الفيلسوف المرحوم د. ابراهيم فاضل
سمية الجندي كاتبه، صحفيه، مترجمة ورسامة
حوار لم ينشر بعد
مقدمة
كتب في الأربعينات حول «عبد السلام بن رغبان ” المشهور باسم ديك الجن
وفي الخمسينات تعريبات عن الإنكليزية
في الستينات “بين البلاغتين الإنكليزية والعربية” و ” الأغنية الشعبية”
في السبعينات قصة “داعج أخو جازي”
وفي التسعينات كتاب “الحب بين النرجسية والفناء»، و” قصائد حب إنكليزية”
هو الناقد والباحث ابراهيم فاضل المولود في مدينة سلمية، المتوحد في الحياة اليومية، إنما الخليل لكل كتاب معرفي ومؤلف فلسفي،
ينهل من مشارب العلم والأدب والفن وشتى المعارف الأخرى ويحيل مخزوناته إلى قصائد ونظريات ومناقشات واستعادات نقدية
س
بدأتَ في الستينات بكتابة “الفلسفة تبحث عن الحاكم العادل” المعروف في المكتبات العربية اختصاراً باسم “الفلسفة تبحث“
ما هو موضوع “الفلسفة تبحث”؟
ج
هو أربعة مجلدات أحاور فيها جميع أصحاب المذاهب الفكرية العالمية من القرن السابع ق.مإلىمنتصفالقرنالعشرينالميلادي
استغرقت رحلة العمل فيها اثنتي عشرة سنة من حياتي وكنت أعمل أثناءها في الفلاحة والبستنة بعيداً عن المجتمع التدريسي والتجاري. وحولي البسطاء والأصفياء وأخي الوحيد “فاضل” وهوالأكبروالمعلم
وفي أواخرالسبعينات نشراتحادالكتاب العرب الرحلة الأولى للفلسفة تبحث وهي تحمل مقدمة للأستاذ الحكيم أوأنطون مقدسي
تغطي مساحة (١٢٠) مئة وعشرين صفحة، من النقد الفلسفي الجريء الصريح العميق، ولكن الرحلة الثانية أوقفت لتطاولي فيها على بعض عمالقة الفكر العالمي وتعريتهم أمثال أفلاطون وأرسطو والأكويني وغيرهم وظلت الرحلة متوقفة إلى أن تقدم المهندس غطفان عجوب وطوى من معالم الرحلة (٢٠٣) مئتين وثلاث صفحات، فنُشرت الصفحات الباقية. ومازالت الرحلة الثالثةفي رحم الخفاء
وأثناء توقف الرحلة الثانية نشرت وزارة الثقافة كتاب “لقاءات الفلاسفة – اللقاء الأول“، و“صدى اللقاء الأول“”
في أوائل التسعينات، ونحن في أوسطها الآن، طبعت وزارة الإعلام کتاب “جذور الفكر الانساني” ولم ينشر، بل وزع على من يستطيع تحمل ما فيه من (١٧) سبعة عشر شكل كتابي قديم إلى جانب العربية الدارجة والانكليزية، والبرهان على أن الكنعانيين أعطوا أوربا الرقم والحرف وطريقة التفكير منذ ٤٦٥٠ سنة تقريباً (أربعة آلاف وستمئة وخمسين) عاما تقريبا.
