وقد حظي موضوع المفقودين والمعتقلين في سورية، ولا سيما بعد انطلاق الثورة السورية، باهتمام واسع من الكتّاب والفنانين وصنّاع الأفلام الوثائقية والدرامية السينمائية الذين أنتجوا العشرات منها، ونال بعضها ترشيحات لجوائز الأوسكار وعُرضت في كبرى المهرجانات العالمية، وفي بلدها الأصلي بعد سقوط النظام الديكتاتوري الذي ارتكب مجازر مروّعة بحق الشعب السوري، وقتل مئات الآلاف من المعتقلين.
اعتمدت الأفلام الوثائقية والتسجيلية على شهادات حيّة ووثائق مسربة وتصوير حي واقعي من قلب الحدث الذي كان يضج بالخطر ورائحة الدم والموت. وكانت مؤثرة جدًا، وشاهدًا على جرائم أعتى الأنظمة وأكثرها وحشية في العصر الحديث.
ففي فيلم “عيوني”، مثلًا، قدمت لنا المخرجة السورية ياسمين فضة عملًا وثائقيًا سينمائيًا عن تجربة الاختفاء القسري من خلال تركيزها على فاجعة الكاتب والمبرمج الفلسطيني السوري باسل الصفدي، الذي اعتُقل عام 2012 من قلب دمشق على يد قوات الأمن العسكري، وتعرض للعزل التام والتعذيب الوحشي الشديد، ثم أُعدم في عام 2015 رغم مطالبة المنظمات الحقوقية بالإفراج عنه من دون قيد أو شرط. وركزت في الفيلم نفسه، الذي أُنتج عام 2021، على اختفاء الأب “باولو دالوليو”، الكاهن الإيطالي الذي أبعده النظام البائد عام 2012 لوقوفه إلى جانب الثورة السورية، ودعواته الدائمة لوحدة السوريين ونبذ الطائفية، ليعود إلى الرقة بعد ذلك عام 2013 ويُختطف على يد تنظيم “داعش” الإرهابي ويُعدم داخل سجونه كما ذكرت مصادر عديدة، بينما أشارت أخرى إلى ضلوع النظام السوري في جريمة اختفائه.
| في فيلم “غياهب الأسد” الوثائقي الذي أنتجته “الجزيرة”، تم الكشف عن تفاصيل وفظائع السجون وعن وثائق مسربة ومستندات رسمية |
استعانت المخرجة في هذا العمل بفيديوهات للشخصيتين المذكورتين وشهادات حية لأفراد من عائلتيهما، ووثقت على مدار سنوات رحلة البحث عنهما من دون الوصول إلى إجابات شافية.
وفي فيلم “غياهب الأسد” الوثائقي الذي أنتجته “الجزيرة”، تم الكشف عن تفاصيل وفظائع السجون وعن وثائق مسربة ومستندات رسمية وأدلة مستخرجة من نحو 600,000 صفحة تم تهريبها إلى موقع آمن في أوروبا. كما تحدث فيه الناشط السوري مازن حمادة – الذي عُثر على جثته بعد التحرير ضمن حوالي 40 جثة لمعتقلين آخرين – عن مآسي التعذيب في الفروع الأمنية وفي مشفى 601 العسكري الذي تحوّل إلى سجن مظلم ومقبرة وبؤرة للتعذيب والتصفيات وسرقة الأعضاء البشرية، وذلك بعد الإفراج عنه في الاعتقال الأول وقبل اعتقاله الثاني. سلط العمل الضوء على طرق مقاومة النسيان لكل ما جرى، وإمكانية محاكمة المجرمين دوليًا من خلال لقاءات مع ناشطين وأهالي معتقلين ومحققين منشقين. وعكس أيضًا خضوع ملفات حقوق الإنسان للمصالح السياسية للدول الغربية و”الفيتو” الذي استُخدم لحماية النظام المجرم. وكان ملف “قيصر” وصوره الواقعية المروّعة عنصرًا مكملًا وشاهدًا إضافيًا في هذا الفيلم، الذي نال تقييمًا رفيعًا نظرًا للقيمة التوثيقية العالية التي قدمها في كشف كواليس النظام المخلوع، ولبعده الإنساني الصادم وطرحه أسئلة سياسية وقانونية عميقة جعلته مرجعًا وثائقيًا وحقوقيًا هامًا.
