ملخص
بعد النجاح الكبير الذي حققه الكاتب الفرنسي توما شليسر بروايته “عينا مونا”، التي اصطحبت القارئ في رحلة آسرة بين روائع اللوحات المعلقة في المتاحف الباريسية، ها هو يعود اليوم بروايته الجديدة “هرّ البستاني” (ألبان ميشال، 2026)، مقدّماً مشروعاً أدبياً مختلفاً في شكله، لكنه وفيٌّ للفكرة التي شكّلت جوهر روايته الأولى: الإيمان بأن الفن يملك القدرة على تغيير البشر.
إذا كانت الرسوم واللوحات الفنية قد شكلت محور رواية “عينا مونا”، فإن الشعر يتربع هذه المرة على عرش الرواية الجديدة الذي يجعل من القصائد الجسر الذي يعبر عليه الإنسان نحو استعادة الثقة بنفسه، والمصدر الأول للقوة التي تعينه على مواجهة الألم والانتصار على هشاشة الوجود.
في “هرّ البستاني” لا يقدم شليسر رواية تقليدية تقوم على التشويق أو على حبكة معقدة بقدر ما ينسج حكاية أقرب إلى الخرافة الأدبية. فيها تمتزج الواقعية بنفحة من السحر، محولةً الطبيعة والشعر والصداقة إلى عناصر علاجية تمنح الحياة معنى جديداً. إنها باختصار رواية تحتفي بالكلمة، وتدافع عن الأدب بوصفه ضرورة إنسانية لا ترفاً ثقافياً.
تدور أحداث الرواية في إحدى قرى الريف الفرنسي، حيث يعيش لويس، البستاني المنعزل المرهف الحساسية، الذي يجد في صحبة الأشجار والحيوانات ملاذاً أكثر دفئاً من عالم البشر. غير أن هذا الهدوء الذي يحيط بحياته المتناغمة مع الطبيعة سرعان ما سيتبدد حين يكتشف أن هرّه الصغير يعاني من ورم خبيث يستحيل شفاؤه. وفي الوقت نفسه، تضرب المنطقة التي يعيش فيها عاصفة شديدة وريح عاتية كان من نتيجتها اقتلاع الأشجار وتخريب بعض الحقول والبيوت وحدائقها، في مشهد يبدو انعكاساً للاضطراب العميق الذي يمزق أعماق البستاني وانكساره الداخلي.
قوة الشعر
في خضم هذا الدمار، يتعرّف لويس إلى تاليا، أستاذة الأدب الفرنسي التي أحيلت حديثاً إلى التقاعد، وعلى رفيقها نيكولا، الموسيقي الثمانيني صاحب الروح المرحة، اللذين يطلبان منه المساعدة في إعادة إحياء حديقتهما التي أتت العاصفة على جمالها. لكن تاليا تقترح على لويس اتفاقاً استثنائياً: ففي الوقت الذي يعيد فيه الحياة إلى حديقتها، تتولى هي مهمة إعادة الروح إلى قلبه الحزين، مستعينة بقوة الشعر وقدرته على بلسمة الجراح وشفائها.
من هذه الفكرة البسيطة تنطلق رواية شليسر في رحلة طويلة داخل عوالم الشعر والقصائد. فتاليا لا تكتفي بتعريف لويس على أسماء كبار الشعراء أو شرح قصائدهم، بل تضع أبياتهم الشعرية على محك الحياة والتجربة المعيشة. لذا نراها تستدعي أبياتاً للشاعرة الإغريقية سافو، وقصائد فيكتور هوغو ورامبو وفيرلين وبودلير وأبولينير وبيسوا وبابلو نيرودا، فضلاً عن شعراء آخرين ينتمون إلى ثقافات مختلفة، محاولةً أن تبرهن للويس أن لكل موقف في الحياة قصيدة، ولكل جرح كلمات تستطيع احتواءه.