أما كتاب مذكرات الفلسفة العربية، فلم تتجرأ على نشره دار لا في سوريا فقط، وإنما في أوربا، فقد عرضتُهُ أثناء زيارتي إليها في أوائل الثمانينات على أكبر دورها في “ليدن” الهولندية
ورفضت دار “بريل” الطويلة العريضة نشره إلا إذا طويت منه لسان صدقه، فرفضتُ ونام الكتاب مع الرحلة الثالثة وحطام الرابعة، وكتاب ” لعنة بابل” الذي أدخلت فيه التاريخ على الفلسفة بطريقة الهندسة التحليلية في الرياضيات، وكتاب ” الفلسفة تستجوب التاريخ“، الذي يعرض الحقائق عادية من الزيف بعد إکسائها ثياب المعرفة الشاملة. ومثله كتاب «زبد المد والجرز القطني” الذي يبين ما ترتب على انحسار
الإمبراطورية القطنية (التي يسميها أعداؤها “هيكسوس” – انحسارها عن مصر بعد أن أسست السلالة الخامسة عشرة والسادسة عشرة بين عامي (١٧٠٠ ق.م – ١٥٨٠ ق.م). وأورد فيه (٢٨٠) رقما من التوراة مقابل (٢٨٠) رقماً من البحوث الاستقصائية العلمية، كما أعرض نصوصا من التوراة – طبق الأصل – دون أي تعليق، وبطريقة تستطيع فيها النصوص أن تتكلم والأرقام أيضاً تتظلم فيسمع من في “أُذُنَيْهِوَقْرً
عفواً، أيتها الشاعرة الناقدة لقد أطلت عليكِ، فمعذرة ولطفاً من قرائكِ في اجتياز بستان المعرفة
س
كل حديث يطيل الوقت إلا حديث المعرفة فهو يحكم على الوقت بالإعدام. وأنا بدوري درستُ ما تشير إليه من كتبك الأدبية والفلسفية إلى جانب كتيبك الذي قال فيه الأستاذ عبد الله الشيتي في مجلة النهضة الكويتية العدد ۷۹۳ – ١٥ يناير كانون ثاني ١٩٨٣م:
“في الفلسفة كلمتان: منع النفس، واحتمال المنع! وهذا كتيب في حجم الكف ورقاً وطباعة وفي حجم الكون فلسفة وعمقاً وإيغالاً في الفلسفة التي من مستوى هيجل” إلى آخر المقال. أقصد كتاب “مشروع الجيداء لتحرير الإنسان من الخوارق” الذي سأطرح عليك، إذا سمحت، بعض الاستفسارات حول منطقة الجدلي الجديد
ولكنى أحب أن أبدأ بأعمالك الأدبية فأسأل: ما العلاقة بين الفولكلور والعلم، فقد فتحت أقنية بين التراث الشعبي، الأسطورة الشعبية، الفولكلور، وبين العلم. إلى أي حد يستوعب المصطلحان بعضيهما بعضا؟
ج
اشكرك لتكرمك ودراستك معالم مسيرتي الفكرية عبر هذه الأوقات الصعبة جدا. ثم أجيب بأن القصة الشعبية، “الفولكلور“, والأغنية الشعبية, “فلكونغ“, والأسطورة الشعبية، “فولك ميث“, ليست إلا تاريخا أمينا أغفله حراس التزوير التاريخي فإذا ما برمجنا هذه الأمور الشعبية بطريقة علمية حديثة كشفت لنا عن حقائق لم يجرؤ مؤرخو تلك الفترة على تدوينها , أو دونت فأُحرقت مع مدونيها. ولكن الأغنية الشعبية أو الأسطورة بما هي حكاية معبرة رمزيا حملتها لمن يفهم بفك الطلاسم.
س
لو سمحت أورد مثالا داعما لهذا الرأي
ج
أسطورة ذي القرنين مثلا. تجاهلها التاريخ الحديث الرسمي، ولكن لأدب الشعبي نقلها بروايات، سالفا، شيقة لا مجال لإيرادها في هذه العجالة لطولها وموجزها أن طفلا أراد الله تعالى أن يطهر به بلاد ما بين دجلة وبحر القزم ـ الأحمرـ فمكنه في الأرض وجعل له علامة قرنين كقرني الوعل، الغزال، فطاعت له العباد وحرق جميع البلاد التي لا تؤمن به وكلابهم. وسمعن هذه السالفة من جداتنا. وهن يقلن لنا باللهجة العامية: “لا تنشلوا موي من الجب إلا تقولو: ذو القرنين هان، منشان ما يجي يحرقكم“. أي “لا ترفعوا الماء من البئر إلا بعد استئذان ذي القرنين قائلين: هل هنا ذو القرنين؟ “. الجملة الشعبية اليوم هي جملة إيبلوية في مجملها
س
ما قصدك بالجملة الايبلوية وما دخل الناحية العلمية هنا؟
ج
في عام 1964 جاء – باولو ماتييه – العالم الآثاري الكبير إلى سوريا واكتشف ايبلا ومازال يعمل في اكتشافه حتى اليوم
ولما جمعني به أحد اصدقائي وكان يومئذ محافظا لإدلب، جمعني به لصد هجمات أعداء الحقيقة القائلين بأن لغة ايبلا ليست عربية. وفعلا تمكنت من الرد على الخصوم ببراهين واضحة جلية تداولتها الصحف فنشرت خلاصتها مجلة الناقد، العدد 40 تشرين أول 1991 , صفحة 33 تحت عنوان “هل يوجد أدب فلاحي حقاَ؟“. وكنت أتمنى لو أن صاحبها الأستاذ رياض الريس نشر المقالات الاربع التي تتناول البحث بالتفصيل للدلالة على ان الجملة الشعبية اليوم هي جملة ايبلوية في مجملها. وأنقذ ماتييه حوالي 21000 كتاب واحدا وعشرين ألف كتاب أحرقها ذو القرنين نارام سن الملك الأكادي، غير انها لكونها من الطوب، ازدادت صلابة ووضوحا وعلى كل منها, من الترقم, الكتب، حوالي ألفي 2000 كلمة تشرح مدى الحضارة التي كانت في ايبلا منذ 4230 سنة قبل أن يحرقها ذو القرنين ويمد أصابع الرعب إلى الشعب طوال هذه المدة أي حوالي أربعة الاف وربع الالف من السنين.. فيؤمر الاطفال أن لا يملؤوا دلاءهم بدون اذنه