حظيت قضية الأطفال المعتقلين والمختفين قسريًا بتركيز وثائقي وصادم أيضًا. فقد كشفت تحقيقات استقصائية وشهادات لناجين ومنشقين عن النظام المجرم عن جرائم وانتهاكات مروّعة استهدفتهم، وصلت إلى حد قتلهم ودفنهم في مقابر جماعية والاتّجار بهم وإخفائهم في دور للأيتام وفي مدرسة “قرى الأطفال الدولية” بعد تغيير أسمائهم وكل الثبوتيات الخاصة بهم، وهذا ما وثقه الفيلم الاستقصائي “أطفال سورية المسروقون” الذي أنتجته شبكة “بي بي سي” بالتعاون مع منظمات سورية ودولية، والذي فضح تغييب النظام لمئات الأطفال بعد اعتقال آبائهم أو فصلهم عن أمهاتهم، وتتبّع رحلة الأم السورية ريم القاري التي بقيت لسنوات طويلة تبحث عن ابنها كريم الترجمان، الذي اعتُقل مع زوجها في حمص عام 2015 على أحد الحواجز الأمنية، ورصد قصصًا مؤلمة وحقيقية لعائلتين فقدتا أبناءهما بعد اعتقالهم مع الأب أو الأم. وكان الفيلم وثيقة إنسانية وبصرية وبحثية نادرة كشفت تورط جهات رسمية سورية ودولية في هذا الملف الدامي.
وهناك وثائقي استقصائي آخر بعنوان “مختفون” للمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، تناول قضية اختطاف الحقوقية رزان زيتونة ورفاقها: سميرة الخليل، ووائل حمادة، وناظم حمادي، في كانون الأول/ ديسمبر عام 2013 في الغوطة الشرقية بدوما على يد “جيش الإسلام” كما قالت بعض المصادر، وسلط الضوء على نضالهم السلمي وتوثيقهم للانتهاكات التي يقوم بها النظام وبعض أطراف المعارضة المسلحة، وتتبّع آثار الخاطفين من دون الوصول إلى أي نتائج، عارضًا شهادات ومعطيات توثق هشاشة الوضع الأمني والسياسي في تلك المناطق.
| فيلم “بكرا منكفي”، أُنتج عام 2025، وهو وثائقي درامي قصير أطلقه المركز الدولي للعدالة الانتقالية |
وكان هذا العمل خطوة مهمة ومجهودًا شجاعًا في نبش ملفات شائكة، وأعاد إحياء أصوات من الثورة السورية، ورصد مأساة المغيبين قسرًا.
هذا إضافة إلى الفيلم التحقيقي “المختفون” الذي أخرجه محمود الأتاسي، وفتح فيه الجراح الأكثر إيلامًا في المأساة السورية المرتبطة بخطف الأطفال وسجنهم وقتلهم. وركز بالكامل على قضية الطبيبة وبطلة الشطرنج السورية الدكتورة رانيا العباسي، التي اعتُقلت مع زوجها وأولادها الستة الصغار ومساعدتها في آذار/ مارس عام 2013 من منزلها بدمشق على يد المخابرات العسكرية. تتبّع الفيلم الجهود الكبيرة والمضنية التي بذلها الأهل على مدى سنوات طويلة من أجل كشف مصيرهم جميعًا ومصير الأطفال، الذين كشفت الهيئة الوطنية للمفقودين مؤخرًا عن وجود تسجيلات مصورة وترجيحات قوية تثبت تورط المجرم أمجد يوسف، المتهم بارتكاب “مجزرة التضامن”، بقتلهم جميعًا في اليوم الأول من اعتقالهم، وأصغرهم كان رضيعًا، في واحدة من أبشع جرائم الحرب التي ارتكبها النظام الوحشي عن سبق الإصرار والترصد.
وظف الفيلم مادة أرشيفية مرتبطة بالسياق العام إلى جانب رسومات متحركة تكمّل السرد وتمنح الحكاية بعدًا إنسانيًا إضافيًا. كما اعتمد على شهادات متعددة، مع حرص واضح على الموازنة بين كشف التفاصيل والحفاظ على دقة الموضوع وحساسيته.
تُعد قضية الاختفاء القسري والاعتقال من أكثر الملفات عُمقًا وإيلامًا في الذاكرة السورية المعاصرة، ورغم أن السينما الوثائقية نالت النصيب الأكبر في توثيق هذه الجرائم والانتهاكات، إلا أن هناك أفلامًا روائية- درامية تناولت كواليس السجون وأهوالها وآثارها على العائلات والأبناء أيضًا، ومنها فيلم “المترجم” الروائي الطويل، الذي تدور أحداثه عام 2011 حول مترجم سوري يعيش في فرنسا ويقرر العودة إلى سورية سرًا مخاطرًا بحياته لينقذ أخاه من سجون النظام بأي وسيلة كانت، والذي ركز على القمع عبر الأجيال والاعتقالات التعسفية التي طاولت الآباء والأبناء في العقود الماضية من حكم الأسدين الأب والابن، وهو من إخراج: رنا كزكز وأنس خلف.
