
الروائية الإيطالية إزفيفا كازاتي (صفحة الكاتبة – فيسبوك)
ملخص
تبرز الكاتبة الإيطالية إزفيفا كازاتي مودينياني في روايتها “عشاء الصديقات” هشاشة الإنسان، وميراثه من الألم، وتنسج من تفاصيل يومية صغيرة، عوالم تتشابك عبرها علاقات الصداقة، الأمومة، الحب، والزواج. وتعيد تأمل تلك العلاقات بعيداً من الإدانات، والانحيازات، وأحكام الخطأ والصواب.
في رواية “عشاء الصديقات” (دار العربي – ترجمة عماد سعد فهمي)، تنطلق الإيطالية إزفيفا كازاتي مودينياني في رحلتها السردية من تفاصيل الحياة اليومية، فتشرع عبر اللقاءات العابرة، والذكريات البعيدة، والعادات المتكررة، نوافذ على الطبقات الأعمق من النفس الإنسانية، لتعري هشاشتها، نواقصها، وتناقضاتها.
منذ اللحظة الأولى يستحوذ الراوي العليم على سلطة السرد، يتتبع حيوات أربع صديقات يجتمعن في عشاء أسبوعي بأحد مطاعم ميلانو، هن “كارلوت”، “ماريا سول”، “غلوريا”، و”أندرينا”. ومع تعاقب لقاءاتهن وتشابك حكاياتهن، يتكشف ما يحملنه من ندوب الماضي، وإرث الألم الذي لا ينفك يشكل حاضرهن، ويضعهن في اختبارات ومواجهات قاسية مع الحياة.
الذاكرة النفسية
تنطلق الكاتبة في بناء حبكتها ورسم شخصياتها من فرضية أن الإنسان لا يبدأ علاقاته من الصفر، وإنما يدخلها محملاً بماضيه، فتعمد إلى تقنية الفلاش باك، التي تتخلل نسقاً أفقياً تتدافع عبره الأحداث. وتكشف عبر الاسترجاع عن إرث طفولة بطلاتها، الذي يصبح عائقاً يمنعهن من إقامة علاقات طبيعية في محيطهن الاجتماعي. فتستعيد “أندرينا” طفولتها التي أمضتها وحيدة، لاضطرار أمها العزباء للعمل بعيداً، كي تضمن لها حياة مستقرة وتعليم جيد. وتستعيد “كارلوت” طفولتها بين أم وأب يبغضان بعضهما.
وتستعيد “ماريا سول” صداقتها مع زوجها، وتحكم عائلتيهما في كل خياراتهما. وتتيح تلك الاستعادات رسم الأبعاد النفسية للشخصيات، وإبراز أزماتها وتشوهاتها الداخلية، التي تتجلى في تعلق مفرط، ثقة غائبة، شعور بعدم الاستحقاق، هروب من المواجهة، وخوف من الوحدة ومن الهجر أيضاً. ولا يسمح هذا الكشف النفسي ببناء التعاطف مع الشخصيات وحسب، وإنما يفسر دوافعها وسلوكها وما تتخذه من خيارات: “أليس الارتباط شيئاً جميلاً؟ لقد نشأت وأنا أفتقد شخصية الأب في حياتي، كان لديَّ حلم عن أب رائع، حتى وإن لم يكن موجوداً، إلى درجة أنني أتمنى لقاء رجل مثله، لكنني أعلم أنه إن التقيته، فسأغلق على نفسي خوفاً من أن يتركني. – هذا هو صميم معاناتك الخوف من الهجر” (ص61).
علاقات معقدة
تنشغل مودينياني باستكشاف العلاقات الإنسانية المعقَّدة، وتسلط الضوء على ذلك المثلث الملتبس الذي يجمع بين الزوج والزوجة والعشيقة. لكنها تتجاوز ثنائية الجاني والضحية وتنأى عن شيطنة أو إدانة أي طرف، بل تعمد إلى تجسيد الإنسان بوصفه ذاتاً مركبة تحمل تاريخاً من الخيبات والاحتياج والحرمان. فبينما تعيش “ماريا سول” معاناة الزوجة المخدوعة، تمارس كل من “أندرينا” و “كارلوت” دور العشيقة، التي تتورط في علاقة مع رجل متزوج. وعلى رغم تباين الأدوار، تستثير الصديقات الثلاث القدر ذاته من التعاطف.