س
في قصتك “داعج أخو جازي” تعرضت لنموذج من الفولكلور أو القصص الشعبية المروية أصلا باللهجة البدوية، واستأنست بالعلم الحديث والاسقاط السايكولوجي” وعالجت ما دعوته بـ الصراع الهيروقليطي – بين وجودي الانثى والذكر من جهة، وبين السجايا السالبة او الموجبة من جهة أخرى ورأيت ان تطعم قصتك ببرعم تنتظر من العلم الحديث ان يتعهده ويرعاه الى ان يتحقق. واعتبرتَ في مقدمة القصة ان ما أدخلته عليها من اسقاط وتضمين وتطعيم يكسب القارئ الناشئ معرفة، ويزيده ايمانا بالعلم، والححتَ على تصعيد العادة القبلية الى العلمانية الواقعية
والسؤال هو: هل تستوعب بنية العقل العربي ما تدعو اليه اعتمادا على المنهج الحدسي من مساوقة بين العقل والعلم، بين الأسطورة والتراث الشعبي الذي يعتمد غالبا على المشافهة – سيما وأنك اشرت في “الأغنية الشعبية” إلى أن ما يسمى بالمثقف العربي مازال بفكر
باللهجة العامية ويناقش في قرارة نفسه باللهجة التي يتعامل بها مع رفاقه وأهله
ج
سؤال ذكي جدا
والفلسفة سؤال، كما قال المقدسي انطوان في مقدمة “الفلسفة تبحث“. اجل ايتها الشاعرة الاديبة. لقد سألتِ فأجبتِ، فكان السؤال جوابا. عندما كتبتُ “داعج أخو جازي” اردت ان ألبس – المعرفة ـ الفلسفة ـ لباس البدو وأن أعلمها عاداتهم وتقاليدهم وأدخلها عليهم، كما دخل لورنس الانكليزي ومواطنه غلوب شبه الجزيرة العربية والاردن مع فارق الهدف. فما ان تستقر الفلسفة امام القهوة حتى تبدأ بإملاء ما يجب املاؤه من الاخلاق الحضارية التي تنشر المحبة والسلام الداخلي والخارجي. ومن الطريف ان صديقي الفيلسوف – اللساني ندرة يازجي عندما قرأ القصة أرسل الي رسالة يقول فيها: ” لا يستطيع ابراهيم فاضل ان يخفي نفسه في ثياب البدو وخلف لهجتهم التي يتقنها
فلقد تعرض لتسعة وستين منطلقا فلسفيا.. وعدد المنطلقات واحدا واحدا مع تحديد الصفحة والسطر والجملة
س
كتبت بحثا حول الاغنية الشعبية – لا انتصارا لها وانما لوضعها في متحف الفن والادب، ماهي برأيك الشروط التي تحفظ عناصر المتحف المشار اليه وماهي مقومات صموده امام تيار “الاغنيات العصرية“؟ وماهي المواصفات الواجب توفرها من الاغنية الشعبية حتى تتحول الى تحفه من الفن؟
ج
الاغنيةالشعبيةهيالاغنيةالحقيقيةالواقعةالتيلايمكنانيتخلىعنهاالجمهورالذييسمعبأقدامهوعيونه. فقد رأيت وسمعت من مهرجان الاغنية السورية الذي يقام في مدينة حلب سنويا ما يؤكد ذلك. لقد كانت الناس تموج وتهيج لألحان واغان ليس لها أي
انتماء للفكر العربي ولا للحن العربي، مع العلم ان المعاهد الموسيقية في جنوبي العراق وسورية عبر التاريخ القديم، كانت ذات نظام
داخلي كأحدث المعاهد الموجودة في فيينا النمساوية اليوم. فمن لم يسمع بقيثارة سومر, والنغم والرقم في كيش واور الكلدان وبابل، والتناغم بين النجوم في المنطقة الوسطى السورية وغيرها.. وغيرها والنوتات التي وجدت في شمال سورية – نينوى واوغاريت – مثلا.. وكلها تعود الى ما قبل ثلاثة الاف سنة وحتى خمسة الاف سنة ونيف. فالأصالة موجودة في التوافق الهرموني – داخل الدماغ العربي لكن الابتعاد عن الجذور يعني الموت … فقد ابتعدنا عن جذورنا حتى ان القارئ نحت المتوسط تد يستنكر ما أقوله الآن، فيقلب شفته الدنيا ويهز رأسه استنكارا لمقولتي التي لم يسمع بها من معلميه وأجداده وكيف يسمع وقد حرقت مكتباتنا مرات عديدة .. إن في ايبلا منذ اربعة الاف وربع الالف من السنين ، كما قلنا سابقا او في مصر ثلاث مرات ، مرة في القرن الاول ق.م ومرة في القرن السابع الميلادي ومرة انكى واشد في القرن الثاني عشر الميلادي .. وفي بغداد بالكف التترية وفي بابل بالكف الزراداشتية وفي حران وملطية .. الخ ؟.
