يقترب العالم من الحرب العالميّة الثالثة بنظام دوليّ مفكّك عالق في عام 1945. يجعل تشابك الأحداث من مضيق هرمز إلى أوكرانيا وشرق آسيا الصراع الشامل فرضيّة ينبغي الاستعداد لها، وربّما التفكير في سبل درئها. مع اتّساع الحرب على إيران تتّسع دائرة المشاركين والمتضرّرين والوسطاء، إلى حدّ يلتبس فيه موقع الوسيط بموقع الحليف أو الشريك في القتال.
منذ ولايته الأولى، ساهم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في تقويض النظام العالميّ القائم على المؤسّسات الدوليّة والقانون الدوليّ، وعزّز صعود التيّارات الشعبويّة النزعة الانعزاليّة والتفرّد بالقرار والعمل من خارج المؤسّسات. وكشف ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم بالقوّة عام 2014 أزمة النظام وعجزه عن ردع قوّة كبرى قرّرت إعادة رسم الخرائط الدوليّة وأعادت الى أوروبا شبح 1939، فيما راكم العجز عن إنهاء الاحتلال الإسرائيليّ وإيجاد حلّ عادل للقضيّة الفلسطينيّة أزمة أخلاقيّة مزمنة قوّضت الثقة بالأمم المتّحدة ومؤسّساتها في نظر شعوب المنطقة وبلغت حدّ الكفر بها عندما تفرّجت عاجزة عن وقف الإبادة الإسرائيليّة للشعب الفلسطينيّ في غزّة.
لذا يرى كثيرون أنّ اللحظة مؤاتية لتغيير هذا النظام المتآكل فيما يعتقد كلّ طرف أنّ معسكره أقدر على إنتاج بديل يلائم نفوذه. غير أنّ تصدّع النظام القديم لا يعني ولادة نظام جديد. فقد تطول بينهما مرحلة تتنافس فيها القوى على مراتبها ومجالات نفوذها والقواعد التي ستخضع لها.
ليس معروفاً حتّى الآن ما إذا كانت حالة اللاحرب واللاسلم المسيطرة على الشرق الأوسط ستشكّل لحظة لإعادة ضبط إعدادات هذا النظام، أم مقدّمة لانفجار كبير يعيد إرساء نظام جديد ومؤسّسات جديدة، كما حدث بعد الحروب الكبرى منذ القرن التاسع عشر، من نظام الوفاق الأوروبيّ الذي أعقب الحروب النابليونيّة، وصولاً إلى تأسيس الأمم المتّحدة بعد الحرب العالميّة الثانية.
هنا يبرز السؤال الأكثر خطورة: هل بلغ العنف الحاليّ المستوى الكافي لإجبار المتحاربين على عقد تسوية يولد منها نظام جديد، أم حرّرهم فقط من قيود النظام السابق؟
ارتفاع منسوب العنف
إذا كانت القوّة المستخدمة حتّى الآن قد نجحت في الهدم وفشلت في الحسم، فقد ترفع الأطراف منسوب العنف بحثاً عن نتيجة سياسيّة عجزت الجولات السابقة عن إنتاجها. عندها قد ينفتح الصراع الشرق الأوسطيّ على الحرب الروسيّة ـ الأوكرانيّة (وهناك مؤشّرات إلى أنّه بدأ بالفعل) وتوتّرات شبه الجزيرة الكوريّة وتايوان ليس بسبب أنّ هذه الحروب جبهة عسكريّة واحدة، بل لأنّ استنزاف القوّة الأميركيّة، صدقيّة التحالفات، مخزونات السلاح، وحسابات الصين وروسيا وكوريا الشماليّة تصل بينها.
لذلك لا يولد النظام الجديد هذه المرّة على أنقاض حرب انتهت، بل يحاول التشكّل في قلب حروب لم تُحسم. لم ينتصر طرف بما يكفي لفرض قواعده، ولم يُهزم طرف بما يكفي للقبول بقواعد خصمه.
هنا يكمن الفارق بين تعدّديّة الأقطاب التي يكثر الحديث عنها وبين ما يعيشه العالم فعلاً. فالقطب لا يكتفي بالتعطيل، بل يقود تحالفاً، ويوفّر الحماية، وينتج قواعد يلزم بها مجال نفوذه. أمّا النظام الراهن فتتوزّع فيه القدرة على المنع أكثر ممّا تتوزّع القدرة على البناء، فهو إذاً نظام الفيتو المفتوح للجميع.
يمكن لإيران أن تعطّل الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب وتضرب مصالح خصومها مباشرة أو عبر حلفائها، وأن توسّع جغرافيا الحرب من الخليج إلى أوروبا، لكنّها لا تستطيع فرض شروطها النهائيّة.
