حازم صاغيّة
صحافي وكاتب
……المصدر .أوريون لوجور
ذات مرّة طرأت مشكلة لم أتحسّب لها: صديق لي عُيّن وزيراً. هي بالطبع ليست مشكلته، بل حلُّه لمشاكله، لكنّها مشكلتي أنا: هل أخاطبه باسمه الأوّل كما الحال دائماً، ما سيبدو نافراً إذا كنّا محاطين بآخرين يخاطبونه بـ « معالي الوزير»؟ ولكنْ هل أخاطبه بـ « معالي الوزير»، وهو تعبير قد يخنقني قبل خروجه من فمي.
لوضع المشكلة في سياق أعرض، يحكم لبنان خمسة رؤساء للجمهوريّة والبرلمان والحكومة ونيابتي رئاسة البرلمان والحكومة. وهؤلاء يُفترض أن نخاطبهم بـ « فخامتك » و« دولتك ». لكنّ كلّ من تولّوا هذه المناصب وغادروها تُفترض مخاطبتهم بهذه الطريقة، وهو ما يستمرّ حتّى آخر يوم يعيشونه. وإليهم يُضاف الوزراء الحاليّون والسابقون، والذين سيوَزَّرون ممّن يُخاطَب واحدهم أبديّاً بـ « معاليك »، والنوّاب السابقون والحاليّون ممّن يُخاطَب واحدهم بـ « سعادتك ».
هذا التكاثُر الهائل للألقاب لا يُفهم بدون توازنات الطوائف وحساسيّاتها الفائقة، لكنّه أيضاً لا يُفهم بمعزل عن ظاهرة عميقة هي حبّ الوجاهة كنظام سلوكيّ مستقلّ. فمنذ عهد المدرسة كان يلفتني زملاءٌ ناهدون إلى العلى، حركاتهم تدلّ إلى ذلك. فواحدهم، حين نسير في الملعب، يختار أن يمشي في الوسط بين اثنين، وإذ نقترب من الباب يسبقنا خطوة للدخول قبلنا. وهو يصرّ على التحدّث بصوت أعلى من باقي الأصوات، ويكون صاحب العبارة الأخيرة التي تختم الكلام. فإذا عارض أحدُهم رأيه حوّلَ نظره في اتّجاه آخر كما لو أنّه لا يسمعه.
وفي السنوات اللاحقة بدأت ألاحظ ملحقاً لهذا البروتوكول. فعند التعارُف مع شخص آخر، يُستحسن بمن عصفت به الوجاهة أن يتحفّظ، فلا يبدي حماسة لمصافحته حتّى لو كان متشوّقاً إلى التعرّف إليه. وإذا كان المتعارفان جالسين ووقفا، فالمُستحسَن « تثقيل الحال» والتباطؤ في الوقوف والاقتراب من الآخر، فتكون المسافة المقطوعة باتّجاهه أطول من التي قطعها باتّجاه ذاك الآخر.
وفي العربيّة، يجمع « الوجيهَ » بـ »الوجه » جذرٌ واحد، والوجهُ طلّة الشخص على العالم وإشارة إلى مكانته. فلا يُحسد مَن « ذهب ماء وجهه »، ويُمدح من « حفظ ماء وجهه ». فالوجيه إذاً ذو وجه محفوظ، وهو قد يكون أحد « وجوه » مدينة أو قرية ما. ولئن دلّ تعبير « كرش الوجاهة » إلى اقتداره الماليّ الذي أتاح له طعاماً أكثر وأفضل، فبيت الوجيه ينبغي أن يبقى « مفتوحاً »، و« تسكير البيت »، في العاميّة اللبنانيّة، مرادف للقضاء على وجاهة الوجيه.