لقد دامت سياسة التجهيل زمنا طويلا الى ان عد الغناء، والفن عامة, جريمة يعاقب عليها المجتمع بان يمج صاحبها ويبصقه أو يبصق عليه على الاقل حتى صار الفن حكرا على الارقاء الاذلاء. والذي يقرأ كتاب الاغاني لابي الفرج الاصفهاني يتأكد له ذلك من – ابن سريج الى
معبد الى دنانير. ولما اراد ابراهيم المهدي الامير العباسي أن يعمل في هذا الحقل سقط من الخلافة والسلطة والشعب. وإذا ظلت المهرجانات الشعبية ممعنة في تمجيد الاغنية المفروضة قسرا على الجمهور الطرب لا شك بأن هذا الجمهور سيرقص رقصة العصفور الذبيح ويبكي المُوجِّهُ التربوي عليه بكاء ليلى في لوحة قيس هذه:
وصرت كذباح العصافير دائبا
وعيناه من وجد عليهن تهمل
فلا تنظري ليلى الى العين،
وانظري
الى الكف ماذا في العصافير تفعل
س
ما هي المراحل التي ينبغي حرقها أو اجتيازها أو عبورها للانتقال من المجتمع البدوي إلى مدينة مثالية كالتي تصورها الرفاعي؟
رآها الرفاعي بعين بصيرته نموذجية على أحدث المخططات الهندسية ورأى حفل الافتتاح في ميدان فسيح تنقل فيه مكبرات الصوت
كلمات أفلاطون والفارابي وفرنسيس بيكون…. تطور مفاجئ على المستوى الفني، وأيضاً على المستوى التاريخي المفترض والموازي للمعادل الفني
ج
ج
لا اكتمك سرا،أيتها الفنانة في اقتناص زلات الأقلام،أني لوكتبت “داعج أخو جازي” مرة ثانية لحذفت هذه الفقرة لأن كلا من الفارابي وأفلاطون أخطأا الهدف؛ فالفارابي ربط النظام بالحكيم بدون أن يعطي للحكيم مؤهلاً إلا الوراثة أما أفلاطون فقد اكتشفتُ بعد أن كتبتُ القصة بأنه أخًّر الحضارة البشرية أكثر من ألفي سنة لبنائه جمهوريته على أكتاف العبيد وأنت تعلمين، بلا شك، أن أية عبوديّة في أي بستان تؤدي أخيراً إلى دمار البستان، ناهيك عن المجتمع الأرضي.
