مَن لا يلحظ الشبه في الغطرسة بين السياسة الخارجية الأميركية والإيرانية، فإنه يحاول يائساً إقناع نفسه والآخرين بما تراه عين وتغفل عنه عشر، بأن الظلم والتغوّل والابتزاز والسياسات التوسّعية والأطماع الاستعمارية ماركة مسجلة حصراً باسم أميركا وإسرائيل. وإن اعتدل الأعور، لأخبرنا في أحسن الأحوال أنّ هذه الموبقات تكون حلالاً عندما يرتكبها أعداء أميركا وخصومها، كإيران وروسيا والصين، مثلما كان حالها مع الاتحاد السوفييتي، وحراماً أميركياً وإسرائيلياً لا أسباب تخفيفية له. وبما أنّ تبشير المؤمنين بإجرام إسرائيل وبحقارة سياسات خارجية أميركية كثيرة فعلاً قد يثير ردّات فعل عكسية عند الجمهور المستهدف إذا كان المبشِّر استنسابياً وتجاهل هذين الإجرام والحقارة عندما يصدران عن أنظمة معادية لواشنطن وتل أبيب، فإن تكرار الحديث عن صعوبة التعايش مع عدوانية النظام الإيراني تجاه ما يجاوره من شعوب ودول غير خاضعة له، يصبح ضرورة لإكمال أي نقاش مفيد ويحترم عقل المخاطَب.
من سمات الغطرسة في السياسات الدولية، استكثار دولة تقصف أخرى، أن تدافع الأخيرة عن نفسها مثلما فعلت دولة قطر في مطلع مارس/ آذار الماضي مع بداية الحرب الأميركية ــ الإسرائيلية على إيران، والحرب الإيرانية المضادة ضد بلدان الخليج. آنذاك، أسقطت الدفاعات القطرية الجوية طائرتَين حربيتَين إيرانيتَين من طراز “سوخوي سو-24” كانتا تهمّان بقصف أراضٍ قطرية، أكانت تشغلها قاعدة العديد العسكرية الأميركية أو منشآت غاز هي مصدر رزق القطريين والمقيمين وقد تقصدت إيران الإضرار بذلك الرزق عندما قصفت رأس لفان ومسيعيد انتقاماً لاستهداف إسرائيل وأميركا منشآت إيرانية. بعد إسقاط الطائرتَين، أعلنت السلطات العثور على أحد الطيارين من أصل أربعة، وقد سلمته لطهران، وبالفعل أعلن الجيش الإيراني الشهر الماضي أنه استعاد جثمان الطيار مجيد كاظمي. أما الثلاثة المتبقون فلم يجرِ العثور عليهم ربما لسقوطهم في البحر، وقد وجهت وزارة الخارجية القطرية دعوة إلى إيران “للاطلاع على تفاصيل عمليات البحث والإنقاذ في إبريل/ نيسان الماضي، ولم يستجب لها الطرف الإيراني حتى الآن” على حد تعبير المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري. لكنّ طهران، أو تحديداً حكامها المصابون بمرض عُضال اسمه الشعور بفائض القوة والغرور الذي غالباً ما يقتل صاحبه، قرّروا الانتقال إلى الهجوم سياسياً ضد قطر كتتمّة للهجوم الحربي ضد هذا البلد الذي يدركون أنّ له الفضل الأكبر في وساطات واتفاقات وجهود سلمية تتعلق بإيران منذ اندلاع الحرب الأحدث وقبلها. وهؤلاء لا بدّ أنهم يعرفون تماماً أن هذا البلد يرفض بصدق الحرب على إيران، ولم يتورّط في قصفها، وأن خسائره من الحرب كبيرة للغاية ولا تفعل طهران إلّا زيادة فاتورتها. والتصعيد الإيراني الذي يصعب تصنيفه بغير الاستفزاز السياسي، افتتحه الأسبوع الماضي محمد باقر زادة، وهو يحمل منصب رئيس لجنة البحث عن المفقودين التابعة لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، عندما طالب قطر باستقبال لجنة عسكرية لتقصّي الحقائق والبحث عن مصير الطيارين المفقودين. حملة أكملها المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أول من أمس الاثنين بقوله إنه “إلى أن يتضح وضع الطيارين، فإننا نعتبرهم أسرى ولن ندّخر جهداً لتسليط الضوء على مصيرهم”، متجاهلاً نفي ماجد الأنصاري احتجازهم، وكشفه أن السلطات الإيرانية لم تتجاوب منذ خمسة أشهر مع دعوة نظيرتها القطرية إلى “الاطلاع على تفاصيل عمليات البحث والإنقاذ”.
صحيح أنه يصعب إقحام مفاهيم الصداقة والوفاء ونكران الجميل دائماً في العلاقات الدولية، إلّا أن العدائية الإيرانية تجاه جيرانها ممن كانوا وما يزالون رافضين للحرب، مثل قطر، له توصيف سياسي مشتق من قاموس العلاقات البشرية: الطعن في الظهر من النوع الذي يجعل من الصعب أن يستعيد المطعون الثقة بالطاعن، ولو بعد حين.