هكذا يتحول الشعر من مادة مدرسية إلى لغة يومية تساعد الإنسان على فهم ذاته. فكلما واجه لويس خوفاً أو حزناً أو شعوراً بالعجز، كانت تاليا تجد بيتاً شعرياً يعبّر عن حالته، فتقرأه معه، وتفسر له معانيه، داعيةً إياه إلى اكتشاف صداه في حياته الخاصة. شيئاً فشيئاً، بدأ البستاني الخجول بالخروج من صمته، مستعيداً ثقته بنفسه، مكتشفاً أن الكلمات تستطيع أن تعيد تشكيل حياة الإنسان كما يعيد البستاني تشكيل الحديقة.
ولأن الطبيعة في هذه الرواية لا تتبدى كإطار صامت تقع فيه الأحداث، فإنها تتحول إلى لغة موازية تكشف عن أعماق الإنسان وتحولاته الداخلية. فالحديقة التي يعتني بها لويس صورة رمزية للروح البشرية بما تحمله من هشاشة وحاجة دائمة للرعاية. فكما تحتاج الأشجار إلى يدٍ صبورة تُقَلِّم أغصانها وتزيل عن جذورها الأعشاب الضارة، موفرةً لها الماء والضوء لكي تنمو وتزدهر، كذلك يحتاج الإنسان إلى الجمال والمعنى والكلمات كي يحافظ على توازنه ويقاوم قساوة العالم.
هنا تتجلّى العروة الوثقى بين الطبيعة والأدب، بين فعل الغرس في التراب وفعل الزرع في الوجدان والذاكرة. فزراعة شجرة جديدة لا تختزل في كونها عملاً زراعياً. إنها فعل خلاّق يحمل في أعماقه بذرة الأمل ووعداً بالحياة الآتية. وعلى المنوال نفسه، يفتح الشعر نافذة مضيئة نحو الرجاء، حتى في أشدّ لحظات الوجود عتمةً وانكساراً.
الحديقة والجمال
ولا بد في هذا السياق من الإشارة إلى أن العرب قبل شليسر بقرون ربطوا صورة الحديقة بفكرة الجمال والتنظيم والتنوع والإمتاع، ذاهبين حدّ تشبيه الشعر والكلام البليغ بالثمار والزهور. إن ألفاظاً كالثمر، والقطوف، والروض، والرياض، والبستان، والحديقة، والجنان، والجنينة، إلخ.، لطالما كانت جزءاً من الاستعارة الأدبية التي صوّرت الأدب والشعر كمجالٍ للإنبات والرعاية والقطف. ولأنه، كما تجمع الحديقة باتساق ألواناً مختلفة من النباتات والزهور، يجمع الأدب فنوناً من القول والمعرفة التي تُنعش النفس وتهذبها. ويمكن القول إن هذه الاستعارة تقوم على مقابلة عميقة قوامها أن الحديقة تُنبت الجمال في الطبيعة، والأدب يُنبت الجمال في النفس حين يجمع بين عناصر متفرقة، ويرتبها، محولاً إياها إلى فضاء يمنح القارئ المعرفة والمتعة.
إذاً، إن الحديقة في هذه الرواية ليست مجرد خلفية للأحداث بقدر ما هي استعارة للنفس البشرية، وتأكيد على فكرة أن الإنسان يحتاج دوماً إلى الجمال والمعنى واللغة والرعاية كي يواصل حياته. ألم يقل الشاعر الفرنسي بودلير إن كلُّ إنسانٍ صحيح الجسم يستطيع أن يستغني عن الطعام يوماً أو إثنين، لكنّ الروح لن تقوى لحظةً واحدةً على العيش من دون شعر، وهو غذاء الروح الذي لا غنى عنه.
ولا يقتصر تأثير الشعر في الرواية على لويس وحده، بل يتوسع تدريجاً ليشمل المجتمع والقرية التي يعيش فيها. فبعدما اكتشف البستاني القوة الكامنة في القصائد، نراه يعاون تاليا في تحقيق مبادرة ثقافية قوامها تقريب الشعر من الناس، لا سيما أولئك القاطنين في المنطقة نفسها، بحيث تخرج القصائد من صفحات الكتب وقاعات الدراسة إلى الحدائق والطرقات والأماكن العامة، فيصبح الأدب متاحاً للجميع، لا حكراً على النخب الثقافية.