ومع ذلك فأنا مؤمن بأن والمعرفة” ستنتصر على الجهل مهما طال وإلا لما كانت معرفة
س
أطلقت منذ عام 1982 دعوة لتحرير الانسان من الخوارق في إطار مشروع علموي وذلك من خلال مدخل فكري فلسفي دعوته “مشروع الجيداء“. ها هو دور الحواس ال 35 في الإحاطة بهذا المشروع؟ ولماذا الربط الطردي بين زيادة الحواس، والمقاربات العلمية والفلسفية؟
وحول حاسة التساوق السبري العفوي ت. س. ع التي وظيفتها استجلاء صورة مماثلة في دماغين بوقت واحد، بغض النظر عن الحواجز الفاصلة بين مجسميها، وألمحتَ إلى وجود هذه الحاسة لدى الباحث د. أندريه باتساليدس أثناء تساوقكما السبري الارادي في سلمية. ما هي الآلية التي حدث وفقها التساوق (بين شخصين متباعدين)؟
ج
الشق الأول للسؤال أجيب مستجلياً إياه بقولي: ان الحواس الخمس التقليدية لا يمكنها تعريف صاحبها على عالمه الداخلي والخارجي معاً إلا بمقدار ما عرفه الأقدمون حتى الفلاسفة منهم. فالحاسة ليست سوى أداة للمعرفة، أو وَسط يهيئ إيصال المعرفة، فالسمع مثلاً يهيئ المعرفة فيزيائياً والشم كيميائياً. ولكن ماذا في اكتساب المعرفة التوافقية (الهرمونية) كالموسيقى. فالأذن لا تكفي.. ومنذ قليل قلنا بأن القطيع الجماهيري يسمع بأقدامه وعيونه، ولو طان يملك الحامة التوافقية لما كان بجاجة لمن يستغله، ولما كان قطيعاً وكذا بقية الحواس
أما. د. أندريه باتساليدس، الصديق الحبيب، فقد دعاني لجولة عامة في أوربا الغربية (باريس، لندن، أمستردام، بروكسل) لمقابلة بعض المفكرين هناك، وزعمائهم إذا أمكن. وكان ملحاً على استيفاء ما في وعائي من معرفة. مع العلم أنه، طبيب نفسائي، وذو درجة عليا بالرياضيات والفلسفة وكذا امرأته، ولكل منهما عيادة طبية.
وقد حضر لقاءنا الأول في سلمية في آب 1981 د. علاء الشعار المخرج السينمائي المعروف، د. أحمد طالب الكردي الطبيب الجراح المشهور، والعميد عبدو شقرة الصديق الحميم. وبعد خمس دقائق من بدء اللقاء كان د. أندريه باتساليدس أحد الأحباب والأقرباء، بل والذين يورثون، فكيف حدث الأمر؟ دُهش دُ. باتساليدس للأمر لو لم أبين له المقدرة التي يتحلى بها (وهو الذي يبين للناس مقدراتهم بموجب عمله كطبيب نفسي) وعرَّفتها كحاسة موجودة بالفعل. وهذا هو الشيء الجديد الذي كشفه في أسرتنا الفلسفية لينظم إليها ويدعوني للحوار مع بعض أعلام المنظرين الفلسفيين في أوربا أمثال “كرشنا مورتي” الزعيم الهندي الأوربي– الأمريكي الشهير. أما الآلية فأنا الوحيد الذي يعرفها ويعجز عن تعليمها للغير، تماماً كما أعرف الحاسة التوافقية التي كان يحوز عليها المتنبي وهي سر اعتلائه عرش الشعر العالمي.. ولكني عاجز عن تعليمها للغير عجزي عن تعليمها لنفسي.. والسبب الواضح حتى الأن أن ذلل لايُعَلَّمْ إنما يُبيَّن فقط ”ولو شرح الجمال لَقُتِلْ
س
تدَّعي امتلاك حاسة نقل الاعتقاد للآخرين، وهذه تعني تمركز جدار الصدى في داخل الدماغ الانساني المتلقي، حيث يتأثر بذلك الجهاز الودي النباتي، وتقول “ربما حاز هذه الحاسة صاحب الجيداء
ج
أنا لا أدَّعي، أيتها الناقدة الجريئة، وإنما أؤكد بأن صاحب الجيداء لا بدَّ له، ليكون صاحب الجيداء، أن يمتلك تلك الحاسة، ولست أنا صاحب الجيداء.. أنا صاحب جيدائي وليس “الجيداء“, وأظنك فهمتِ ذلك. فجيدائي جيداء بعينها، ولكل منا جيداؤه، أما “الجيداء” فهي المفهوم
Concept
س
لو أردنا توليف الأفكار التي عُرضت والمبادئ التي نوقشت والحلول أو التصورات التي وردت في جميع كتب ابراهيم فاضل في أقوال وحقائق موجزة مفهومة من قبل الجماهير. ماذا يقول ابراهيم فاضل؟
ج
أقول ما قلته في الصفحة 42 من مشروع الجيداء لتحرير الانسان من الخوارق. وهذا نصها
كل فكر أدى إلى الانقسام والصراع بين الناس هو فكر نسبي وقاصر
