عنب بلدي – أمير حقوق
تتجه الأنظار إلى 22 من آب الحالي، بوصفه الموعد المرجح لاستكمال الإجراءات الأمريكية الخاصة برفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة قد تشكل تحولًا سياسيًا واقتصاديًا لافتًا في العلاقة بين واشنطن ودمشق بعد أكثر من أربعة عقود من إدراج سوريا على هذه القائمة.
وتزايد الحديث عن هذا الموعد بعد إعلان وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، في 8 من تموز الماضي، بدء الإجراءات الرسمية لإزالة سوريا من القائمة، وإبلاغ الكونجرس بذلك، على أن يصبح القرار نافذًا بعد انقضاء مهلة قانونية مدتها 45 يومًا ما لم يتقدم أعضاء الكونجرس باعتراضات توق اسار.
وكانت الولايات المتحدة أدرجت سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب في 29 من كانون الأول 1979، في عهد الرئيس الأسبق، حافظ الأسد، وذلك استنادًا إلى قانون المساعدات الخارجية الأمريكي، الذي يمنح وزارة الخارجية صلاحية تصنيف الدول التي ترى أنها تقدم دعمًا متكررًا لأعمال الإرهاب الدولي.
وبررت واشنطن القرار آنذاك بعدة اعتبارات، أبرزها:
- اتهام دمشق بدعم تنظيمات فلسطينية مسلحة اعتبرتها الولايات المتحدة منظمات إرهابية.
- تقديم الدعم السياسي واللوجستي لحركات مثل “حزب الله” اللبناني في الثمانينيات، الذي صنفته واشنطن لاحقًا منظمة إرهابية.
- اتهامات بتوفير ملاذ أو تسهيلات لبعض الجماعات المسلحة العاملة في المنطقة.
واتُّهمت سوريا لعقود بتبني سياسات اعتبرتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة مهددة للاستقرار الإقليمي، وهو ما أدى إلى استمرار التصنيف.
لا معارضة للقرار
أهمية موعد 22 من آب الحالي لا تكمن بالضرورة في انعقاد جلسة تصويت، وإنما في كونه الموعد الذي يُتوقع عنده اكتمال المهلة الإجرائية، إذا لم يظهر اعتراض يوقف المسار.
رئيس مكتب سوريا في المجلس السوري- الأمريكي، زكي لبابيدي، أوضح أن رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يحتاج إلى تصويت في الكونجرس، سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ.
وقال لبابيدي، في حديث إلى عنب بلدي، إن الرئيس الأمريكي يرسل رسالة رسمية إلى مجلسي النواب والشيوخ يبلغ فيها برغبة الحكومة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب في رفع التصنيف عن سوريا وإلغائه.
وبعد إرسال الرسالة، يمتلك أعضاء المجلسين مهلة 45 يومًا للاعتراض على القرار، وفي حال عدم تقديم أي اعتراض، يصبح رفع التصنيف نافذًا من دون الحاجة إلى إجراء تصويت.
ويرى لبابيدي أن احتمال وجود معارضة للقرار ضعيف، مشيرًا إلى مرور أكثر من شهر تقريبًا من دون تقدم أي عضو باعتراض، متوقعًا إتمام رفع التصنيف خلال نحو عشرة أيام إلى أسبوعين.
احتمال وجود معارضة لقرار إزالة سوريا من الدول الراعية للإرهاب ضعيف، وقد مر أكثر من شهر تقريبًا من دون تقدم أي عضو باعتراض.
زكي لبابيدي
رئيس مكتب سوريا في المجلس السوري- الأمريكي
أما محمد علاء غانم، أحد قياديي الجالية السورية الأمريكية في واشنطن، فقال إن ممثلي الجالية عقدوا لقاءات مع عدد من أعضاء الكونجرس لمتابعة الإجراءات، وإنهم يراقبون الملف بصورة مستمرة للتأكد من عدم ظهور اعتراضات يمكن أن تعرقل إتمامه.
وبحسب غانم، فإن المعطيات التي حصلت عليها الجالية من هذه اللقاءات تشير إلى أن الأمور “تسير على ما يرام”، ولا توجد حتى الآن مؤشرات على اعتراضات من شأنها تعطيل المسار.
وبذلك، لا يقدم غانم يوم 22 من آب بوصفه موعدًا لجلسة تصويت، بل باعتباره الموعد المتوقع لاكتمال الإجراء إذا بقي المسار داخل الكونجرس من دون اعتراضات، وهو ما يتقاطع مع التفسير القانوني الذي يقدمه لبابيدي.
رفع التصنيف لا يعني إلغاء العقوبات
التفريق بين رفع تصنيف سوريا كـ”دولة راعية للإرهاب” وإلغاء العقوبات الأمريكية المفروضة عليها أساسي لفهم ما يمكن أن يترتب على انتهاء المهلة القانونية في 22 من آب، فالتصنيف والعقوبات مساران قانونيان مختلفان، ولا يؤدي إنهاء أحدهما تلقائيًا إلى إلغاء الآخر.
وقال لبابيدي، إن واشنطن تتعامل مع الملف عبر مسارين منفصلين، الأول يتعلق بإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والثاني بإلغاء ما تبقى من العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.
وبينما لا يحتاج المسار الأول، بحسب لبابيدي، إلى تصويت في الكونجرس، فإن إلغاء العقوبات المتبقية يحتاج إلى مسار تشريعي.
ويأتي هذا التمييز بعد أن رفعت واشنطن بعض القيود المفروضة على سوريا، ما يجعل الحديث عن “رفع العقوبات” و”رفع التصنيف” عرضة للخلط، رغم اختلاف الأثر القانوني لكل منهما.
