خليل حسين – محرر موقع السفينة
بعد أكثر من عام على سقوط النظام السابق، لا تزال سوريا عالقة في أزمة مزمنة. لم يتحول التغيير السياسي إلى استقرار، ولم تنجح القوى الجديدة في إنتاج إطار جامع يعيد بناء الدولة على أسس واضحة. النتيجة هي فراغ مُدار: مؤسسات ضعيفة، اقتصاد منهك، وتوازنات هشة تُبقي البلاد على حافة عدم اليقين.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت سوريا قد دخلت مرحلة جديدة، بل لماذا لم تنجح هذه المرحلة في إنتاج حد أدنى من الاستقرار. حتى الآن، تبدو مؤشرات قيام دولة قانون—بمؤسسات مستقلة، وقضاء فاعل، وإدارة عامة قادرة—بعيدة المنال. كما أن الحديث عن انتخابات حرة وذات مصداقية يظل مؤجلًا في ظل غياب بيئة سياسية وأمنية تضمن نزاهتها.
هذا الانسداد يغذي طرحًا يتكرر في لحظات الإحباط: هل تحتاج سوريا إلى وصاية دولية مؤقتة—بأي مسمى—تُعيد ترتيب البيت الداخلي، وتفرض مسارًا انتقاليًا واضحًا لسنوات محددة؟ الفكرة تقوم على أن إدارة خارجية محايدة نسبيًا قد تكون قادرة على فرض قواعد اللعبة، بناء مؤسسات حديثة، وتهيئة الأرضية لانتخابات حقيقية.
غير أن هذا الطرح، رغم جاذبيته النظرية، يصطدم بواقع معقد. أولًا، أي شكل من أشكال “الانتداب” سيواجه رفضًا داخليًا واسعًا، لأنه يُعيد إلى الأذهان تجارب تاريخية حساسة، ويُنظر إليه كمساس بالسيادة. ثانيًا، من الصعب تخيل توافق دولي حقيقي على إدارة مشتركة لسوريا، في ظل تناقض مصالح القوى الكبرى والإقليمية. وثالثًا، التجارب المقارنة تُظهر أن بناء الدول لا يُستورد جاهزًا، بل يتطلب عقدًا اجتماعيًا ينبع من الداخل.
هذا لا يعني أن البديل هو ترك الأمور لمعادلة الاستنزاف الحالية. على العكس، الحاجة إلى دور دولي ما تزال قائمة، لكن بصيغة مختلفة: دعم مُشروط لا يستبدل الدولة بل يُعيد بناءها. يمكن أن يأخذ ذلك شكل إطار دولي–إقليمي ضامن، يربط المساعدات الاقتصادية بإصلاحات مؤسسية واضحة، ويدعم استقلال القضاء، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وبناء إدارة عامة مهنية.
كما أن أي مسار جاد نحو الانتخابات يجب أن يسبقه حد أدنى من التوافق على قواعد اللعبة: دستور مؤقت، ضمانات أمنية، وإشراف دولي تقني يرفع من الثقة بالعملية دون أن يُصادر القرار الوطني. هنا، لا يكون الدور الخارجي وصاية، بل ضمانة انتقال.
في المحصلة، تبدو سوريا اليوم أمام مفترق طرق صعب. لا الاستمرار في الوضع الراهن قابل للاستدامة، ولا القفز إلى حلول مفروضة من الخارج مرجح النجاح. الطريق الأكثر واقعية يقع بينهما: شراكة دولية تضغط وتدعم في آن واحد، وتمنح السوريين مساحة كافية لبناء دولتهم—ولو ببطء—على أسس أكثر صلابة.
الاستقرار، في نهاية المطاف، لن يأتي بقرار خارجي، بل بقدرة الداخل على إنتاج عقد جديد. أما دور الخارج، فحدوده أن يُسهل هذا المسار… لا أن يحلّ مكانه.