كل نظرية أدت إلى الفوضى الفوضوية أو الفوضى المنظمة أو النظام الفوضوي هي نظرية قاصرة
ومازالت الأرض تُحكم بالمحكومين وهذا خطر
وما زال الفكر يعمر بالتوراتيات وهذا خطل
ومازال مجلس الأمن بخضع للفيتو وهذا خطأ
هذا والسلام العالمي مطية للإعلام العالمي فحسب.. والجيداء تدعو إلى:
وحدة الفكر، والسلام العلمي، والنظام الكلي، ومن ثم إلى الحب. الحب المتكافئ لا “العبادي“, فلا سحر ولا خوارق ولا كرامات. ويجب تفسير الإنسان لينكشف عنه الكون الكائن وأظن هذا كفيل بالسعادة الشاملة والسكينة التي تفوق “أتركسيا” الفيلسوف الإغريقي أبيقور في مذهب اللذة
س
العلاقة بين المجتمع والعلم ما تزال مبهمة وحتى غامضة، وتحليل العلم من منظور الفلسفة ليس من الثقافة العامة التقليدية. ما هي التربة التي تنمو عليها العلاقة وتترعرع؟ وما هي الاستجابات الممكنة لعملية التحليل في ظروف تسود فيها الأمية والتجهيل بنسبة 75% في مجتمعنا العربي؟
ج
بل في المجتمع الأوربي والأمريكي نسبة تزيد عن هذه. والسبب في ذلك ربط الحضارة بالميكانيك” و“القنابل الذرية” وتمجيد فرسان الفتل وإغفال فرسان الحب البشري فعندما تُدرَّس في المدارس مزايا وشمائل أديسون، وباستور وفلمنج الذين أناروا الظلمات، ورفهوا الناس، ومسحوا آلامهم بالعقاقير الناجعة.. ويعطى تجار الحروب من أطيلّا الذي هدم 75 عاصمة أوربيّة بمدة لا تتجاوز عشر سنوات في
النصف الأول من القرن الخامس الميلادي.. إلى هتلر الذي سبب قتل أكثر من 60 مليون نسمة.. يعطى لهما ولأمثالهما من
تيمور الأعرج إلى الاسكندر صفات تليق بهم صعلكة واعتداء وجبروتاً سالباً مشوِّها. عندما نُكبِّر مخترعي السلام ونصغِّر هادميّ السلام في كتبنا المدرسية ووسائل إعلامنا بجرأة المعرّّي وصراحة أبي بكر الرازي نصبح العلاقة بين البشرية. علاقةأسرويه،تشملهاالمحبةالصحيحةالواقعة
س
حتى يسود العالم فكر واحد تذوب معه الموانع وتمحى الأوان وتزول الشرائع البادئة المبنية على الغيبيات وتدمج المجتمع
الأرضي في كل متماسك علماني، واقعي، حقيقي، متطور متصدر تحت رئاسة مجلس الحكمة. ما هو هذا الفكر؟
ألا يوجد مثيله في الفلسفات الكونية؟ كيف نقرأ هذا الطرح الفلسفي على ضوء المتغيرات الدولية الراهنة؟
ج
عندما تسمح جهة ما في العالم، الحر أو المقهور، بنشر كتب وإذاعتها بوسائل الإعلام كافة أمثال كتاب “مذكرات الفلسفة العربية” التي تستذكر مع الفلسفة، التي سجنها أبناؤها، الماضي كما كان، بعيداً عن الكتابة بالسيوف كما قال المعري
تلوا باطلاً وجلَوا صارماً وقال: صدقنا فقلنا: نعم
وعندما يملك الحكماء القوة الرادعة بدون قتل. ويذكرني هذا بقصة أحد العلماء الأنصار للسلام المعرفي، من امتلاك سفينة فضائية لاتصل إليها أسلحة الدمار الأرضي، وتستطيع أن ترى بوسائلها جميع الأحداث البشرية … وتستطيع الوقوف في الفضاء حيث تشاء.. فتقف الآن مثلاً فوق فريقين يتقاتلان. فتأمرهما بالتوقف، فإذا رفضا أوقفت أسلحتهما فوراً. فلا يجدان بدَّاً من الركون إلى قتال العُزَّل فالعتاب بالكلام ثم الرجوع إلى حسن الجوار فالأسرة الواحدة, وأرجو أن يُتمِّ إنسان الإنسانية امتلاك “حمامات السلام” داخل الأبدان وخار جها
س
نرجو ذلك. وسؤالي الأن حول “الشعر“. نشرت الاتحاد الظبيانية بتاريخ 22 أبريل 1995 مقالا عن ابراهم فاضل الشاعر الشعبي، وكنت قد قرأت أكثر من مقال في جريدة الثورة السورية دبجه الشاعر الناقد محمد مصطفى درويش بعنوان ابراهيم فاضل شاعراً — يقصد أن يضئ الجانب الذي أخفيته، فلماذا أخفيته؟
ج