يمكن لإسرائيل أن تدمّر قطاع غزّة وجنوب لبنان وتهدم منشآت وقدرات عسكريّة في سوريا والعراق، لكنّها تعجز حتّى الآن عن تحويل هذا التفوّق إلى نظام إقليميّ قابل للحياة. وتستطيع تركيا أن تمنع تقرير مستقبل سوريا من دونها، فيما تستطيع السعوديّة تغيير موازين سياسيّة وعسكريّة في الإقليم، من دون أن تتمكّن أيّ منهما من إغلاق هذه الملفّات منفردة.
يمكن لمجموعة من هذه الدول والقوى التابعة لها أن تتكتّل في أحلاف دفاعيّة أو جبهات عقائديّة أو تشكّل شبكات خارج الأطر الدولتيّة لتنفيذ مشاريعها التوسّعيّة، لكنّها تبقى جميعاً على اختلاف مستوياتها قاصرة عن الإكراه، قادرة على التعطيل.
صحيح أنّ الولايات المتّحدة تبقى الأقدر على بدء الحروب وتغيير الموازين وتوفير الحماية، لكنّها تتحوّل تدريجاً من مهندس للنظام إلى مدير لشبكة من آليّات منع الاصطدام: قنوات مع إيران، ترتيبات لخفض التصعيد بين تركيا وإسرائيل في سوريا، مساعٍ لحماية الملاحة في مضيق هرمز، وهيئة لإدارة الجبهة اللبنانيّة، علاوة على وساطات باكستانيّة وقطريّة وعُمانيّة وسعوديّة وتركيّة ومصريّة وربّما يونانيّة وكرديّة وعراقيّة تتداخل فيها صفة الوسيط مع موقع الحليف أو المشارك أو المستهدَف. ليست كثرة الوسطاء هنا دليلاً على حيويّة الدبلوماسيّة، بل على غياب الطاولة التي تجمع أصحاب القدرة الفعليّة على القتال والتعطيل.
حرب عالميّة بلا قرار بالحرب
لا تجعل تعدّديّة الفيتو أو القدرة على التعطيل الحرب العالميّة الثالثة مسألة حتميّة. فقد تستمرّ حالة اللاحرب واللاسلم سنوات عبر ضربات محدودة، وهدن هشّة، ومفاوضات متقطّعة، وقواعد اشتباك يعاد اختبارها كلّ يوم لكنّها لا تتحوّل إلى نظام مستقرّ، لأنّها تفتقر إلى قواعد متّفق عليها لتوزيع القوّة وتسوية النزاعات، وإلى جهة قادرة على فرضها.
لكنّ استمرارها لا يعني أنّها نجحت في ضبط الصراع، فكلّ جولة تفشل في إنتاج نتيجة سياسيّة تغري الأطراف بالاعتقاد أنّ الجولة المقبلة، إذا كانت أكثر عنفاً واتّساعاً، قد تحقّق ما عجزت عنه سابقتها.
هنا يتحوّل غياب الحسم من حاجز أمام الحرب الكبرى إلى دافع نحوها.
ينشأ الخطر من تراكم الحروب المحدودة وربطها حتّى تكتسب مجتمعة خصائص الحرب العالميّة. إذ يرفع تعدّد جبهات الصراع وخطوط الإمداد احتمال وقوع حادث عرضيّ يذهب ضحيّته عدد كبير من القتلى من بلد ما فيضطرّ إلى الردّ بشكل متناسب فتتدحرج كرة الثلج نحو المواجهة الشاملة بلا تخطيط مسبق. وهو ما كاد يحدث في القصف الإسرائيليّ لقاعدة “أبو الظهور” السوريّة وفي استهداف أوكرانيا ناقلات إيرانيّذة تحمل أسلحة استراتيجيّة لروسيا في بحر قزوين وفي تعرّض الناقلات التركيّة في البحر الأسود لهجمات بالمسيّرات أو تعرّضها للألغام البحريّة.
أمّا حين تربط واشنطن مستوى التزامها العسكريّ تجاه كوريا الجنوبيّة بموقف سيول من حرب إيران، تصبح الحرب في الخليج جزءاً من حسابات الردع في شرق آسيا. وحين تبحث إيران احتمال استهداف منشآت أميركيّة في أوروبا، تدخل الالتزامات الأطلسيّة في قلب حرب قيل إنّها إقليميّة. وحين تكاد تركيا وإسرائيل تتصادمان فوق سوريا، تصبح خلافات الحلفاء أنفسهم مصدراً محتملاً لتوسيع الحرب.
مؤسّسة عاجزة أم مَخرج أميركيّ؟
أُنشئت الأمم المتّحدة على أساس واقعيّ لا مثاليّ، ومنح المنتصرون في الحرب العالميّة الثانية أنفسهم العضويّة الدائمة وحقّ النقض لأنّهم لم يكونوا مستعدّين للانضمام إلى منظّمة تستطيع اتّخاذ قرارات مصيريّة ضدّهم. كان مجلس الأمن عقداً بين القوى القادرة على تدمير النظام، وكان الفيتو ثمن إبقائها داخله.
