيرة. كانوا أذكياء وتميّزوا بضبط النفس أمام الكاميرات، على الرغم من أنّ شهادات كثيرة تشكو من عنف الشرطة بعيداً عن العيون، لكنّهم انتهجوا سياسة قطع الموارد أمام المهاجرين، ليضطروا إلى العودة، استراتيجيةً أساسيةً لردع المهاجرين.
كان بإمكان قوّات مكافحة الشغب استعمال العنف لمواجهة المهاجرين، وكان ذلك “عنفاً مبرّراً” في نظر القانون، إذا كان متناسباً مع الضرر الذي قد يُحدثه المهاجرون، لكنّه كان سيُدخلهم في وضع هم الخاسرون فيه، ليس فقط بإساءة معاملة المهاجرين، بل لأنّهم سيكونون في خانة الدول الاستعمارية التي تمارس العنف داخل مستعمراتها. فالمدينة المعنية ليست إسبانية، في الأصل. ولهذا، قلّل الإسبان من استعمال العنف. وقضت الخطّة، بحسب شهادات العائدين، بالحرمان من الماء والطعام، وإخبار الشرطة عند كلّ تجمع بشري، وتعطيل وسائل النقل العمومي، في عملية منظّمة تصبّ في اتجاه واحد: إغلاق منافذ البقاء.
الرابحون والخاسرون
بعض الإسبان يقولون إنّهم خاسرون، لأنّ العالم الآن صار يعرف بأمر المدينتَين وأنّهما خاضعتان للسيطرة الإسبانية، وأنّ المغرب نال دعماً دولياً واسع النطاق. أمّا المغاربة فيرون أنّ المغرب هو الخاسر الوحيد، فهو قد خسر ورقة الضغط التي كان يلوّح بها كلّما حاولت إسبانيا الخروج عن حيادها في قضية الصحراء، وتبيّن أنّه على الرغم من حدوث الأسوأ، نجح الإسبان على الرغم من ذهاب المغاربة إلى أقصى حدود المواجهة. وعلى عكس ما واجهته حكومة سانشيز في بداية الأزمة، منحها نجاحها في إفشال أكبر تحدٍّ في العقود الأخيرة، والتصدي لـ”غزو جحافل المهاجرين غير المرغوب فيهم”، وضعاً جيّداً.
وعلى العكس، سيكون تأثير ذلك قاسياً في الحالمين بالهجرة من المغاربة، إذ سيزيد الأمل في احتمال حدوث فرصة مقبلة في أن ترتخي حراسة المعبر مرّة أخرى، وهذا يؤدّي إلى مفاقمة النقمة على الأوضاع والاحتقان الاجتماعي، وإلى الدخول في دائرة اليأس من تحسّن الأوضاع الاقتصادية، وهذا سيجعل الأوضاع أكثر قابليةً للانفجار عند أوّل احتكاك في احتجاجات مقبلة.
بعضهم سيفكّر أنّ إسبانيا قد تقرّر أنّ تكلفة الإبقاء على سبتة أعلى من كلفة التخلّي عنها، وأنّها ستكتشف أنّ التراجع والتخلّي عن الحدود البرّية “المستعارة”، والاكتفاء بالحدود البحرية الأقلّ كلفةً من كلفة إصرار قرون على إبقاء سبتة منطقة استراتيجية. لكن من جهة أخرى، قد تكتسي أهمّية أكبر بوصفها ورقةً للتفاوض أمام الشركاء الأوروبيين الذين مهما ارتفعت أصوات اليمينيين منهم، فهم عاجزون عن فعل شيء تجاه بوابة أوروبا الحارسة، التي تكلّفها المدينتان كثيراً.