الشعر حاسة من الحواس ال 35 التي ذكرناها سابقاً وهذه الحاسة وظيفتها “الإدراك الجمالي” الذي يُحدث لصاحبه “فرحاً جمالياً” فهو بصيرة خاصة وأذن خاصة وشمٌّ خاص. وقد يكون الشعر نثراً أو نظماً. فالنثر يأتي بلا إيقاع متوافق والنظم يأتي بالتناغم المطبوع فيه. فالنثر يخبر والنظم يبهر. ولا يحمل هذه الحاسة التوافقية إلا القلة النادرة. وهي بحاجة لصقل وتنشيط وتدريب مثل بقية الحواس الخمس أو ال 35
وأنا أقول الشعر الشعبي والرسميَ منذ صغري، وأروي فيه الكثير الكثير. وقد أتنازل عن راتبي الشهري أو السنوي مقابل بيت واحد من الشعر أعجبني. وقد حدث هذا أكثر من مرّة، وأرى أن لا يعرض الإنسان شعره في المعارض، فالشعر لا يقال لمن لا يتذوق الجمال، لمن لم يهيئ نفسه لدخول الجنة. فالشعر لا يُلقى أمام صاحب دماغٍ زنخ. ولذا فأنا لا أقدم شعري إلا إذا كان يستأنا لطالبٍ أو ديراً لراهبٍ أو راحاً لشاربٍ، فهو ليس سلعةً، وإنما بلسماً لطائفياً لمن أرهقه حرير الادعاءات
س
أتمنى لو تتحفنا بقصيدة من “جيدائياتك”
ج
جيدائياتي كتيب يضم حوالي ثمانين قصيدة كنت ومازلت أستعذب إحداها وهي تحمل عنواناً رياضياً هو:1+1= 1
أي لا يصح الحبّ بين اثنين إذا لم يصيرا إلى واحد. فإذا نظرت في أحد هما رأيتهما معا
س
شوقتنا يا صاحب جيدائك، هاتها، ولك الجنة
ج
إليك هي، يا شاعرة الأصول
1+1 = 1
بسماء عقلي ما أقام سواكَ
وبأرضِ ذاتي لم يكن إلاكَ
عرجالنبيُّإلىالحقيقةمرةً
وعروج قلبي كلما لاقاكَ
سالتْ على كفيك مهجة عاشق
فامسح برحمتك التضرُّجَِ ذاكَ
أيقظتَفِيفِمهالقصيدَولميكن
عرَفَالقصيدَوحُسنَهُلولاكَ
ياصاحبالجيدالنديِّتحيّةًٌُ
من عاشق يشكو إليكَ هواكَ
إن كنتَ تجهلني فأنت مُعرِّفي
أو كنت تعرفني جُعلتُ فداكَ
أوكنتَتسكنُفيالعيونِفساهرٌ
كيلاأقطِّعَفيالكرىرؤياكَ
واغفرْلعينيإنبعُدْنَفطالما
نَصبتُ لطيفكَ في المنام شراكا
أنتَ الذي فاق الزمان بمجده
وأدار تحت قصائدي الأفلاكَ
لو كنتَ تسمحُ لي أسرتُ شموسها
فالحرف يعرف مِنْ هُداك هُداكَ
إنيوإنكنتُالفطينبأمةٍ
قبَّلتُفيأجيالهاالإدراكَ
متخضِّعٌ لبهاء نورك بعدما
كان الخضوع على الكريم هلاكَ
لكن موتي في سبيلك غايتي
وسلامتيألاَّأكونسواكَ
س
ما هي آخر أعمالك؟
ج
عملللتلفزيونالسوريوللمخرجينالمعروفيند. علاء الشعار و أ. محمد بدرخان. تحت عنوان” العاصي يصب في أوربا“، مبيناً أثر حضارة العاصي على أوريا عبر العصور. وحوض العاصي هو المنطقة الوسطى السورية من بعلبك حتى انطاكية
س
وعن مهرجان الأغنية الشعبية؟
لإقامة مهرجان “أغنية شعبية” في بلد ما، يجب التحضير له على ثلاثة حقول هي: 1. الأدب النفسي أو علم نفس الامة بما فيه الجملة الشعبية المغناة, 2. حقل الأدب الفني أو علم النغم والرقم بما فيه الجملة اللحنية المرمزة. 3. أدب الأداء أو علم الصوت،، فتح صمامات الضمير الفردي أو الجمعي أمام الجملة الشعبية ملحنة. ويتم تحفير حقل الأدب النفسي باستضافة علماء نفس الأفراد والأمم الخبراء بغريزة القطيع الداخلي والقطيع الخارجي المحيط بالإنسانية لأن الأمم بأغانيها
فالحداء يشعل النار في همم الثوار، بينما يُسيل المعاد نفوس المفجوعين دموعاً. والذي يقارن بين الأدب السوري الشرقي الباكي، والأدب السوري القبلي (الجنوبي), الهجومي، يعرف سرّاً من أسرار شرارية الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي ولا يجهل أحد من علماء نفس الأمم ما فعلته القصيدة الهجينية التي ألقاها النائب الثائر زيد الأطرش في البرلمان ومطلعها:
العدو خـــش الحما ثمّ استباحه …. وينــــكم يا اللــــي تريدون الزعامه
الهنوق اليوم يسْمـِعنا صياحه …. والمــــنابر بـــَس لـــَـخلط الـــكلامه
كما لا يجهل علماء النفس ما فعله الموال والموليّة والمعاد والسامري في نفوس الشرقيين بعد مأساة الإمام الحسين ونكسة البرامكة وإعدام الحلاج والسهروردي وجلال الدين الرومي..
