ملخص
حديث قاليباف عن إمكان حصول تعاون تجاري واقتصادي مع واشنطن، قد لا يعني أن طهران ستتخلى عن محاولتها للحصول على جزء من هذه الأموال أو حرية التصرف بها، إذ إن التسريبات الإيرانية على لسان قاليباف والرئيس بزشكيان تؤكد أن هذه الأموال ستنتقل إلى إيران من دون إسقاط إمكان اللعب على هامش تجزئتها إلى قسمين، نصف المبلغ لشراء البضائع الأميركية والنصف الآخر تتصرف به طهران وفق ما تراه مناسباً.
مع الإشارات الأولى لإمكان التوصل إلى الصيغة النهائية لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران لإنهاء الحرب بينهما، والتفاهم على آليات تسوية الخلافات وإدارة تداعيات الحرب التي حصلت بينهما، لم يترك الجانب الإيراني أي فرصة لإحراج الجانب الأميركي.
الفريق الإيراني ذهب إلى خيار التفاوض في أجواء من الانقسام الداخلي بين جماعات تطالب باستمرار الحرب والمواجهة لتحقيق الانتصار التام والشامل على العدو الأميركي والإسرائيلي، وبين أكثرية تدعو وتدفع باتجاه إنهاء حال الحرب وإنقاذ ما تبقى من قدرات إيرانية اقتصادية واجتماعية وسياسية، تزامناً مع تراجع القدرات العسكرية بالتصدي لأي “عدوان جديد” قد يكون أكثر اتساعاً وعنفاً وقد يقضي على ما تبقى من قدرات وأصول اقتصادية وصناعية.
هذا الانقسام فرض على المفاوض الإيراني أن يعتمد استراتيجية مختلفة عن الاستراتيجيات التي سبق واعتمدها في جولات المفاوضات السابقة مع واشنطن، خصوصاً أن هذه الجولة من المفاوضات تأتي بعد حجم كبير من الخسائر على المستوى البشري، وخسارة المرشد الأعلى وغالبية الصف الأول من القيادات الأمنية والعسكرية، من بينهم قائدان لحرس الثورة في أقل من عام واحد (محمد سلامي في حرب يونيو “حزيران” 2025 وخلفه محمد باكبور).
وقد قامت هذه الاستراتيجية على مسارين أساسين، المسار الأول يخاطب الداخل الإيراني بكل مكوناته المؤيدة والمعارضة، والمسار الثاني يرتبط بآلية التعامل والتخاطب مع الإدارة الأميركية بصفتها الجهة الأولى المعنية بتطبيق ما جاء في مذكرة التفاهم.
وفي المسار الأول، الذي يمكن وصفه بالمعقد والمتشعب، حاولت الجهات التي تبنت قرار الذهاب إلى التفاوض والحوار من ناحية تثبيت حقيقة سياسية بأن خيار التفاوض هو خيار المجتمع الإيراني بكل أطيافه الفكرية والثقافية والسياسية والحزبية وانتماءاته الأيديولوجية والعقائدية، من موقع القوة والعزة والسيادة، خصوصاً أن هذه الجماعة تمثل الكتلة الحاملة للدولة العميقة، أي مؤسسة الحرس الثوري وقيادة الجيش النظامي والقيادة المشتركة لمقر خاتم الأنبياء والمجلس الأعلى للأمن القومي، ومعهم رئاسات السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية والإدارة الدبلوماسية.
ومن ناحية أخرى، سعت استراتيجية الفريق المفاوض إلى تفريغ الخطاب المتشدد والراديكالي وتفكيكه، لا سيما بعد سلسلة من المواقف والتحركات التي حاول فيها المتشددون التصويب على الفريق المفاوض، واتهامه بمحاصرة المرشد ومصادرة موقفه من خلال قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي، مستغلين ما جاء في إحدى رسائل المرشد الجديد وحديثه عن معارضته التفاوض بناء على المبادئ والأصول التي تحكم رؤيته لمسألة التفاوض والتجارب السابقة التي أكدت انعدام الثقة بالجانب الأميركي.
انطلاقاً من هذه التحديات، إضافة إلى تحدٍّ له علاقة بالجانب النفسي للفريق المفاوض، ومحاولة تأكيد أهليته وقدرته على إدارة التفاوض والوصول إلى النتائج التي تضمن الحقوق الإيرانية وعدم التفريط بأي من المكاسب والمصالح القومية والوطنية والإقليمية، فإن آليات تطبيق هذه الاستراتيجية قامت على مبدأ الشفافية والوضوح التام حول كل خطوات التفاوض ووضعها أمام الجمهور، بهدف حشد التأييد الشعبي من جهة، وقطع الطريق على أي محاولة راديكالية للتخريب أو إثارة الشكوك والفوضى. من خلال التصريحات المباشرة للمسؤولين عن التفاوض سواء من رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان الذي وقع على المذكرة، أو من قبل كبير المفاوضين رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، أو وزير الخارجية عباس عراقجي الذي يتولى مع فريقه دبلوماسية متابعة التفاصيل التفاوضية بإشراف من المجلس الأعلى للأمن القومي.
أما في المسار الثاني، الذي يرتبط بآلية التعامل مع المفاوض الأميركي، فقد أخذ المفاوض الإيراني في الاعتبار المزاجية العالية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إضافة إلى ما رصده بدقة عن وجود انقسام داخل الإدارة الأميركية حول مذكرة التفاهم وتطبيقها، بخاصة بين نائب الرئيس جي دي فانس الذي يميل إلى إنهاء حال النزاع والصراع مع إيران وتطبيق المذكرة وتنفيذ ما جاء فيها، وبين وزير الخارجية ماركو روبيو الذي يسعى إلى الالتفاف وخلق آليات تعطل تنفيذ بنود المذكرة، سواء من خلال الدفع إلى توقيع إطار تفاهم بين إسرائيل ولبنان لتعطيل البند الأول من المذكرة مع إيران، أو من خلال إعادة تحشيد الجوار الإقليمي لإيران وإعادة تعريفها بالخطر الدائم على أمن المنطقة واستقرارها.