وبحسب لبابيدي، فإن مشروع القانون “S.3172” الذي قدمته عضوة مجلس الشيوخ جين شاهين، يستهدف إلغاء ما تبقى من العقوبات الأمريكية على سوريا، ما يعني أن اكتمال إجراءات رفع التصنيف في 22 من آب، في حال عدم وجود اعتراض، سيجعل جميع القيود الأمريكية ملغاة في اليوم نفسه.
أما غانم فيربط المسار بما جرى سياسيًا بين واشنطن ودمشق، ويشير إلى أن الملف اكتسب طابعًا رسميًا بعد لقاء الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بالرئيس السوري، أحمد الشرع، وما تبعه من إجراءات من جانب وزارة الخارجية الأمريكية.
وبذلك، يقدم غانم تفسيرًا للسياق السياسي الذي دفع الملف إلى الأمام، بينما يوضح لبابيدي حدوده القانونية وما الذي لا يشمله القرار.
اعتراف أمريكي بأن سوريا أصبحت شريكًا
وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، وصف الإجراء بـ”الخطوة التاريخية من قبل الرئيس ترامب لمنح الشعب السوري فرصة لتحقيق العظمة”.
وأضاف أن رفع العقوبات عن سوريا سيفتح المجال أمام التجارة والاستثمار الدوليَين، ويمنح سوريا فرصة لإعادة البناء، ويفتح فصلًا جديدًا للشعب السوري”، موضحًا أن سوريا المستقرة والموحدة والتي تعيش في سلام مع نفسها ومع جيرانها، لا تفيد المنطقة فحسب، بل تفيد العالم أجمع.
بينما يرى أستاذ القانون الدولي العام والباحث في العلاقات الدولية الدكتور عامر فاخوري، أن الآثار المترتبة على القرار ستكون كبيرة، لكنها لن تظهر بصورة فورية، لأن رفع اسم سوريا من القائمة لا يعني تلقائيًا إنهاء جميع العقوبات الأمريكية.
وقال فاخوري، في حديث إلى عنب بلدي، إنه على المستوى السياسي، يعتقد أن القرار سيحمل اعترافًا أمريكيًا ضمنيًا بأن الدولة السورية أصبحت شريكًا يمكن التعامل معه، وهو ما قد يشجع عددًا من الدول على توسيع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع دمشق.
وأضاف أن القرار ينسجم كذلك مع توجه أمريكي لدعم إعادة دمج سوريا في محيطها العربي، بما يسمح للدول الخليجية والعربية بلعب دور أكبر في مشاريع إعادة الإعمار، بدلًا من ترك الساحة الاقتصادية بالكامل لروسيا والصين وإيران.
ولا يستبعد وجود بُعد تنافسي دولي، إذ تدرك واشنطن أن سوريا تمثل موقعًا جيوسياسيًا مهمًا على شرق البحر المتوسط، وأن مرحلة إعادة الإعمار ستفتح سوقًا اقتصادية كبيرة، وبالتالي فإن استمرار سياسة العزل قد يمنح القوى المنافسة فرصًا أكبر لترسيخ نفوذها.
ويخلص إلى أن القرار ينبغي النظر إليه باعتباره بداية لمسار جديد، وأن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة الحكومة السورية على ترسيخ الاستقرار الداخلي، وتعزيز سيادة القانون، والاستمرار في مكافحة الإرهاب، وبناء الثقة مع المجتمع الدولي.
نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة الحكومة السورية على ترسيخ الاستقرار الداخلي، وتعزيز سيادة القانون، والاستمرار في مكافحة الإرهاب، وبناء الثقة مع المجتمع الدولي.
الدكتور عامر فاخوري
أستاذ بالقانون الدولي العام وباحث في العلاقات الدولية
تسهيل عودة المصارف الدولية
رئيس مكتب سوريا في المجلس السوري- الأمريكي، زكي لبابيدي، أكد أن رفع تصنيف سوريا وإزالة العقوبات من شأنهما تسهيل عودة المصارف الدولية إلى التعامل مع المصارف السورية، وبالتالي تسهيل حركة الأموال.
كما يربط لبابيدي بين هذه الخطوات وبين إمكانية زيادة الاستثمارات الدولية في سوريا، موضحًا أن شركات قد تكون مهتمة بإقامة مصانع في البلاد بسبب انخفاض تكلفة اليد العاملة وتوفر المواد الأولية.
ويشير إلى أن إزالة العقوبات ورفع التصنيف سيقللان المخاوف المرتبطة بالعقوبات والقيود المفروضة على حركة الأموال والمستثمرين، ما يجعل الاستثمار في قطاعات مثل الصناعة والسياحة أسهل بالنسبة إلى الشركات الكبيرة.
كما أن الأمر قد ينعكس أيضًا على قدرة سوريا على استيراد بعض المواد التي تحتاج إليها، بما فيها الأدوات الدفاعية والمواد الضرورية للجيش، إضافة إلى مواد ذات استخدام مزدوج.
ويعتبر أن إزالة هذه القيود تتيح لسوريا استيراد المواد التي تحتاج إليها الدولة، كما يمتلك القطاع الزراعي السوري إمكانية لزيادة الإنتاج بشكل كبير من خلال استخدام الأدوات والتكنولوجيا الحديثة، ما يسمح برفع الإنتاج إلى مستويات تغطي الحاجة المحلية، وصولًا إلى إمكانية التصدير.
وكانت وزارة الخارجية السورية رحبت بإعلان الولايات المتحدة بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، معتبرة أن إبلاغ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نظيره السوري بنيته اتخاذ هذه الخطوة، تطور مهم في مسار العلاقات بين البلدين القائمة على الحوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
