
نجيب محفوظ بريشة عادل محمود (صفحة الرسام – فيسبوك)
في كتابه “حرافيش ونبلاء في مملكة نجيب محفوظ”، يقدم الناقد المصري ممدوح فراج النابي، قراءة تحليلية لأربعة أعمال للروائي المصري الذي تحل هذه الأيام الذكرى الـ20 لرحيله، أثار فيها قضايا جوهرية تتعلق برحلة البحث عن الخلاص.
ينطلق ممدوح النابي في كتابه “حرافيش ونبلاء” (دار أخبار اليوم) من ملاحظة مفادها أن نجيب محفوظ انشغل في كثير من أعماله الروائية والقصصية بفكرة البحث عن الخلاص، وهو ما تجلى عبر تساؤلات: هل خلاص الفرد يكمن في هذا العالم أم في قوة خارجة عليه؟ هل نقضي وقتنا على الأرض في البحث عن هذا الشيء الما ورائي الغامض، أم نقضيه في العمل الدائب من أجل الذات والآخرين والتقدم البشري العام؟
أين تكون “طريق” الخلاص؟ وكيف الوصول إلى المجهول؟ وخلص إلى أنه بحثاً عن إجابة عن هذه التساؤلات دفع محفوظ أبطال رواياته لسلوك دروب وعرة، دون أن يظفروا بيقين الإجابة في النهاية. ومن ثم سعى هذا الكتاب بفصوله الأربعة من خلال قراءة “ليالي ألف ليلة”، و”الحرافيش”، و”الكرنك”، و”حكايات حارتنا”، إلى استجلاء رحلة بحث الشخصيات الرئيسة في تلك الأعمال عن خلاصها الفردي، والتي عادة ما تنتهي إلى عدم بلوغ الأمل المنشود.
رحلة البحث عن الخلاص، يقول النابي في مقدمة الكتاب، شملت معظم الشخصيات في أدب محفوظ، سواء كانت تقع في دائرة السادة (النبلاء) أم الحرافيش (المهمشين). الكل سعى عبر دروب مختلفة للوصول إلى خلاصه الفردي، بعدما يئس من الخلاص الجمعي. وهكذا قاد محفوظ شخصياته في دروب متعددة، بدأت بمقام الحيرة أو الشك، ولم تصل أبداً إلى مقام اليقين/ الأمل. ولم تخل الرحلة من متاعب وإكراهات انتهت ببعض الشخصيات إلى اختيار عدم استكمالها.
الخلاص الفردي
بحسب النابي، تجسدت فكرة الخلاص الفردي، في كثير من أعمال نجيب محفوظ، التي كان يبتغي من ورائها سبر أغوار النفس البشرية، والبحث عن سر الكون، وكشف صراع الذات مع أناتها تارة، ومع القدر والظروف أو المجهول تارة ثانية، ومع السلطة بجميع أشكالها (الدينية، الاجتماعية، السياسية) تارة ثالثة، واختبار مدى قدرة هذه الذات على المواجهة والصمود، أو الاستسلام. وتبدت الفكرة ذاتها عبر أمثولات روائية وقصصية مكثفة، ناوش محفوظ – كما يؤكد النابي – خلالها بالرمز والإشارة التابوهات ليؤكد انحيازه إلى العدل والحرية، وتماهيه التام مع المقهورين تحت وطأة الظلم والتسلط.
وكشف هذا الإصرار على الانتصار للمطحونين (الحرافيش) من عسف السادة (النبلاء)، عن فلسفة محفوظ في الحياة، فسعى عبر تطوير رؤيته الفكرية والبناء الفني لأعماله إلى “تقديم مأساة الإنسان عامة في العصر الحديث” بتعبير إبراهيم فتحي. ويتسق ذلك، كما لاحظ النابي، مع عدم ارتباط الفن عموماً لدى محفوظ بجدته، بقدر ارتباطه بالوظيفة التي يؤديها “تعميقاً للحياة بالتجربة”. وكشف كذلك عن انتمائه الفكري والأيديولوجي، ومواقفه من السلطة، وقضايا الحرية والعدل.