وهكذا فإن للأغنية الشعبية جيش لجب إلى جانب الجيش التقليدي حيث يدعمه دعم المخلِص للمؤمنين به. ويتطلبُ وجودها عالم نفس وأديبا متخصصا بالجملة الشعبيية من حيث فنها العروضي البلاغي. خوفاً من انحدارها الجماهيري. لأن القطيع البشري المنفعل يسمع بأقدامه وعيونه، فإذا ما نهض تمثال إلى خشبة المسرح واستماتت عليه الأنوار والثناءات، واصطكت أسنان المزاهر والدفوف وانبحَّتْ حناجر النايات والأبواق، وذبحت أوتار العيدان وغيرها من الموثبات, نسي المشاهدون المستمتعون التمثال واستذكروا بعضهم بعضاً فقلدوا وقُلدوا ثم تعانقت أصواتهم إلى أن فنيتْ ببعضها وعمّ الصمم الجماعي، وتفاقم الهيجان الرياضي من رقص ودبكة وقذف بأغطية الحياء والخفر والرزانة.. أما تمثال الخشبة الذي راح يقلدهم بشد ة وبلا وعي حتى بالثغاء والخوار والنباح إذا لزم. ويتم تحضير الأدب الفني باستضافة علماء النغم والرقم المالكين لحاسة الانسجام التوافقي الداخلي (الهرموني), وهم مازالوا قلة في المجتمع السوري أوربما ندرة، فلا مانع من استضافتهم من أقطار شقيقة للتمكن من بناء المراكب اللحنية التي تستوعب الكلمات المنطوقة لغاية التلحين، كما فعل الأستاذ محمد عبد الوهاب الشعراني، وهو سوري الأصل، في تلحينه قصيدة “أخي جاوز الظالمون” إن ارتكى على لحن “الحداء” الذي كان يُحمى به المغاوير قبيل الغارة ومع انصبابها فنجح اللحن وحمل الكلمات وتسرب بها إلى الضمائر المسترخية فايقظها على أقل احتمال وجعلها تتلمس عفن فراشها الذليل. ويتم تحضير الحفل الأخير بالاعتماد على الحقل الثاني الخبير بالأصوات ومقدرات الأداء. فهم يعرفون أن المغني غير المطرب والصوت المفرح غير الملتاع والطرب المحزن غير المبهج، وصوت الحداء غير صوت الدعاء. وهنا وبهم وبحضورهم الطوعي تتلى فاتحة مهرجان الأغنية الشعبية.
أجرت الحوار في مدينة سلمية
الصحفية سمية الجندي
بتاريخ 5 آب 1995
عناوين مقترحة لأقسام النص
الجملة الشعبية اليوم هي جملة إيبلوية في مجملها
الحواسليستخمس،بل خمس وثلاثون
الحضارة ليست التقانة
لا لتسليع الشعر
تعريف
الدكتور إبراهيم فاضل من مواليد مدينة سلمية السورية.1933ـ2017
هو مفكر، باحث، وناقد فلسفي سوري يُعد من أبرز أعلام مدينة سلمية الفكرية.
كرس حياته للبحث في الفلسفة والتاريخ والفكر الإنساني، تاركاً إرثاً غنياً من المؤلفات والدراسات النقدية الرصينة
مؤلفاته
الفلسفة تبحث عن الحاكم العادل ج(1) و(2)- دراسة
لقاءات الفلاسفة– دراسة
جذور الفكر الإنساني– دراسة لغوية
مشروع الجيداء لتحرير الإنسان– دراسة
الأغنية الشعبية– دراسة
داعج أخو جازي– قصة