مرزوق الحلبي..ضفة ثالثة
كلّما قال أحدهم على مسمع منّي أنّ اللغة ما هي إلّا أداة اتّصال ليس إلّا، ابتسمتُ أو هززت رأسي بالنفي. وحسب طبيعة العلاقة والموقف، أحاول أن أوضح أنّ للغة جُملة من الوظائف أهمّ من التواصل في حياة كل جماعة. وعادة ما أشير إلى حقيقة أنّ لكلّ دولة سياساتها اللغويّة أو أنّ اللغة هويّة وثقافة الجماعة التي تتحدّث بها، وهي جملة أحكام هذه الجماعة وتصوّرها للعالم. وهي، أيضًا، معارف الجماعة وتجربتها وذاكرتها وخصائصها. بل تصير اللغة حيّز العيش والمكان الذي نعيش فيه والبيت الذي نطمئنّ تحت سقفه والوجود كما نجرّبه.
لقد تابعت في بداية دراستي الجامعيّة السياسات اللغويّة في بعض الأقطار العربيّة بعد استقلالها. وقد تمحورت كما في الجزائر مثلًا حول مواجهة الفرْنَسة بالتعريب. وقد احتاج الأمر إلى ثلاثة مشاريع تعريب لضمان حضور العربيّة ابتداءً من الصفوف الدنيا في المدارس وانتهاءً في الحيّز العام إلى جانب الفرنسيّة والمحكيّات التي ظلّت في التداول. وفعلت الأمر ذاته في لبنان لأكتشف أنّ مدارسها ظلّت على الفرنسية، أيضًا، كجزء من بقاء لبنان في إطار الفرانكوفونيّة. بمعنى لم يكن سهلًا في الحالتيْن – وهناك حالات أخرى كتونس – استبدال لغة الاستعمار بلغة الدولة المستقلّة حديثًا. ولم يكن سهلًا الأخذ بتوصيات روّاد النهضة العربيّة واعتماد اللغة العربية الفصيحة (آخرون يُريدونها “معياريّة”) في إطار السعي العربيّ إلى بناء الأمّة في الدول وفي الإقليم.
لقد عرفت المجتمعات العربيّة وظائف اللغة في بناء الأمّة أو المجتمع مقابل نفسه أو مقابل آثار حقبة الاستعمار. وعرفت الحكومات العربيّة وظائف اللغة في التنشئة وفي وضع المتعلّمين ضمن مسار بناء “عقليّة” المجتمع وأعرافه. ومع هذا فقد تعثّرت السياسات اللغويّة هنا وهناك بسبب من مبنى القوّة بين اللغات المتداولة في عالم بدا متماسكًا ومتواصلًا أكثر بعد الحرب العالميّة الثانيّة. بل زاد تعثّرها مع ازدياد الطلب في الأقاليم العربيّة على لغات أخرى ضروريّة لمتابعة الدراسات العليا في دول أوروبيّة أو في أميركا الشماليّة. هنا بالتحديد بدت الفرنسيّة ضروريّة في لبنان والجزائر والمغرب وتونس، وبدت الإنكليزية ضروريّة في مصر وبعض دول الخليج. وقد أُعيد تطوير مناهج التدريس بما يتناسب وذلك. وهو ما يُعيدنا إلى قرون خلت كان تدريس الطبّ في الجامعات الأوروبيّة يتمّ باللغة العربيّة – لغة الطبّ الأحدث في تلك الحقبة. للقول إنّ المجتمعات قد تضطرّ إلى استيراد لغة أجنبيّة لغرض النهوض أو تحقيق غاية المعرفة العمليّة. تسعى أحيانًا إلى سدّ العجز المهنيّ أو المعرفيّ عبر تشجيع تدريس لغة أجنبيّة تضمن مساحة أوسع لعيش الناس وانتفاعهم، وهو ما قد يعود بالفائدة على الدولة ومجتمعها.
