“كلّ طبخة سياسية في المنطقة تُعدّها أميركا، وتوقد تحتها روسيا، وتبرّدها أوروبا، وتأكلها إسرائيل، والعرب يغسلون الصحون”. جملة للمرحوم محمّد الماغوط بقيت عنواناً سياسياً صريحاً لمجريات الأحداث في المنطقة العربية، لكنّه لو ظلّ على قيد الحياة، لربما غيّر رأيه قليلاً، فقد باتت سياسات المنطقة تُعدّها الغرف السرّية المخابراتية، و”شيفها” نتنياهو أو “بيبي”، كما يحلو لترامب أن يخاطبه، وتأكلها فعلاً إسرائيل، لكنّ العرب هم مائدة الطعام، ولربّما لا تزال روسيا وأوروبا تنتظران اقتناص حصّتَيهما من الوليمة.
منطقة الشرق الأوسط برمّتها تقف على صفيح جيوسياسي ساخن، عنوانه الأبرز إعادة التموضع الأميركي المباشر بعدما اكتفت أميركا بإدارة ملفّاته بيدها الطولى منذ أواخر عام 2011. وليس هذا فحسب، بل تُرسم خرائط جديدة للشرق الأوسط، ويُوسَّع نطاق المحيط الحيوي الآمن لإسرائيل، وربّما نشهد مفاجآت أخرى. فإشارات ترامب وتصريحاته محيّرة ومتناقضة في آن، فهو، من جهة، يطالب إسرائيل بالخروج من لبنان وسورية تمهيداً لاتّفاق أمني واسع بين تل أبيب، من جهة، ودمشق وبيروت من جهة أخرى، وتحقيقاً لاستقرار المنطقة وعدم زعزعة مشاريعها الاستثمارية السياسية والاقتصادية، وفي إطار محاولاته إحكام السيطرة على الملفّ الإيراني بالتفاوض تحت وطأة الضربات العسكرية.
وفي المقابل، يصرّح علناً بتقديم الجولان (وقبله القدس) هديةً لـ”بيبي”، ويطلب من سورية، أكثر من مرّة، التدخّل العسكري في جنوب لبنان وإنهاء وجود حزب الله المسلّح. فأيّ استقرار هذا؟ ويبدو أنّ هناك جولات تفاوضية متعدّدة تجري خلف الكواليس لم يُعلَن عنها، وأنّ أسرار طبخة نتنياهو في نيويورك لم تتكشّف بعد.
وفي المقابل، رغم التصريحات السورية الرسمية المتكرّرة بأنّها لا ترغب في التدخّل العسكري في لبنان، بقدر رغبتها في المشاركة الدبلوماسية في هذا الملفّ، لا تزال الضغوط مستمرّةً، خاصّةً أنّ ملفّات الاتّفاق الأمني مع إسرائيل صعبة ومعقّدة ومتعدّدة التوازنات. فإسرائيل لا يمكنها حسم ملفّ حزب الله برّياً، وفي المقابل تخشى وجود القوّات السورية عند خطوط وقف إطلاق النار. وسورية حذرة وقلقة من التدخّلات الإسرائيلية في ملفّات الداخل السوري، من خلال توسّع إسرائيل في المنطقة منزوعة السلاح بموجب اتفاقية 1974، أو بتغلغلها في الجيوب السورية الغربية في درعا والقنيطرة وتثبيت ما لا يقلّ عن 11 نقطة عسكرية فيها، خاصّةً في مرتفعات جبل الشيخ، إضافةً إلى تدخّلها المباشر في ملفّ السويداء أمنياً وسياسياً، وهو الملفّ الأشدّ خطورةً وألماً في الوقت نفسه.
يبحث الجانبان السوري والإسرائيلي فعلياً عن اتّفاق أمني مرحلي قد يفضي إلى اتفاق سلام. غير أنّ مخاطر هذا الاتّفاق الأمني السوري–الإسرائيلي، والدفع الأميركي نحوه، تجعله شديد الخطورة، خاصّةً إذا ما جرت مقايضة دخول الجيش السوري إلى جنوبي لبنان لمحاربة حزب الله وإنهاء وجوده المسلّح بالسماح للجيش السوري بالدخول إلى السويداء مرّةً أخرى، كما حدث قبل عام، عقب اجتماع باكو في يوليو/تمّوز 2025. وهنا تبرز مخاوف متعدّدة من تكرار الكوارث نفسها التي وقعت آنذاك، وتجلّت في حجم المجازر التي شهدناها في السويداء، وتصاعد خطاب الانفصال فيها إلى ذروته، مع اتّساع الفجوة العامّة بين السوريين، وتدخّل إسرائيل العسكري المباشر فيها، معزّزةً فكرة الانفصال وحمايتها الزائفة للأقلية الدرزية.