وبسبب انعدام الثقة الإيرانية وإمكان الانقلاب الأميركي على المسار التفاوضي، كما حصل في مفاوضات يونيو 2025 وفبراير (شباط) الماضي، لجأ المفاوض الإيراني إلى اعتماد استراتيجية إحراج الرئيس الأميركي وإدارته من خلال اللعب على التوقيت في الكشف عن تفاصيل الخطوات التي يجري التفاوض حولها. وإن كانت هذه الاستراتيجية تشبه وضع من يسير على حافة الهاوية، وقد تدفع الرئيس الأميركي إلى التخلي عن المسار التفاوضي نتيجة ما تسببه له من إحراج على المستويين الداخلي والدولي، إلا أنها ساعدت طهران في تحقيق بعض النقاط لصالحها من دون أن تسقط من حساباتها إمكان أن ينقلب السحر عليها وتخسر ما حققته من مكاسب وتعود من جديد إلى دائرة الحصار والحرب.
اللعب الإيراني على حافة الهاوية بدأ مع اعتماد سياسة تسريب بنود مذكرة التفاهم، وأنها تتضمن 14 بنداً، فسارع الرئيس ترمب وإدارته إلى نفيها وتكذيبها، ليتضح لاحقاً وعند التوقيع عليها رسمياً بأن التسريب الإيراني كان دقيقاً من ناحية الشكل والمضمون، ولم يقف اللعب الإيراني عند هذا الحد، بل ذهب إلى وضع ورقة بلغتين مختلفتين، الإنجليزية والفارسية، وهي خطوة تعد سابقة في الاتفاقات والمعاهدات والمذكرات الدولية، استحضر فيها الإيرانيون كل التجارب الدولية التي سمحت للطرف الأقوى باعتماد القراءة التي تناسب أهدافه ومصالحه، ومن ثم يسمح لطهران باعتماد النص الفارسي للمذكرة كمرجعية لفهم ما جاء فيها من بنود، لقطع الطريق على أي تفسيرات للنصوص الواردة فيها، قد تسمح للأميركي بالالتفاف عليها من خلال تفسير بخاصة للصياغات اللغوية.
مذكرة التفاهم التي يسعى الفريق الإيراني المفاوض بقيادة قاليباف إلى تسويقها بأنها “نصر” لإيران و”هزيمة” لأميركا، سمحت لطهران بامتلاك ورقة مساومة قادرة على قطع الطريق أمام الإدارة الأميركية للتملص أو تعديل تطبيقها، وقد برز ذلك بوضوح في تفسير البنود المرتبطة بفك الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وأيضاً في آليات تشغيل مضيق هرمز، وصولاً إلى موضوع وقف إطلاق النار على جميع الجبهات بما فيها لبنان.
ولم يقف الإحراج الإيراني للرئيس الأميركي عند بنود مذكرة التفاهم، بل شمل أيضاً محاولة تسويق ترمب شروط شراء إيران المنتجات الأميركية مقابل إطلاق الأموال المجمدة في البنك المركزي القطري البالغة 6 مليارات دولار، وذلك من خلال تأكيد كبير المفاوضين قاليباف أن أي عملية شراء للمنتجات الأميركية لن تكون نتيجة هذه المذكرة، بل تنفيذاً لما سبق أن جرى الاتفاق عليه بين إدارة الرئيس السابق جو بايدن والرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي، ومن ثم فإن حصول عملية الشراء لن تكون ولن تشكل مكسباً لترمب وإدارته.
حديث قاليباف عن إمكان حصول تعاون تجاري واقتصادي مع واشنطن قد لا يعني أن طهران ستتخلى عن محاولتها الحصول على جزء من هذه الأموال أو حرية التصرف بها، إذ إن التسريبات الإيرانية على لسان قاليباف والرئيس بزشكيان تؤكد أن هذه الأموال ستنتقل إلى إيران من دون إسقاط إمكان اللعب على هامش تجزئتها إلى قسمين، نصف المبلغ لشراء البضائع الأميركية والنصف الآخر تتصرف به طهران وفق ما تراه مناسباً، خصوصاً أن هذا المبلغ لا يعد أساساً من الناحية الاقتصادية، وإن كان يحمل بعداً معنوياً وسياسياً، إلا أنه يبدو ضئيلاً أمام المبالغ التي حصلت عليها إيران منذ دخول مذكرة التفاهم حيز التنفيذ من عمليات بيع أكثر من 40 مليون برميل من النفط والحصول على عائداتها بالطرق القانونية، بعدما رفعت الخزانة الأميركية العقوبات على بيع النفط وعمليات البنك المركزي.
رغبة الطرفين بعدم العودة إلى الحرب، سواء واشنطن أو دول المنطقة، وبخاصة طهران التي تدرك ما قد تتعرض له من خسائر وانهيارات معقدة وأصعب من السابق، قد تسمح بلعب السير بين النقاط أو المغامرة على حافة الهاوية، إلا أن الاستمرار بسياسة الإحراج قد يدفع الأمور إلى مزيد من التعقيد، وقد يهدد فرص تسوية شاملة لإعادة تنظيم المنطقة وإرساء أسس سلام حقيقي يعيد دمج إيران بمحيطها ومع المجتمع الدولي.