وعبر علاقات الحب والشراكة والزواج تشرّح الكاتبة سيكولوجية المرأة التي تحتاج دائماً لأن تكون محبوبة ومرئية، ووطأة غياب الزوج على رغم حضوره الجسدي. وتتعرض للفتور الذي يطرأ على حياة يتقاسمها الشريكان معاً، وتراوح الحب بين وهج وانطفاء. كذلك تطرح الأمومة بوصفها تجربة شائكة لا يمكن اختزالها في الغريزة أو مجرد الرغبة في الإنجاب، وتضيء ما تستوجبه من تضحيات لا مناص من بذلها، وما تفرضه من تحديات لا بد من مواجهتها.
كذلك تحظى الصداقة بمساحة لافتة داخل السرد، وتتجلى كثيمة رئيسة له. إذ تحرص الكاتبة على إبرازها بوصفها مساحة آمنة تتلاقى خلالها هواجس وانكسارات بطلاتها. كذلك تعمد إلى إضاءة قضايا أخرى مثل الهوة العميقة بين الأجيال، خطورة التربية القاسية في طمس شخصية الأبناء، حرية النساء وارتباطها باندماجهن في ميدان العمل. كذلك تطرح قضية التقدم في العمر وما يواكبه من حاجة للاحتواء: “كانت ترى والد سيرجيو رجلاً طيباً وأميناً، لا يليق به أن يصبح في شيخوخته لقمة سائغة لمرأة تخطط لاستغلاله” (ص161).
كثافة الحوار
تحرص الكاتبة على زعزعة سلطة الراوي العليم عبر الحضور الكثيف لمساحات الحوار. وإضافة لما تمنحه هذه المساحات من حرية أكبر للشخوص في التعبير عن ذواتها بصدقية، بما يسهم في زيادة التعاطف مع الخطأ والنقص الإنساني، فإنها تتسق مع طبيعة النص الذي ينهض على أنماط مختلفة من العلاقات الإنسانية، وما يقتضيه تفكيك تلك العلاقات من بنية حوارية تسمح بالكشف عما يعتريها من تقارب أو توتر، أو ضبابية والتباس.
كذلك يلعب الحوار دوراً رئيساً في الكشف عن التكوين النفسي لكل شخصية، فيبرز حوار زوجة الخال التي ترعى “أندرينا” في غياب أمها، مدى قسوة المرأة وفظاظتها: “هكذا ضمنت تلك اللقيطة طعامها ومأواها لهذا الشهر” (ص45). ويكشف في الوقت نفسه عن الماضي النفسي للطفلة، الذي سيلاحقها في مراحل مختلفة من عمرها، على نحو يفسر لحظات صراعها مع أمها، وحالة التشكك التي وسمت حياتها العاطفية. وفضلاً عن دوره في رسم الأبعاد النفسية للشخصيات، يسهم الحوار في تجسيد الصراع الدرامي الذي يضيء بدوره مدى عمق العلاقات أحياناً، وأحياناً أخرى يُظهر مدى هشاشتها.
فبينما تكشف المواجهات التي تنشأ بين كل من “غلوريا” و”سيرجيو” عمق الشعور، وقوة الروابط التي تجمع بين الشريكين، وتدفعهما للتجاوز والتغاضي، تفضح المواجهة بين “ماريا سول” وزوجها، المسافة الشاسعة بينهما وحجم العطب في علاقتهما، ويتضح في مواجهتها مع أمها وأم زوجها؛ حجم عزلتها النفسية، والهوة العميقة بين الأجيال. كذلك تكشف النفاق الاجتماعي الذي يدفع الآباء لمطالبة أبنائهم بالتظاهر بتماسك العلاقات، على رغم انهيارها وما تلحقه بهم من أذى؛ “ما زاد الطين بلة، تعليق والدتها: إنه أمر يتعلق بسمعة عائلتينا. في تلك اللحظة نظرت ماريا سول إلى السيدتين وكأنهما شخصان غريبان وعدائيان. ردَّت متسائلة: بالطبع دعونا نحافظ على المظاهر، ولا ننثر الفضائح، ولكن من سيحافظ على حياتي؟ من سيعيد إليَّ مستقبلي زوجة وأماً، من سيعيد بناءه بعد أن دُمر” (ص169).
بين الشمال والجنوب
على رغم التحديات الاقتصادية التي يواجهها المجتمع الإيطالي، فإن الكاتبة تمنح كل بطلاتها رفاهية الحياة ورغد العيش، وتقرر لثلاثة منهن العمل بوظائف مرموقة، والتحصل على دخول مرتفعة. غير أن هذا الاختيار الفني لا يحول دون بروز ثنائية الثراء والفقر، التي ترتبط بثنائيات أخرى، تستدعيها فضاءات السرد الزمنية والمكانية. فالحاضر الذي تعيشه “أندرينا” مرفهة لا يشبه ماضياً من الفقر والمعاناة، تشاركته في طفولتها وأمها. والشمال الذي يضمن الحرية والعمل والمال، لا يشبه جنوباً يعاني ضيق العيش وندرة الفرص.
كذلك يسمح امتداد فضاءات السرد من مدينة “ميلانو” إلى قرية “بورتو تشيزاريو”؛ بإبراز الخصوصية الثقافية للجنوب الإيطالي، وما يتمسك به أهله من تقاليد صارمة ومفاهيم تقليدية للشرف، تدفعهم لازدراء النساء اللاتي يحملن بغير زواج، “أجد الأمر غريباً يا دون ماورو، فالفتيات اللواتي يتمتعن بالطيبة يحتفظن بعفتهن لأزواجهن” (ص47). وفضلاً عن الأفكار والتقاليد والعادات، يتجلى حضور المطبخ الإيطالي على طول خط السرد بوصفه رافداً آخر من روافد الهوية الثقافية للمجتمع. إذ تستدعي الكاتبة العديد من الأطباق الإيطالية، ولا سيما التقليدية؛ “لن أسمح لك الليلة بإحضار أي شيء، سأطهو لك مكرونة الأوركيتيتا كما تعدها أمي. أما التحلية فسنتناول حلوى بورسيدوتزي المحلاة بالعسل أو السكر كما تعد في مدينتي بولبا وليتشي، وهي وصفة قديمة لا يعرفها إلا القليلون” (ص76). وفضلاً عما تضفيه أنواع الطعام من واقعيةٍ وصدقيةٍ على السرد، فإنها تكسبه نكهة محلية، تدفع القارئ لمعايشة الأجواء الإيطالية، وتدعم حالة التماهي مع النص.
رسائل إلكترونية
تستدعي مودينياني الرسائل في صورتها الحديثة عبر البريد الإلكتروني. وتسمح من خلالها بخلخلة سلطة الرواي من جهة، واختزال المسافة الجغرافية الفاصلة بين “أندرينا” وحبيبها الأميركي “بيل فوستر” من جهة أخرى. كذلك تتيح للقارئ عبرها؛ إمكانية التلصص على بطليها في مساحة تتسم بحرية البوح وجرأة الاعتراف. وتوظف الردود وسرعة الإرسال لتمرير دلالات رمزية مبطَّنة. فيحيل امتناع “أندرينا” عن الرد على رسائل “بيل” إلى صراع يعتمل في دواخلها بين شعور بالحب يدفعها إليه، وبين عقل يصرفها عنه لكونه زوجاً وأباً لطفلتين.
كذلك يحيل الرد السريع من قبل “بيل” على رسالة لم تحمل سوى كلمة “أفتقدك”، معلناً عن عزمه السفر لميلانو؛ إلى انجرافه خلف مشاعره من دون الاكتراث بالقيود ولا العواقب. ويتسق طول ولغة الرسائل داخل النص مع طبيعة الوسيط الإلكتروني، إذ تأتي دائماً قصيرة، ومركَّزة، وبلغة يومية سلسة: “كنتُ في برلين منذ ثلاثة أيام، وقد ظل قلبي يدفعني أن أراك في ميلانو، لكنني لم أفعل، لأننا تعاهدنا على عدم اللقاء مرة أخرى. غير أنني لا أستطيع نسيانك، سأظل أكتب لك فأنت لا تفارقين أفكاري” (ص17).
ديناميكية التحول
تمرر الكاتبة رؤى فلسفية ضمنية عن التحول، باعتباره الثابت الوحيد في الحياة. وتجسده بوصفه ناموساً يفرض هيمنته على الشخوص، والمشاعر، والعلاقات. فيتحول الحب بين “أندرينا” و”ماركو” إلى صداقة، في حين يتحول إلى رابط أكثر نضجاً بين “غلوريا” و”سيرجيو”. ويتحول هروب “كارلوت” من مخاوفها عبر تجنب العائلة، إلى إصرار على مواجهة تلك المخاوف وترميم روابطها العائلية. وتتحول “ماريا سول” من تابعة منزوعة الإرادة إلى امرأة جديدة تسيطر على حياتها.
ويتحول تاريخ من انسحاق النساء تحت سطوة الوصاية الأبوية، إلى واقع جديد تمتلك فيه المرأة زمام أمورها، لكنها تظل وفق رؤية الكاتبة، في حاجة دائمة للأمومة والحب والاحتواء.