
كاتب وسياسي… جريدة الثورة السورية
سورية تحررت في وضع طبقي مأساوي، الطبقات الشعبية مسحوقة، التمييز الطبقي الفاقع لا يحتاج لعرض أدلة، وأرقام ووثائق. هذه مهمة أصحاب الاختصاص من اقتصاديين وسياسيين. إذاً لدينا وضع طبقي في سورية يحتاج لسنوات للتعافي، إذا صدقت نيات المحررين، الذين تحولوا إلى مقررين، فما بالنا ونحن نشهد استمرار الفساد في مؤسسات الدولة. الفساد المتراكم منذ عقود، الفساد الأسدي صارت له تقاليد وعناوين، تحتاج أيضاً لسنوات لكي تتخلص منها دوائر الدولة.
الفساد المالي والسياسي عنوان، لمزيد من تدهور أوضاع الناس الاقتصادية، ما تريده هذه العجالة تسليط الضوء، أو فتح باب النقاش حول الوضع الطبقي، حول الحكم، حول العلمنة والاسلمة. الديكتاتورية أي ديكتاتورية، تحتاج لرصيد مالي تؤمن الاستثمار من خلاله في مؤسساتها الديكتاتورية.
عادة عندما يكون هنالك مصدر ثروة طبيعي في البلد كالنفط مثلاً، تصير القصة سهلة، الموارد النفطية التي تتصرف فيها السلطة تتيح لها بناء ديكتاتوريتها. المورد النفطي السوري حتى الآن، ملف يحتاج لإعادة تأهيل من جديد، غياب هذا المورد، يمكن أن يحل محله ما يسمى الصندوق السيادي هذا. كانت الأسدية تتحكم بالنفط من جهة وما كان يعرف بالقطاع العام من جهة أخرى في توزيع الثروة السورية، التي يتم من خلالها إنتاج وإعادة إنتاج ديكتاتوريتها.
الصندوق السيادي أُنشئ بموجب مرسوم رئاسي في آب 2025 ليكون الذراع الاستثماري للدولة، على أن يُموَّل من مخصصات حكومية، وعوائد الأصول، وإيرادات أنشطته. ويمنحه تفويضه القانوني صلاحية تحويل الأصول الحكومية غير المستثمرة إلى أدوات للإنتاج والتنمية، إضافة إلى تصميم المشاريع الاستثمارية وإدارتها وتنفيذها.
ولا يرفع الصندوق تقاريره إلا إلى المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، الذي يرأسه رئيس الجمهورية. عملياً، يعتبر الصندوق ذراع الرئيس الأساسية في إدارة الأصول العامة.
إذاً ببساطة شديدة يجب إخضاع ملف الصندوق السيادي للرقابة المجتمعية، هذا ما يجب أن يكون دوماً على طاولة “مجلس الشعب” منذ الآن، كي تظهر نيات السلطة إذا كانت متجهة نحو انتاج وإعادة انتاج ديكتاتورية ما أو ديمقراطية ما.
هل يكفي مثلاً الوضع الضريبي الحالي في سورية لتأمين مستلزمات بناء الجيش والقوى الأمنية؟ هذا ملف يجب ألا يبقى مغلقاً وأسود كما كان أيام الأسدية. يجب أن يوضع أمام المجتمع المسحوق، كي يعرف أين تصرف أمواله كي نتجنب قيام ديكتاتورية ما.
في هذا السياق أيضاً تجدر الإشارة، إلى أن نية السلطة تتمحور حول قيام نظام ليبرالي اقتصادياً، هذا سيكون له بالطبع نتيجة أولية وأساسية، وهي إعادة تشكيل المجتمع السوري طبقياً من جديد. هنا تحضرني مفارقة: معارضة تطالب بليبرالية سياسية، ولا تريد ليبرالية اقتصادية، وسلطة تريد العكس.
نجاح أي تجربة ليبرالية تتم وفقاً لمعادلة الليبرالية، والتي هي معادلة سياسية واقتصادية ومدنية. وإلا سنعود إلى ليبراليات الدول النفطية، أو ما شابهها. ليبرالية تعتمد فيها السلطة السياسية التي تمنع الديمقراطية اعتماداً على موردها النفطي، في الجمع بين الديكتاتورية السياسية والليبرالية الاقتصادية.. إيران نموذجاً.
في ظل هذه القصة هنالك معركة قائمة في الحقل المدني والسياسي بين أسلمة المجتمع وبين علمنته أو تمدينه كما يحب بعض الإسلام السياسي تسميتها. هذه المعركة في الواقع لها سياقاتها السورية الموضوعية والذاتية، لكنها في النهاية تصب في مصلحة غياب المعركة الحقيقية حول دمقرطة البلد، هذه المعركة التي يجب أن تكون عنواناً رئيسياً وجامعاً.
السلطة والاسلاميون ليس لديهم غضاضة في تقديم تنازلات في مظاهر العلمنة، لكن معضلتنا تكمن في تثبيت نظام ديمقراطي. المعركة من أجل الديمقراطية يمكن أن يكون لها حوامل علمانية وإسلامية معاً. يمكن أن تنتج تجمعات مختلطة بين إسلاميات متعددة وعلمانيات متعددة. تجمعات يمكن لها أن تعيد صياغة الفضاء السوري من جديد حول النظام الديمقراطي.
السيد الرئيس عندما تحدث في مقابلته مع الجزيرة، عن أن لكلّ بلد خصوصيتها في قضية الديمقراطية، ورفض استيراد نماذج جاهزة، أعطى بذلك إشارة سلبية تجاه الديمقراطية. لأن الحديث أي حديث عن خصوصية ما في قضية الديمقراطية باي بلد، هي عبارة عن اتجاه يريد نظاماً يجمع بين الديكتاتورية والديمقراطية في الحدّ الأدنى.
أيضاً وفقاً لقراءة الرئيس، فالوضع السوري بات من المحال ألا يكون سوى ديمقراطي، فيما لو أردنا بناء بلد حقيقي، ووطن حقيقي حلم به السوريون.
في نهاية هذه العجالة أحب أن أطمئن الإسلاميين: أن العلمنة قادمة، وليس كذلك وحسب، بل أنتم داخلها. سورية بلد حرر من الأسدية في سياق ثورة من جهة، وحضور دولي كثيف من جهة أخرى، لكل بلد سياقه وتفاصيله. هذا السياق وهذه التفاصيل طبعاً لا تمنع قيام نظام ديمقراطي. لكنّها في سورية تمنع من إنتاج نظام غير سوري.
ضمن هذه اللوحة العاجلة يمكننا قراءة قيام مجلس الشعب السوري من جهة، وقراءة جملة المهام الملقاة على عاتقه. مجلس الشعب الذي يحتوي تنوعاً ما لا يمكن أن يأخذ أعضاؤه دورهم دون نظام ديمقراطي، وحرية رأي، وقانون أحزاب ودستور ديمقراطي دائم.
هم من المفترض أن يمثلوا اتجاهات داخل السلطة، وأن يمثلوا اتجاهات خارج السلطة، من أجل سن القوانين والتشريعات، التي من شأنها خدمة الشعب السوري في الحرية والكرامة. الكرامة التي أساسها في الواقع ليس الدعم الدولي فقط، بل تحسن وضع المواطن الاقتصادي باستمرار، فهل سنشهد برلمانيين كفؤاً لذلك؟ لننتظر ونرى.