ولا يناقش الكاتب في هذه السطور المواقفَ السياسية بتركيبتها الطائفية، بقدر ما يناقش مخاطرَ احتمال دخول الجيش السوري إلى الجنوب اللبناني والجنوب السوري. إذ لا يقتصر خطر هذه المقايضة على السويداء مرّة أخرى، ولا على النسيج الوطني العامّ، بل يتجاوزهما إلى الداخل اللبناني، ويستعيد الذاكرة السيّئة لدخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، وما خلّفه من تدهور في العلاقة بين الشقيقتَين دام عقوداً، وكذلك التدخّل العسكري الفجّ لحزب الله في سورية إبّان الثورة السورية، وما نتج منه من كوارث محلّية طاولت الثورة والنسيج السوري. إضافةً إلى أنّ دخول سورية إلى لبنان سيشكّل خطراً إقليمياً على كلٍّ من سورية ولبنان، وقد يشعل مجدّداً الحرب الطائفية الأهلية داخل لبنان، والمرجّح حينها أن تمتدّ إلى كامل المنطقة، خاصّةً مع احتمال تدخّل المليشيات العراقية الشيعية الموالية لإيران في سورية من الجهة الشرقية، وفتح جبهات حرب جديدة لا تتحمّلها سورية، ولا ينبغي لها أن تخوضها من الأساس. عدا عن أنّ ذلك سيؤدّي إلى نتائج عكسية على استقرار المنطقة، وإلى تخلّي إسرائيل عن الملفّات العسكرية التي صنعتها في السنوات الماضية، وإيكال إدارتها إلى سورية المنهكة اقتصادياً وعسكرياً وبنيوياً، لتجني إسرائيل نتائج تلك الملفّات وتأكل حصّتها الكُبرى فيها بعد إضعاف جميع أطرافها.
وستكون ارتدادات مغامرة سورية كهذه كارثيةً على لبنان وسورية، وتهدّد استقرار المنطقة كلّها، بما فيها الأردن ودول الجوار العربي، خاصّةً إذا ما انفتحت المنطقة الجنوبية من سورية برمّتها على صراعات متعدّدة الأطراف، محلّياً وإقليمياً. ومع هذا، ليس بالضرورة أن يكون هذا السيناريو هو الوحيد والمؤكّد، فلربّما للسياسة أوجه أخرى تختلف عن لعبة الجيوبوليتيك (الصراع على الكيانات الجغرافية) سيئة السمعة والنتائج. فثمّة فارق مهم بين تعامل الدول وفق الأطر الدبلوماسية ومعايير القانون الدولي والتعامل الجيوبوليتيكي الذي تمارسه دول العالم اليوم، ولم يعد مقتصراً على روسيا منذ تدخّلها في سورية عام 2015، وصولاً إلى أوكرانيا في أوروبا.
فاليوم تحاول أميركا إعادة التموضع الجيوبوليتيكي من البوابة الإيرانية في الشرق الأوسط، وقطع خطوط التجارة البرّية أمام الصين، والهيمنة على المنافذ البحرية لخطوط الطاقة في الخليج العربي، والحلول محلّ التمدّد الروسي السابق في المنطقة. هذا، إضافةً إلى إعادة تموضعها السياسي عبر الأدوات الدبلوماسية شرقي المتوسّط، من خلال البوابة السورية ذاتها التي كانت تمثّل عقدةً جيوبوليتيكيةً حتّى عام 2024، يوم سقوط النظام السابق. ولا تخفى على أحد أخطارُ التوسّع الجيوبوليتيكي الإقليمي والدولي، سواء على سلام العالم برمّته أو على المنطقة بصفة خاصّة. وليس من مصلحة سورية أن تمارس أدواراً جيوبوليتيكية تضعها في مهبّ الإعصار مرّة أخرى. وعوضاً عن ذلك، عليها التمسّك بمعادلة التمركز الذاتي في الداخل السوري، وحلّ ملفّ السويداء والجنوب برمّته بطرق سياسية تعالج النتائج الكارثية التي خلّفتها مجازر يوليو/تمّوز من العام الفائت، من خلال المساءلة والمحاسبة وتحقيق العدالة وجبر الضرر، والتراجع المُعلَن عن موقفها في التدخّل العسكري المباشر آنذاك، أيّاً تكن مبرّراته ومسوّغاته.
وعليها أيضاً التعامل مع لبنان من بوابة الدبلوماسية الدولية، المترافقة مع إحكام ضبط الحدود السورية الشرقية مع العراق، ولجم المليشيات العراقية التي لا تزال تهدّد الداخل السوري، وضبط الحدود الغربية مع كلٍّ من لبنان وإسرائيل. وهو ما سيقطع طرق الإمداد العسكرية لحزب الله، ويسهّل على الجيش اللبناني إنهاء سلاح حزب الله وإحكام سيطرته على كامل لبنان، وبالنتيجة سحب ورقة الابتزاز الإسرائيلية التفاوضية، وتخفيف الضغوط الأميركية، واستعادة التوازن العربي. حينها يصبح التفاوض متكافئاً، ويكون عنوانه الفعلي شروط الاستقرار لجميع دول المنطقة، وأكثر إغراءً لأميركا، وأقلّ خطراً على الجانب الإسرائيلي، ويستبعد احتمال أيّ عمل عسكري في الداخل السوري تمزّقه عن آخره.
فهل هذا ممكن ومعقول؟ أم ثمّة “أطباق طعام” أخرى تطهوها غرف المخابرات العالمية لا نعلم عنها؟ ربّما، لكن ما يجب أن نعلمه هو ضرورة تجنّب موائدها ومنزلقاتها، أيّاً تكن المغريات، خاصّةً أنّ معادلتي الجنوبَين العراقي واللبناني التاريخيتَين كانت بوابةً للهدم وعدم الاستقرار، ويمكن (بل يجب) تجنّبها في سورية ولبنان اليوم، إذا ما قُرئت جيّداً معادلات المنطقة وآثارها الكارثية الناتجة عن الاستثمار في الشرق الأوسط أمنياً وعسكرياً.