ومن جانب آخر كشف عن شخصية محفوظ الرافضة للبطريركية بجميع تجلياتها، على نحو ما ظهر أولاً في تبنيه مصطلح “الصوفية الاشتراكية” وما يروم من ورائه من تحقيق لون من الحياة تشيع فيها العدالة الاجتماعية، بإنهاء الصراع من أجل لقمة العيش، والتفرغ لمعرفة سر الحياة. ثم ما تجلى في رفضه القطعي للديكتاتورية، ومحاكمة التجربة الناصرية وانحرافاتها، وتحسره على الطموحات والآمال التي هوت بأحلام الجماهير الغفيرة المتعطشة للحرية والعدل إلى الحضيض على نحو ما بان في “اللص والكلاب” 1961، و”ثرثرة فوق النيل” 1966 و”ميرامار” 1967 و”الكرنك” 1974. ومن ثم جاء تركيزه في كثير من أعماله، على السلطة وإخفاقاتها في تلبية طموحات المواطنين.
النزوع الصوفي
ولكي يحدث التوازن في معادلة الحياة (الخير والشر)، طعم محفوظ أعماله، كما يقول النابي، بنموذج الصوفي الذي هو بمثابة المرشد والهادي إلى الطريق، أو بالأحرى صاحب الحكمة والبصيرة لبلوغ النهاية وتقرير المصير. رحلة بحثه عن الخلاص أو تحرر الإنسان من كل القيود التي تعوق حريته وكرامته، أو “الداء الذي لا دواء له عند أحد” (قصة زعبلاوي، ص 125) جعلت الحس التراجيدي يكاد يهيمن على معظم أعماله القصصية والروائية، ولكن نادراً ما ينجو أبطاله وشخوصه من المصير المهلك المدمر لكل آمالهم وطموحاتهم وأهدافهم، بل إن كثيراً منهم يتوه في دروب ومسالك رحلة البحث عن الحقيقة المطلقة ورديفاتها.
هلك “سعيد مهران” (اللص والكلاب) 1961 وهو يصارع ممثلي السلطة الذين انحرفوا بالثورة، في سبيل تحقيق طموحاتهم الشخصية. واغترب “عيسى الدباغ” (السمان والخريف) 1962 بعدما فقد نفوذه بعد هزيمة حزبه السياسي، وتهميشه، ونتيجة كذلك لاستعلائه على الواقع الجديد. وتتعمق أزمة “عمر الحمزاوي” الروحية (الشحاذ) 1965 وهو يبحث عن الحقيقة، أو عن “النشوة الأولى للخلق”. ويضيع عمر “عثمان بيومي” “حضرة المحترم” 1975 هباءً وراء بحثه عن المطلق، أو المجد الإلهي كما توهم، فانتهت حياته نهاية مأسوية مع داعرة.
استلهام التراث لمحاكمة الواقع
الفصل الأول عنوانه “دروب الحائر بين مقامي التيه الموحش والأمل في “ليالي ألف ليلة وليلة” 1982″. وخلص فيه النابي إلى أن بنية هذه الرواية الظاهرية هي استلهام حكايات “ألف ليلة وليلة” العجائبية، ولكن في بنيتها العميقة كانت هجائية سيلسية، أي نقداً سياسياً مبطناً لنظام الحكم، وصرخة احتجاج على مساوئ السلطة المطلقة التي أعلنها من قبل في روايات عدة. فدارت أحداثها في سياق شخصيات الماضي، وإن كانت تشير بأصابع خفية إلى الحاضر، حيث الاستبداد، واستشراء الفساد، والاغتيالات، والدسائس، وتزاوج المال بالسلطة.
ومع هذه الرؤية السياسية اللاذعة للرواية، إلا أنها مرت بسلام، دون أية قيود عليها، أو حتى استلماح لرسائلها الخفية، ومقاصدها العميقة. ومرجع هذا – كما لاحظ النابي – هو اتكاء محفوظ على بنية الليالي، بدءاً من العنوان، واستعارة الشخصيات، والبناء الهيكلي للرواية، حيث أقامها على نظام الوحدات المرتبة، لما تتضمن من معنى الحكاية، في المرويات التراثية، مما جعلها تبدو وكأنها مجرد استلهام لنص تراثي، لكن محفوظ نفسه أكد حين سئل عن ذلك بقوله إنه ينظر دائماً إلى الواقع، حتى وهو يكتب رواية تتحدث عن التاريخ، أو تستلهم التراث، “فالحاضر هو الذي يحركني حتى وأنا أكتب عن الماضي”.