وبعد الاصلاحات العثمانيّة، جاء إلغاء المتصرّفيّة امتيازات الاقطاعيّين ليضخّم عدد الأعيان والوجهاء الذين استفادوا من التعليم وصناعة الحرير وانتشار الاقتصاد النقديّ وتوسّع الإدارة. وربّما بسبب غربة المتصرّف العثمانيّ عن المجتمع المحلّيّ، زاد احتياجه إلى جهاز محلّيّ من هؤلاء يتوسّطون علاقته بالسكّان. فالوجيه تالياً « صاحب كلمة »، يعرف سياسيّين مؤثّرين، ومتى كان ريفيّاً بالغَ في رشّ أسماء « المُهمّين » الذين يعرفهم لانّه دوماً الأحرص على إحراز الاعتراف بوجاهته.
إلاّ أنّ الطامحين بالوجاهة، والآخذين بها سلوكاً وثقافةً، هم بطبيعة الحال أكثر كثيراً من الوجهاء. وهؤلاء شديدو التمسّك بالألقاب، لأنّ اللقب أشبه برخصة مهنيّة تجيز لحاملها طموحَه. وأذكر، إبّان تحريري صفحة « الأفكار » في جريدة « الحياة »، أنّني كثيراً ما تلقّيت مقالات وُقّعت بـ « الأستاذ » أو « الدكتور »، أو حتّى « الأستاذ الدكتور ». فالوجيه يزوّر شخصه الفعليّ ليغدو شخصاً أعلى، أو ما يفترضه كذلك. وبدوره فالتداول الشفويّ، كما المكتوب، لم يخلُ من إعلان هذا التوق. فقد سبق لجبران باسيل مثلاً أن سكّ تعبير « المنتشر » لوصف المهاجر الذي يغادر بلده، لا طلباً للقمة العيش، بل تقليداً لقدموس ولنشره الأبجديّة في العالم.
وتعيد بعض المجتمعات تدوير مهن حديثة فتصالحُها مع الوجاهة. هكذا مثلاً يقول المصريّون في المخاطبة « باش مهندس »، ويقول الإيطاليّون الجنوبيّون « دوتّوري ». حتّى النشاط الثقافيّ والفكريّ حاصرته الوجاهة: فكلمة « مفكّر » تكاد تندثر في اللغات الأوروبيّة، إلاّ أنّها لا تزال قويّة جدّاً في العربيّة. ولدينا من يُدعى « المفكّر العربي » بألف ولام التعريف، يظهر متأمّلاً عابساً أمام شاشة التلفزيون لأنّ التجهّم من صفات المفكّر منذ تمثال رودان الشهير، فيما الضحك أو حتّى الابتسام يُضعفان وقار التفكير.
والحال أنّ عوامل عدّة ساهمت في تعميم صبوة الوجاهة في مجتمعاتنا المتوسطيّة والعربيّة. فأوّلاً، التقاليد المهنيّة ضعيفة والخجل بالعمل قويّ، ما يفسّر تلك العبارة الشعبيّة الاستدراكيّة « العمل مش عيب ». ونحن كثيراً ما نلتقي أشخاصاً يقولون حين « نضبطهم » يمارسون مهنهم: « نتسلّى بـ »، وقد يضيفون أنّهم ينتظرون وصول « عرض لائق ». ولطالما سمع ركّاب التاكسي من السائق أنّ الزمن حطّ به ولم يحالفه الحظّ فخسر ثروة معتبرة. وثانياً، نعرف بالملموس كيف أنّ النظام السياسيّ وقانون الانتخابات يحفظان موقعاً صلباً لمن يتوسّطون علاقة الدولة بالمواطنين، وهذا ربّما كان سبب الرغبة القويّة لدى شبّان كثيرين في دخول البرلمان. وأخيراً، تنهمك الفرديّة، التي يسحقها البيت والمدرسة والعمل، في البحث عن تعويض لفظيّ، وهذا علماً بأنّ التعويض قد يكون مكلفاً ومؤلماً. فقد ردّ بعض دارسي مفهوم الشهادة أحد أسبابه إلى انسحاق الفرديّة التي لا يرمّمها إلاّ الموت الذي يُكرّم بتعليق صور الشهيد وتبجيل أهله. وهذا خيار يُستحسن بالطامحين إلى الوجاهة تفاديه.