على رغم بساطة الأحداث، إن رواية توما شليسر تثير أسئلة عميقة حول دور الأدب ووظيفته “الكاثارسية” أو “التطهيرية” التي تحدث عنها أرسطو في كتابه “فن الشعر”. لكن هل يستطيع الشعر حقاً أن يخفف الألم؟ وهل للكلمات قدرة حقيقية على بلسمة الجراح وشفائها؟
لا يقدم شليسر إجابات فلسفية مباشرة على هذه الأسئلة. لكنه بالتأكيد يترك التحوّل الذي يطرأ على شخصية لويس ليجيب عنها. فالرواية لا تدعي أن القصائد تلغي المآسي أو تمنع الموت والخراب، لكنها تؤكد أن الأدب يمنح الإنسان لغة للتعبير عن ألمه، وأن امتلاك الكلمات قد يكون الخطوة الأولى نحو تجاوز المعاناة.
ويهمني أن أشير ههنا إلى أن أصل مفردة “كلمة” في اللغة العربية يشتق من “الكَلْم”، أي الجرح، فكأني بفقه اللغة يعلمنا أن الكلمات تولد من رحم الألم، وأن امتلاكها هو الخطوة الأولى نحو تضميد الجراح والكلوم.
هذا عندي أكثر ما يميز الرواية التي لا يظهر الشعر فيها كزينة لغوية أو كاستعراضٍ معرفي، بل كملاذٍ روحي. فتاليا نفسها تؤكد أن القصائد عبر التاريخ كانت، إلى جانب كونها تعبيراً عن الجمال، صوتاً للمقاومة، ووسيلة للدفاع عن الحرية، وسلاحاً في مواجهة الظلم. ومن خلال هذا التصور، يعيد شليسر الاعتبار إلى الأدب بوصفه قوة فاعلة في حياة الإنسان.
تندرج هذه الرواية من ناحية مبناها في إطار مشروع الكاتب الهادف إلى تبسيط الثقافة الرفيعة وجعلها في متناول الجميع. فهو يقدم لقرّائه العديد من قصائد كبار الشعراء، لكنه يفعل ذلك داخل سياق سردي سلس يجعل القارئ يشعر بأنه يتلقى درساً في الأدب من دون أن يغادر عالم الرواية. ولذلك يمكن اعتبار “هرّ البستاني” مدخلاً ممتعاً لتاريخ الشعر العالمي وقصائده الجميلة.
لكن هذا الطابع التعليمي قد يبدو أحياناً كثيفاً، لا سيما مع كثرة الأسماء والاقتباسات والإشارات الأدبية، مما يدفع بعض القرّاء إلى الشعور بأن إيقاع الرواية يتباطأ لمصلحة الجانب التعليمي والثقافي. إلا أن هذا الخيار يبدو مقصوداً. فالروائي لا يريد أن يروي قصة وحسب، بل يتطلع إلى جعل القارئ يتعرّف بنفسه إلى القصائد التي يورد منها أبياتاً قصيرة في متن السرد.
على المستوى الرمزي، إن حضور الهرّ المريض والعاصفة والحديقة والأشجار والصداقة يشكل منظومة متكاملة من الرموز المرتبطة بالفقد والهشاشة والتجدد. فالعاصفة لا تدمر الطبيعة فحسب، وإنما تفتح الباب أيضاً أمام ولادة علاقات إنسانية جديدة. والحديقة التي يعيد لويس الاعتناء بها هي صورة عن ذاته التي تتعافى تدريجاً، وإن الهرّ، على رغم مرضه، يظل رمزاً للرقة والضعف اللذين يدفعان البطل إلى اكتشاف أعماقه.
في النهاية، تبدو هذه الرواية التي تحتفي بحبّ الشعر وبُعده الخلاصي كدعوة إلى إعادة اكتشاف الأدب باعتباره خبرة إنسانية قادرة على مواساة الإنسان في لحظات الانكسار، علماً أن الكلمات لا تغير العالم، لكنها تستطيع أن تغير الإنسان، وهذا وحده كفيل بأن يجعل الحياة أكثر جمالاً.
