سوزان موسى دره- كاتبة سورية.. سوريا…
السورِيّون في معظم بقاع الأرض، بعثرت حروفهم الريح، و أمّا الذينَ يصافحونَ القلوبَ فهم كالحجارةِ الكريمةِ؛ يلمعونَ مع الفَرّك. لقد ادركوا ان مجرد الرحيل لن يُصبِح يوماً مجداً. منذ عشرينَ عاماً انتقلت آخر معاقل حياتي الاجتماعية إلى صندوق المسنجر، و كلما جمعتني دردشة جماعية ببعض الزملاء يهتزّ شيءٌ عظيمٌ في داخلي. ربما لأن السوري مهما ابتعد، يبقى بالنسبة إليّ نافذة محتملة على حكاية تشبه حكايتي. سيرة من توزعوا في أوروبا، كسيرة من وطئوا أستراليا، و حطوا في كندة؛ سيرةِ إنسانٍ نجا من الموت البطيء، ثم عبر النفق ووصل إلى الضفة الأخرى، ولأنني أؤمن بانه ليس كل ما يُقال عن الخير هو خير، ولا كل ما يُقال عن الشر هو شر. اترك نفسي تفكر معهم بصوت عالٍ كل فترة. منذ أيام تحدثنا عن البلاد، والعباد، و عن الخسارات، و المكاسب، و عن الشَبَع، و عدم الاكتفاء، و عن الحنين الذي يؤلم، ولا تُشفى جراحه، وعن الأمل الذي يشيخ ولا يموت، ثم عن الفرق بين الحياة في سورية مع عدم الاكتفاء بالحب، والحياة خارج سوريا مع عدم الاكتفاء بالحب، و في النهاية اتفقنا على هزيمة الأحلام المرحلية أمام كائن واحد اسمهُ الحب. حين انتهت الدردشة، لم يبق في ذهني شيءٌ بقدرِ ذلك الشعور الخفي الذي كان يتسلل بين كلماتهم؛ إنه القلق. كان القلق يسكن اصواتهم كما يسكن صوت من ينتظر على باب مجهول، كان يجلس بيننا كضيفٍ قديم يعرف الطريق إلى السوريين أينما ذهبوا، و مهما حاولوا النجاة، فرحتُ أسال نفسي:” كيف يمكن للإنسان أن ينجو بكل هذا القدر، ثم يبقى خائفاً إلى هذا الحد؟ ” نحن الذين بقينا في سورية، صار القلق معجون فينا وصارت حياتنا مزيجاً من القلق مع قلق أقل رفاهية وأكثر خشونة، يتعلق بالغد مع الرغيف بينما غيرنا يقلقون من أمكنة بعيدة أكثر دفئاً، و أقل تعقيداً، و يدّعون عكس ذلك كيلا نشعر انهم متساوون معنا في جوهر الحاجة العارمة إلى الحب، والحب فقط فماذا فعلتِ بنا يا سوريا؟ كيف استطعتِ أن تجمعي أبناءك على قدر كبير من التعب، ثم تفرقي بينهم في أسباب التعب؟ ماذا فعلت