سوزان موسى درة.. كاتبة سورية،
يكاد لايمر أسبوع إلّا وتنشغل محافظة حمص بحادثة اختطاف او سطو او قتل تتبع السرقة، وتُعلن وسائل التواصل الاجتماعي استنكارها السريع، و تُصنع موجة ضجيج ضخمة حول الحدث إلى ان يُنسى كان شيئاً لم يحدث، وتدفُن الحقائق نفسها بنفسها،
بينما يتابع الشعب حياته اليومية مع صفّارة : / الحياة بدها تستمر / وكلّ ظنه بانه مع انطياعه لها؛ يختار مصيره ويقصف هواجسه، ويضع حداً لخيباته المتلاحقة، ولكن من يضع حَدّاً للفوضى، وللقذارة، وللبسطات، وللآليات التي تتنافس على احتلال الشوارع والأرصفة!؟!
كان الشعب السوري يهرب من مشكلة خفيفة أو ضيق محتمل ثم يقع في الأسوء او تحتَ قيدٍ أشد قسوة نتيجة سوء التقدير، ونتيجة منغصات مختلفة، وظلَّ على تلك الحال حتى أصبح عبداً لوهم التغيير، ثم عبداً لوهم الإصلاح، وفي النهاية مُكبلاً بقيودٍ أثقل وأكثر تركيزاً وضرراً،
لقد اصبح الشعب تابعاً لغطرسة الفوضى لأن جميع حالات التمرد العشوائية من انعدام النظام، والاضطراب، والخلط؛ تفرض نفسها بقوة وتتحدى القواعد المستقرة في بعض الأماكن، وكأن الفوضى نفسها أصبحت كياناً متكبراً (مغطرساً) يرفض الخضوع للترتيب أو السيطرة.
فهل تتجبر حمص على النظام، والقواعد، والإدارة؟
أم ان الشعب الحمصي شابَ على العشوائية ظناً منه أن الطريقة غير المنظمة هي الأسهل في مجتمعٍ تشوبهُ سوء الادارة و ضعف التخطيط في جميع المؤسسات، و الدوائر الحكومية؟
الواقع يقول بأنَّ العشوائية والاضطرابات فرضت شروطها على المجتمع السوري بشكلٍ عامٍ بقوة بعد ان طال امد المراحل التي غابت فيها سلطة القانون ، وأصبحت القوانين عاجزة أمامها. لقد اصبح الشعب السوري أمام مرآة التبعية العمياء و هذه النتيجة لم تأتي بين ليلة وضحاها بل بفعل تبعيته لسياسات لم تستطع تحسين حياته لكنها عرفت كيف تجعل تفكيره ينحصر بالإساءة، لقد غدا الشغب تحت وطأة سياسات عجزت عن كبح جماح غطرسة الدولار لكنها عرفت كيف تذكره بمن احتكر حياته، ومستقبله لسنواتٍ طويلة
. غدا امام سياسات لم تتمكن من تحسين خطابها السياسي البَتّة لكنها عرفت كيف تعطي الشعب الحق بتسمِية عَدُوّهِ كما يشاء، ومتى يشاء حتى صارت الشتيمة كشعارات من ألسنة نارية، وصارت الحكومة هي المتفرجة.
غدا أمام سياسات ابعدته عن مواجهة منظومة الفساد والطائفية، وصار هو عبارة عن كُتَل همها مواجهة المتآمرين الذين كانوا في منطق الأمس معارضين، وصاروا في منطق اليوم موالين للحكم السابق الذين طالتهم منظومة الفساد لا يمكن عدّهم، ولا إحصائهم، لكن كل الذين طالتهم خيوط الطائفية التذعوا منها كأنها النار، وكل الذين سعت نحوهم و لم تطالهم صاروا أشبه بمحارق أو مطارق، و في العودة إلى حمص، فانا لا استغرب ان تبقى حمص المدينة الموبوءة بالغطرسة، و أستطيع أن اقول: القضية في حمص ليست قضية غطرسة طائفة على طائفة او فئة على فئات، بل قضية عبودية الغالبية لكل اشكال الغطرسة.