تُعتبر مناهج تدريس اللغات، لغة الأم واللغات الأجنبيّة، مفتاح السياسات اللغويّة في مجتمع ما. فهي التي تعبّر من خلال المضامين عن مفاهيم المجتمع المتّصلة بلغته الأم وما يتوقّعه منها وتكشف تموضعها في مقابل اللغات الأجنبيّة المحايثة. إلّا أنّ السياسات تظهر، أيضًا، في تعامل الدولة مع تعدّد اللغات داخلها. وقد درجت الدولة القوميّة بشكل عام – العربيّة والغربيّة – على اعتماد لغة رسميّة واحدة ذات منزلة رئيسة وإبقاء اللغات الأخرى في منزلة أقلّ. بل وصل الأمر ببعض الدول أن منعت تداول اللغات الثانويّة على الأقلّ في المدارس الرسميّة. أو أنها قمعت الثقافات الأخرى في اللغات الثانويّة بدعوى ترسيخ الثقافة الواحدة الجامعة كما حصل للغة العربيّة في مقابل الأمازيغية في شمال أفريقيا. أو كما حصل للغة التركيّة في مقابل الكوردية في المناطق الشرقيّة من البلاد. في الحالتيْن فضّلت الدولة اللغة الرسميّة المعتمدة وقمعت بوعي لغة اعتبرتها ثانويّة (وهي أساس وجود الجماعة الناطقة بها). والغاية في مثل هذه الحالات صياغة المجتمع وفق منظور واحد وربطه بقيَم وأعراف وأحكام كامنة في اللغة وذلك تلافيًا لانقسامات وفق الخصوصيّة الإثنية اللغويّة، أو لمواجهة نزعات انفصال قد تنشأ في هذه الحالات عند الجماعات اللغوية أو الأصلانية التي سبق وجودها وجود الدولة.
هنا تتجلّى اللغة لنا كأداة صهر أو بناء. وهناك مَن يراها أداة سيطرة وضبط. وهو ما يذكّرنا بنظريّة سلطة اللغة والإنشاء عند فوكو الذي أشار إلى كون اللغة “قوّة ناعمة” في أيدي السلطة تُستخدم في إحكام السيطرة وتوجيه العقول والنفوس نحو مفاهيم وعقائد دون غيرها. وهو ما أكّده آخرون من المدرسة ذاتها أو مدرسة ما بعد الاستعمار التي وضعت أدبيّات واسعة بخصوص العلاقة بين لغة المستعمِر ولغة المستعمَرين والصراع الخفيّ والمكشوف بينهما. فاللغات كما في هذه الحالة ترتبط ببعضها بعلاقات قوّة أو موجودة في الحيّز الاجتماعيّ السياسيّ ضمن هرَميّة معيّنة، فيها الأهمّ والأقلّ أهمّيّة والقويّ والضعيف.
من هنا الأهمّيّة التي أوليها إلى مسألة الاشتغال باللغة بكلّ هذه المعاني والوظائف واهتمامي بالمشاريع اللغويّة على اختلافها. وقد كتبت عن معجم الدوحة التاريخيّ بوصفه بُنية تحتيّة متطوّرة للوجود العربيّ وأكتب عن مشروع الموسوعة العربيّة “أرابيكا” كمشروع لغويّ – معرفيّ يؤسّس للمعرفة ويوطّنها “كاملة” في اللغة العربيّة لتسدّ عجزًا معرفيًّا متراكمًا وتضع العربيّة على المستوى المعرفيّ – إذ لم يكن أعلى – مع سائر اللغات الحيّة المتداولة. هذا يعني أنّ العربيّ – وغير العربيّ – سيجد فيها ما يريد وما يحتاج. وهي حالة وجوديّة يستعيد الإنسان العربيّ فيها ثقته بنفسه وهويته وثقافته، وتكبر كلّما نافست لغته بشرف اللغات الأخرى. هنا، تكفّ اللغة عن كونها لغة اتّصال لتصير الوجود كلّه. يقينًا أنّ الإنسان، كلّ إنسان، سيشعر بالراحة والزهوّ والاقتدار كلّما اكتمل وجوده. وهي سيرورة بناء ونهوض وسط التهديم الحاصل في إطار علاقات الدول والشعوب في هذه الحقبة.