لعنة النساء
جاء الفصل الثاني تحت عنوان “لعنة النساء وقيام وانهيار سلطة الفتوت”، وتناول ملحمة “الحرافيش” (1977). ويرى النابي أن “الحرافيش” ليست رواية عن الرجال وأمجادهم في الفتونة وفقط، وإنما هي أيضاً عن النساء، وبالأحرى سلطة النساء التي تراوح ما بين الجمال والقوة والجاه، “ومن ثم يمكن – من وجهة نظري الخاصة وغير الملزمة – قراءة الروية على اعتبار أنها رواية نسائية بامتياز، إذ تظهر قوة المرأة، إذا امتلكت السلطة، أو الجمال، أو الجاه، في تغيير مسار الرجال، وهو ما تحقق على جميع المستويات”. فمصائر الرجال – يضيف النابي – مرهونة ومتعلقة بقدرة المرأة، سواء مجهولة الأصل، أو الداعرة، أو ذات الحسب والنسب.
وما بين هذه وتلك تساقط الرجال كالفراشات إلى حتفهم، وانتهى الحال بهم إلى الاختباء، والهرب، والجنون، والموت الحقيقي والمجازي. خرجت ملحمة “الحرافيش” من رحم رواية “أولاد حارتنا” التي أثارت ضجة كبيرة وقت صدورها، لم تهمد إلا بمصادرتها.
وحمل الفصل الثالث عنوان “المحكي الحياتي” ويتناول المجموعة القصصية “حكايات حارتنا” 1975. ويرى النابي أن تلك المجموعة التي يسميها “مروية”، تتماس مع “الحرافيش” و”المرايا” في استعارة فكرة الحكاية نفسها. فمحور الحكاية هو شخصيات من الحارة، كما في “الحرافيش”، أو المحيط الاجتماعي كما في “المرايا”، في صراعها اليومي والحياتي، لكن الحديث عن الشخصيات يأتي في “حكايات حارتنا” بشكل موجز، أشبه باللقطة، أو النادرة على نحو ما يسميها محفوظ نفسه، وأنه لا يعنون للحكاية باسم الشخصية التي تتضمنها، على نحو ما فعل في “الحرافيش” و”المرايا”، وإنما يعود للشكل التراثي بوضع رقم متسلسل للحكاية.
والفارق الثاني هو أن الشخصيات في “المرايا” عصرية من زمن النضج، في حين تنتمي شخصيات “الحرافيش” و”حكايات حارتنا” إلى زمن قديم، زمن الحارة وعصر الفتوات. ويرى النابي أن استحضار مفردة الحارة، يستدعي معها سادتها وحكامها الفتوات، “فحارة نجيب محفوظ لا تخلو من هذا العالم، وكعادته فإنه يرصد عوالم التغيير التي حدثت لحارته، بعد مرور الزمن، وإحلال سلطة القانون بديلاً عن سلطة الأعراف التي فرضها الفتوات”. ولاحظ النابي أن حضور الفتوات في “حكايات حارتنا” لم يكن بوهج حضورهم في “الحرافيش” نظراً إلى أن زمن المحكية لاحق لزمن الفتوات.
الفصل الرابع عنوانه “سقوط المقدس السياسي”، ويتناول رواية “الكرنك”. وهنا عبر النابي عن عدم اقتناعه بوجود مبرر، لجعل المرأة اللعوب، تلعب دوراً وطنياً، سواء في هذه الرواية أو في روايات أخرى لنجيب محفوظ. ففي “الكرنك” تؤازر “قرنفلة”، الراقصة السابقة في الملاهي سيئة السمعة، الشباب المعارضين لنظام الحكم، سواء بفتح المقهى الذي تديره لهم، أو بتوفير ملاذات آمنة لبعضهم لتمنع سقوطهم في يد الشرطة، من دون أن يقدم محفوظ مبرراً لتحولها إلى بطلة ثورية. ويستعيد النابي هنا مقالة نشرها نجيب محفوظ وهو في التسعة عشرة من عمره في صحيفة “السياسة” عنوانها “المرأة ودورها في الوظائف العامة”، وفيها يرى ضرورة تعليم الفتاة، ويرفض في الوقت نفسه أن تعمل في دواوين الحكومة، “لأن ذلك يؤدي إلى انحلال الأخلاقيات في تلك الدواوين، ويزيد من حدة مشكلة بطالة الشباب، ويؤدي إلى تفكك الأسرة”. ويقول النابي إنه مع قدم هذه المقالة، “إلا أنها تسهم في الكشف عن كيفية توظيف نجيب للمرأة في أعماله في ضوء هذه الرؤية التي يؤمن بها وهذا ما يفسر لحد معقول كثرة الخارجات عنالأعراف في إبداعه”.