لكنّ خريطة الامتياز بقيت عالقة في عام 1945، فيما تحرّكت خريطة القوّة. تحتفظ بريطانيا وفرنسا بمقعدين دائمين في مجلس الأمن وحقَّي نقض يعكسان نتيجة حرب انتهت قبل ثمانية عقود، بينما تبقى الهند وإفريقيا وأميركا اللاتينيّة والشرق الأوسط خارج دائرة العضويّة الدائمة. ولا تكمن المشكلة في انعدام العدالة وحده، بل في تراجع الفاعليّة أيضاً: فالدول القادرة اليوم على تنفيذ تسويات أو إفشالها ليست ممثّلة تمثيلاً مناسباً في الغرفة التي يُفترض أنّها تنتج هذه التسويات.
مع ذلك، قد تكون هذه المؤسّسة العاجزة هي نفسها المخرج الذي تحتاج إليه واشنطن. فمؤسّسات الأمن القوميّ والدولة الأميركيّة مطالَبة بتقديم حلّ للرئيس ترامب يخرجه من حرب لم تنجح القوّة الجوّيّة في حسمها، ولم تستطِع الولايات المتّحدة حشد تحالف دوليّ مستعدّ لتحمّل كلفة اجتياح برّيّ لإيران وتغيير نظامها. وتواجه خياراً بين استنزاف لا ينتج تسوية وخروج بشروط يصوغها آخرون. فالإمبراطوريّات لا تفقد نفوذها حين يخرج آخر جنودها فقط، بل حين تعجز جيوشها عن تحويل القوّة إلى نتيجة سياسيّة.
تكمن المفارقة في أنّ المخرج الذي يحفظ لواشنطن بعض نفوذها قد يكون العودة إلى ما قوّضه ترامب: الشرعيّة الدوليّة، شبكة الحلفاء، والعمل عبر المؤسّسات لتعديل بنيتها وآليّاتها، بدلاً من تجاوزها كلّما قيّدت الحركة الأميركيّة. ليست العودة انصياعاً مثاليّاً لقانون دوليّ لم يُطبّق بعدالة، بل توزيع محسوب لكلفة إدارة النظام، وتحويل للتفوّق الأميركيّ من قدرة على شنّ الحرب إلى قدرة على بناء تحالف يُنهيها.
مؤسّسة أمميّة جديدة؟
يتطلّب ذلك منظّمة أممٍ متّحدة أكثر عدالة وواقعيّة في تمثيل القوى والأقاليم الغائبة عن تسوية 1945. فالقوّة التي لا تجد مكاناً مؤثّراً على الطاولة ستبحث عن حقّ النقض في الميدان. لكنّ الإصلاح لا يكون بمنح كلّ قوّة قادرة على الإيذاء مقعداً دائماً وفيتو جديداً. المطلوب توسيع التمثيل من دون استنساخ حقّ النقض، وتقييد استخدامه القائم، وتفعيل دور الجمعيّة العامّة، ولا سيما آليّة “الاتّحاد من أجل السلام”، عندما يشلّ الخلاف مجلس الأمن.
لا يستعيد النظام شرعيّته بتعديل التمثيل وحده، فقد دفع عجز الأمم المتّحدة عن إنهاء الاحتلال وإنفاذ الحقوق الفلسطينيّة قطاعات واسعة إلى الكفر بجدوى الشرعيّة الدوليّة. لا يمكن مطالبة الشعوب بالعودة إلى مؤسّسة تؤبّد موازين الظلم التي تدّعي تسويتها. النظام المطلوب يجب أن يكون أصدق تمثيلاً للقوّة، وأكثر اتّساقاً في تطبيق قواعده.
لن يلغي إصلاح الأمم المتّحدة صراع القوّة، لكنّه قد يعيد إنشاء المكان الذي تتفاوض فيه الدول على حدود قدرتها، ويرفع الكلفة السياسيّة والقانونيّة للعمل المنفرد، ويمنح الدول الأصغر فرصة للدفاع عن وجودها داخل مؤسّسة وليس في ساحات تعجز عن مجاراة الآخرين فيها.
قد تكون حالة اللاحرب واللاسلم فرصة أخيرة لإصلاح المؤسّسة قبل أن تتولّى الحرب إصلاحها بطريقتها. نشأ الوفاق الأوروبيّ بعد الحروب النابليونيّة، وعصبة الأمم بعد الحرب العالميّة الأولى، والأمم المتّحدة بعد الثانية. والسؤال اليوم: هل يستطيع العالم إعادة بناء نظامه قبل الكارثة أم يحتاج إلى حرب عالميّة ثالثة كي يكتشف أنّ مؤسّسات 1945 لم تعد قادرة على حمايته منها؟