وهناك فيلم “معتقل”، الذي أُنتج عام 2016 وعُرض مجددًا بنسخ متطورة هذا العام للمخرج محمد قدور. صُوّر في مدينة سراقب بمحافظة إدلب، واستطاع محاكاة حياة مئات الآلاف من المغيبين في أقبية الأمن، مع التركيز على الخسائر النفسية والآلام التي تعيشها عائلات المفقودين. وقصة هذا الفيلم حقيقية، مستقاة من تجربة الشاب عبد الإله أصلان، الذي اعتُقل على خلفية نشاطه في توثيق جرائم النظام، ليخرج بعدها وقد وجد بيته عبارة عن كومة ركام وطفلته الوحيدة شهد قد استُشهدت تحت الأنقاض.
وفيلم “بكرا منكفي”، أُنتج عام 2025، وهو وثائقي درامي قصير أطلقه المركز الدولي للعدالة الانتقالية، يعتمد بشكل رئيسي على التعبير البصري والرسوم المتحركة لنقل المشاعر العميقة والصراعات النفسية التي بُنيت عليها قصة أم شابة لطفلين تعيش معاناة اللجوء في برلين وتبحث عن زوجها المختفي قسريًا بكل الوسائل والطرق، مدعومًا بالموسيقى والمؤثرات الصوتية والشهادات الواقعية.
| الفيلم الاستقصائي “أطفال سورية المسروقون” أنتجته شبكة “بي بي سي” بالتعاون مع منظمات سورية ودولية |
لجأ المخرجون إلى أفلام “الديكودراما” أيضًا لصعوبة إنتاج أفلام روائية بحتة حول هذه الموضوعات لأسباب عديدة، وقد حققت انتشارًا واسعًا، ومنها فيلم “تدمر”، الذي أُنتج عام 2016، إخراج الألمانية مونيكا بورغمان واللبناني الراحل لقمان سليم، تضمن شهادات لسبعة معتقلين لبنانيين ناجين قضوا سنوات طويلة داخل هذا السجن سيء الصيت، تحدثوا خلالها في غرفة فسيحة تضم كرسيًا واحدًا على طريقة الحكواتي الشرقي عن التعذيب وأجواء السجن العنيفة عبر إعادة تمثيلها من قِبلهم، في سردية صورية موازية وقوية، محاولين تجسيد بعض ملامح عالم الوحشية الذي عاشوه. وقد كان الانتقال بين الشهادات الحية والمشاهد التمثيلية مقنعًا ومحسوبًا بدقة، وكانت المعالجة السينمائية مبتكرة، تحررت من جمود اللقاءات التقليدية، وشكلت وثيقة تاريخية شجاعة عن السجناء وعذاباتهم، لكنها في الوقت نفسه عرضت مشاهد تعذيب قاسية جدًا يصعب احتمالها، رغم معرفة الجميع بالواقع المثقل بالأهوال التي تعجز السينما عن محاكاة بشاعته المطلقة.
وهناك فيلم “صراع البقاء”، إخراج: عبدو مدخنة، إنتاج “الجزيرة”، يسلط الضوء على كفاح الناجيات والناجين من معتقلات نظام الأسد، وصراعهم من أجل الاستمرار في الحياة، وحصد جوائز أفضل فيلم “ديكودراما” في مهرجان كان للإعلام المؤسسي والتلفزيوني، وقد تم فيه الدمج بين شهادات حيّة للضحايا ومشاهد تمثيلية درامية لمعاناتهم داخل الزنازين التي صُممت ديكوراتها بناء على وصفهم.
أدوات لحفظ الذاكرة الوطنية
استطاعت الأفلام الوثائقية والدرامية التي عالجت قضية الاعتقال والاختفاء القسري – وذكرنا بعضًا منها أعلاه- أن تحوّل الأرقام الصمّاء للمفقودين إلى وثائق إدانة تاريخية للنظام الشمولي البائد، وأدوات لحفظ الذاكرة الوطنية، وقصص تمس الوجدان العالمي، وهي في النهاية أرشيف بصري يحمي رواية الضحايا ويمنع طمسها بمرور الزمن، في الوقت الذي تشير فيه منظمات دولية والشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن عدد المغيبين في سورية بلغ ما لا يقل عن 177,021 منذ آذار/ مارس عام 2011، يشمل 4,536 طفلًا و8,984 سيدة، وهذه الأرقام تمثل الحد الأدنى الذي تمكنت الشبكة من توثيقه والتحقق منه بنظام الاسم والبيانات، والأعداد الفعلية على أرض الواقع قد تكون أعلى من ذلك بكثير. في المقابل، قدّرت الهيئة الوطنية للمفقودين إجمالي عدد المفقودين في سورية بنطاق أوسع يصل إلى 300,000 شخص.
اليوم، وبعد سقوط النظام المجرم، ما زال السوريون يبحثون عن رفات أبنائهم وحقيقة مصيرهم المجهول، وينتظرون تحقيق العدالة ومحاسبة القتلة وبناء دولة القانون التي ترفض الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري.