الهجوم الحوثي في الساحل الغربي إلى حدّ إسقاط مدينة مخا والإطباق على مضيق باب المندب قوبل باستنفار عشوائي من التشكيلات التابعة للحكومة في عدن، والمتنافسة على الموارد والمناصب والصلاحيات، وبدعم من المتطوّعين في تعز والساحل، وبهجوم عسكري آخر مدعوم بالقبائل في ثلاث محافظات في الشرق والوسط للضغط باتجاه صنعاء.
صمتت صواريخ الحوثيين ومسيّراتهم عندما كان مُفتَرضاً بها أن تسند إيران في حرب الـ12 يوماً (الإسرائيلية-الأميركية) في حزيران 2025، إلا ببعض الهجمات الرمزية. وظلّ الوضع نفسه لأشهر بعد اندلاع الحرب الثانية في 28 شباط الماضي، باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، ما عدا بعض بيانات التأييد لطهران، إلى أن أطلقوا الصاروخ الأول إلى إسرائيل في 28 آذار الماضي، أي بعد شهر من بدء الحرب.
بقي الإسناد محدوداً للغاية، إلى أن صدرت مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، في 17 حزيران الماضي، وكان مفترضاً بها خفض التصعيد، مع إخراج إسرائيل من الصراع المباشر. لكن بعد شهر تقريباً، بدأت الاستعدادات الإيرانية الحوثية لإغلاق باب المندب، ردّاً على التصارع الإيراني الأميركي بشأن السيطرة على مضيق هرمز.
الحوثيون يوسّعون الطوق على النفط السعودي
في هذا المسار التصعيدي الذي وصل أخيراً إلى حدّ تنفيذ هجوم حوثي استراتيجي كبير من مرتفعات منطقة تعز ومن الساحل الغربي، باتجاه باب المندب، أواخر آب الماضي، كان الحوثيون يدرسون خياراتهم العسكرية والسياسية، قبل خوض معركة إيرانية وجودية، تهدّد بفتح كل الجبهات وإشعال كل المحافظات، ووضع كل مكتسبات “أنصار الله” منذ عام 2014 في خانة الخطر الشديد.
أما السؤال عن توقيت المعركة، ولماذا يحاول الحوثيون الآن الوصول إلى باب المندب، فيجيب عليه تقرير مؤسسة دراسة الحرب The Institute for the Study of War إن اليمن يمرّ في هدنة معلنة، أو اللاحرب واللاسلم، منذ عام 2022، عقب المعارك الطاحنة في محافظة مأرب بين القوات الحكومية والميليشيات القبلية الموالية لها، والحوثيين، بين عامي 2020 و2021. وليس ثمة مبرّر لخوض معارك كبرى الآن، إلا إذا تقاطعت مصالح الحوثيين والإيرانيين، وهي تقضي بمحاصرة القطاع النفطي السعودي، للضغط حوثياً على الرياض من أجل فكّ الحصار عن الجماعة في اليمن، والضغط إيرانياً على الولايات المتحدة، للتنازل عن شروطها لوقف الحرب.
هذه هي المقاربة غير المباشرة التي اعتمدها الحرس الثوري الإيراني منذ 28 شباط الماضي، باستهدافه دول الخليج وإقفال مضيق هرمز، وتبنتها جماعة الحوثي منذ تموز الماضي تدريجياً، بمحاولة استكمال الطوق على القطاع النفطي السعودي في البحر الأحمر تحقيقاً للأهداف المشتركة. وهذا كله، لأن المملكة العربية السعودية، اختارت إحياء خط الأنابيب الممتد من الآبار إلى البحر الأحمر شرقاً.
لكن الحوثيين بدّلوا تكتيكاتهم نحو اعتداء متزايد لمنشآت النفط السعودية، وذلك على الأرجح كما يؤكد التقرير الأميركي، بعد أن أدركوا أن حصارهم البحري للسفن السعودية في البحر الأحمر فشل في إجبار السعودية على تلبية مطالب الحوثيين في اليمن. بل إن السلطات السعودية بدأت تصدّر نفطها بشكل رئيسي من ميناء ينبع شمال باب المندب، وبعيداً عن الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون، عبر قناة السويس، وذلك منذ حاول الحوثيون فرض الحصار البحري في أواخر تموز الماضي.
المباغتة الحوثية لقوات الشرعية
هذا “الستاتيكو” الهشّ منذ أربع سنوات، خرقته القوات الحوثية بهجوم كبير ومنسّق ومُمرحَل بداية أيلول الجاري، بهدف الإطباق على مدينة تعز شبه المطوّقة، والسيطرة على المرتفعات المُشرفة على مضيق باب المندب، وإسقاط المدن الساحلية جنوب مدينة الحديدة وصولاً إلى المخا وما بعدها. وهذه الخطة المدروسة بعناية، تحقق للحوثيين ثلاثة أهداف عملياتية خطيرة:
1 ـ إسقاط تعز، وفتح الطريق إلى عدن، مقرّ الحكومة الشرعية.
2 ـ السيطرة على مضيق باب المندب الاستراتيجي، وإدخال اليمن في قلب الصراع الإقليمي الدولي.
3 – تأمين ميناء الحديدة، شريان الحياة للحوثيين.
بالمقابل، وكما كان متوقعاً، استجابت القوات اليمنية الشرعية وتشكيلاتها المسلّحة الرديفة، وحاولت وقف الهجوم الرئيسي في تعز والساحل، أو إعاقته قدر الإمكان. لكن موازين القوى وطبيعة التضاريس التي كان يسيطر عليها الحوثيون لسنوات مضت، تسمح بالتقدم الحوثي تدريجياً نحو الهدف الأساسي وهو المضيق، مروراً بالمرتفعات والمدن الساحلية.
وباتجاه موازٍ، حرّكت القوات الحكومية الجبهات الأقرب إلى صنعاء، في محافظات الجوف ومأرب والبيضاء، في محاولة للضغط على الحوثيين وإشعارهم بالخطر، وردعهم عن مواصلة هجومهم في الجبهة الغربية. إلا أن المناطق التي يمكن تحريرها في الشرق ليست بأهمية المناطق التي تخسرها الحكومة اليمنية في الغرب. وهنا تحرك الحلفاء، لتقديم الدعم والإسناد بالسرعة اللازمة، لأن باب المندب، ليس قضية يمنية داخلية وحسب، بل هي ذات طابع إقليمي ودولي، ولها علاقة مباشرة، بالحرب الدائرة في مضيق هرمز منذ أشهر. كانت المشكلة فتح مضيق هرمز، فأُضيفت إليها – أو تكاد تُضاف – مشكلة ثانية لا تقلّ أهمية وهي مضيق باب المندب.
السيناريو الأخطر
لو تمكنت الحكومة اليمنية من تحقيق ثلاثة أمور معاً: تثبيت تقدمها في غرب تعز، ومواصلة الضغط في الجوف ومأرب، وفتح محور فعّال باتجاه جنوب الحديدة. لأصبح الحوثيون أمام خطر حقيقي من استنزاف دفاعاتهم وتشتت قواتهم.
أما مع تمكن الحوثيين من وقف الاندفاع الحكومي في تعز والحديدة، واسترداد المناطق التي خسروها وصولاً إلى مخا وإلى ما بعدها، ثم مواصلة ضرب المملكة العربية السعودية والمنشآت النفطية والملاحة في البحر الأحمر، فسيكونون قد نجحوا في تحويل الحرب إلى معادلة استنزاف إقليمية، حتى لو خسروا بعض المواقع في أماكن أخرى، وكانت أقرب إلى صنعاء.
الآن، ومع اشتداد الضغط الحوثي في الغرب، تضطر القوات الحكومية إلى تبديل استراتيجيتها من الاندفاع المتوازي بالشرق ردعاً للهجوم الحوثي في الغرب، لتهديد معاقل الحوثيين في صنعاء وفي صعدة، إلى تركيز الدفاع الرئيسي عن منطقة تعز، لاحتواء الاندفاع الحوثي الكبير هناك، والتحضير لهجوم مضاد موازٍ وبحجم التهديد الآتي. وهذا يعني في كل الأحوال، الدخول في حرب استنزاف طويلة، تتدخل فيها الدول المتضررة بأقدار متفاوتة، لصدّ الاختراق الإيراني في خاصرة جنوب الجزيرة العربية.
لكن ما هو أخطر من العوائق الجغرافية واللوجيستية، التي منعت الدفاع الفعّال عن باب المندب، هو الاختلافات العميقة بين تشكيلات الحكومة اليمنية الشرعية في عدن، وحتى بين التشكيلات التي كانت لها علاقات وثيقة مع الإمارات، قبل انسحاب أبو ظبي من التحالف المناهض للحوثيين عام 2019، وقبل تصفية المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً أواخر 2025 ومطلع العام الحالي.
من الجدير ذكره، أن القوات الموالية للإمارات، هي التي حرّرت مدينة مخا عام 2017، بعد احتلالها من حلف علي عبد الله صالح والحوثيين لسنتين. وهذه القوات نفسها، هي التي خاضت معركة الحديدة عام 2018. وهي التي انسحبت فجأة من جبهة الحديدة واتخذت من مخا مركزاً أساسياً لها عام 2021. وهذه القوات نفسها هي التي شنّت أخيراً هجوماً مضاداً ضد الحوثيين في الأيام القليلة التي سبقت الانسحاب المفاجئ وغير المفهوم فسهّله للحوثيين الوصول إلى مخا.
تتكوّن تلك القوات من المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، ابن شقيق الرئيس السابق علي عبد الله صالح (قتله الحوثيون عام 2017)، وعضو المجلس الرئاسي، ومن لواء العمالقة التي تأسس عام 2016 بدعم من الإمارات، ويتكون من السلفيين وبخاصة الذين خرجوا قسراً من دماج في صعدة عام 2014. وكان اللواء جزءاً من المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم من الإمارات أيضاً. لكنه وقف على الحياد خلال الصراع مع الحكومة، والتزم بقراراتها. وهناك المقاومة التهامية التي تضمّ سلفيين كذلك.
هكذا، فإن القوات الأساسية التي حاولت احتواء الهجوم الحوثي الكبير، ذات ارتباط وثيق بالإمارات، وبقيت مع الحكومة الشرعية، وهي مكوّنة من سلفيين، ومن زيديين شماليين أنصار علي عبد الله صالح. وهذه التشكيلات الثلاثة موحدة من حيث التمويل، لكنها مختلفة فيما بينها عقدياً وسياسياً. وهذا كافٍ لتكون الجبهة تفتقر إلى التنسيق الميداني واللوجيستي، وهو يسوّغ الانهيار السريع أمام قوة حوثية موحدة عقدياً وسياسياً وعسكرياً. وبمصطلح ابن خلدون، لا يمكن لجيش مكوّن من عصبيات متناحرة أن ينتصر على جيش ذي عصبية واحدة، وذلك عندما يفسر هزيمة مسلمي الأندلس المشتتين عرقياً وسياسياً وعسكرياً، أمام جيش الإسبان الموحّد في “القرن” قبل ستة قرون.
الأسوأ من ذلك، أن يكون الانسحاب المباغت ذا أهداف استراتيجية مختلفة، عن استراتيجية الحكومة اليمنية التي تدعمها المملكة العربية السعودية؛ ومن أبرز هذه الأهداف، إحياء الدور الإماراتي في الساحل الغربي، بعدما أُقصي عن المشهد في عدن وفي الجنوب الشرقي، بدليل أنّ جبهة الساحل يتولاها طارق صالح وبقية التشكيلات، وهو ما يزال يطالب بتوحيد القرار العسكري، مما يعني تفويضه هو بقيادة المعركة وفرض أوامره على الآخرين.
إذا كان الانسحاب المفاجئ وغير المبرّر عسكرياً، لتحقيق مصالح سياسية ضيقة، ولو على حساب خسارة مضيق باب المندب، وجعله منصة إيرانية، فهذه مغامرة بالغة الخطورة، لأنها تمسّ مباشرة بأمن التجارة الدولية، وبالأمن القومي العربي، وبالأمن القومي السعودي بشكل خاصّ. وفي نهاية المطاف، لن تسلم أي جهة سياسية من الأضرار الجسيمة، حتى انفصاليي اليمن في الجنوب. فهذا الاختراق يعزز مزاعم الحوثيين بشرعيتهم السياسية في كل اليمن، بناء على استلامهم رسمياً أحد أهم مضائق العالم، لا سيما بعد تصريح الحوثيين بأنهم سيحافظون على حرية الملاحة فيه، استناداً إلى السيادة الوطنية التي باتوا يمثّلونها. التطور الجديد والأخير هو توجه قائد القيادة المركزية الأميركية إلى السعودية حسب أكسيوس الأميركي. وهذا يعني تطوير التنسيق العسكري الأميركي السعودي لمنع الحوثيين حلفاء إيران من السيطرة على باب المندب وتكرار تجربة مضيق هرمز.
